وما كاد يجاوِز مُقدمة اللوري الأخير حتي شعر بسيارة فورد تندفع نحوه بسرعة فائقة. وقال أحد الشهود فيما بعد إنه كان عليه أن يتراجع بسرعة وإنه لو فعل ذلك لنجا رغم سرعة السيارة، ندّت عن الرجل صرخة كالعواء وفي ذات الوقت انطلقت صرخات الفزع من المارة الواقفين علي التوار، حتي تكون منهم سور غليظ منيع وانتشر في المنطقة الهرج، الرجل وهو يرتفع في الفضاء امتارا ثم يهوي فوق الأرض كشيء، وبسرعة وبدون أن ينظر إلي يساره كما يجب"، وإذا لم يجد وجها مستجيبا عاد ليقول بلهجة خطابية: "لم يكن بإمكاني تفادي الصدمة". "لكنه طار في الهواء والعياذ بالله" خطوات فقط وعينهم لا تتحول عن الرجل ولا تخفي حِدة تطلعها وإشفاقها وقال إنسان:"سيبقي هكذا حتي يموت ونحن لا نفعل شيئا" وبوليس النجدة والإسعاف في الطريق اليه" واعترض الحادث جانب الطريق واضطرت السيارات إلي الإلتفاف حول السور البشري مشاركة الترام في ممشاة. فضاق بها حتي تحركت في بطء شديد وتجمعت في صفوف ممتدة ومتداخلة وهي تصرخ وتعوي بلا فائدة، ومن ركابها تطلعت أعين إلي الضحية في اهتمام وأعين تجنبت النظر في جذع. وجاء بوليس النجدة وراء صفارته الحلزونية فاتسعت الحلقة وغادرت القوة السيارة إلي الرجل الملقي وكان الضابط حاسما وحازما، فأصدر أمرا بتفريق المتجمعين، وإذ لم تكن ثمة ضرورة إلي السؤال فإنه لم يلق بالا إلي الجواب، فتقدم ماسح أحذية وسائق لوري وصبي كبابجي كان عائدا بصينية فارغة، وأعادوا علي مسمع الضابط ما حدث منذ ما كان الرجل المجهول يتكلم في التليفون. ثم نهض متوجها إلي الضابط فبادره هذا قائلا: "أظن يجب نقله إلي الإسعاف"، فقال الاخر بلهجة ذات أثر لا يختلف عادة عن الأثر الذي يحدث عن جرس سيارته: "بل يجب نقله إلي مستشفي الدمرداش" وعندما أُرقِد الرجل بحجرة الفحص في مستشفي الدمرداش، وجاء ضابط النقطة والراجل ما يزال راقدا بكامل ملابسه، وقال الطبيب: "هذه الحوادث لا تنتهي"، وألقي نظرة عابرة علي أسماء الأدوية، ولكنه لاحظ وجود كتابة علي ظهرها وجرّه بصره عليها بلا إرادة فإذا بها ويستحسن تجنب المنبهات كالشاي والقهوة والشيكولاته" وابتسم الظابط ابتسامة باطنية، ولما لم يجد شيئا اخر في الحافظة قال بضيق:"لا توجد بطاقة تحقيق شخصية "، فأمِل أن يصادف فيها ما يستطيع أن يستدل به علي شخصية الرجل. فعاد إلي رأس الصفحة ولكن الرسالة كانت موجهة "إلي أخي العزيز أدامه الله" فاستاء من هذه المعاندة ولم يجد بُدا من قرائتها. أضطر إلي التوقف رافعا عينيه إلي تاريخ الرسالة وكان تاريخ اليوم نفسه ٢٠ فبراير، وامتد بصره فوق الوجه الأسطر إلي الوجه الباهت المشئوب بزرقة مخيفة المغلق كسر، ذلك الذي تحقق له أكبر أمل في الحياة وتسائل الطبيب عثرت علي شيء؟ فانتبه إلي نفسه وابتسم ابتسامة إستهانة ليدل علي اعتياده أي شيء وقال "اليوم تحقق لي أكبر أمل في الحياة" بذلك بدأت الرسالة وعاد إلي القراءة متجنبا النظر إلي عيني الطبيب، أمينة وبهية وزينب في بيوتهن،