في ذكر ما يظهر لي من سبب ارتجالنا إلى هذه البلاد، التي هي ديار كفر وعناد، عنا غاية الابتعاد، وكثرية املصاريف؛ لشدة غلو الأسعار فيها غاية الاشتداد. أقول: إن هذا يحتاج إلى تمهيد، وهو أن الأصل في الإنسان الساذجية، عن الزينة، والوجود على أصل الفطرة، لا يعرف إلا الأمور الوجدانية، ُ بعض الناس عدة معارف لم يسبق بها، وإنما كشفت له بالصدفة والاتفاق، والإيحاء. وحكم الشرع أو العقل بنفعها، فاتبعت وأبقيت. مثلاً: كان في أوائل الزمن، يجهل بعض الناس تنضيج املطعومات بالنريان؛ النار بالكلية عندهم، ويقتصرون على الغذاء بالفواكه أو بالأشياء املنضجة بالشمس، ً أكل الأشياء النيئة، كما هو باق في بعض البلاد املتوحشة إلى الآن، بعضهم رأى خروج شرارة نار من الصوان، بمصادمة حديدة أو نحوها، ففعل مثل ذلك، وقدم وأخرج النار وعرف خاصيتها، للثياب باللون الأرجواني مثلاً، فرأى بعضهم كلبًا أخذ محارة من البحر، ما فيها، فاحمر حنكه، وتلون بما فيها، فأخذوها، اللون، كما يحكى ذلك عن أهالي «صور» ببر الشام. وكانت الناس في أول الأمر تجهل ركوب البحر، ثم بإلهام إلهي، أو باتفاق بشري، عرفوا أن من خواص الخشب السبح على وجه املاء، فصنعوا السفينة، ً السفن، وعمروها، ونوعوها أنواعا، فكانت أولاً صغرية للتجارات، ثم ترفعوا فيها،