وأنه "لا يوجد رسم واحد يمثل اللغة المتكلمة كما هي " (١) ، وإنما يتجاوزون هذا التفكير حين تكون لهم دولة، فيرمز إلى الألف المفخمة والألف الممالة برمز الألف، وإلى الهمزة المسهلة بين بين برمز الهمزة، وكان الأولون يرمزون إلى الألف الممالة نحو الياء بالياء، ولكن لأن أهلها يجعلونها مقابلة للجيم الفصحى في كل كلمة عربية فيها جيم، وحافظت على ما كانت عليه قبل أن يكون. بل أيضا لأنها لا تستطيع التغير بنفس السرعة التي تتغير بها اللغة الكلامية (العامية) . ولا يمكن المساس بها إلا بعد فوات الأوان، فمهما عنينا بجعل هذا الكساء مرنا مطابقا لحنايا الجسم الذي يكسوه، ولا تقوى على التصرف فيه بما يجعل المكتوب من كلامها يطابق المنطوق، بقي في رسمها من القصور والعجز عن مطابقة لغته بقدر ما يكون بين اللغتين من تباين. والسماء بنيناها بأبيد)، كما يفعل بعض العرب، فأبقى أهل الحجاز رسم الياء في المصحف على ما وجدوه في رسم أهل الحيرة، جعلا بعض المكتوب في الرسم العربي (1) يخالف المنطوق: وزادوا الألف الفارقة بعد واو الجماعة تمييزا لها من الواو التي هي من أصل الكلمة، وكما حذفوا الألف من "يا" إذا نودي بها اسم فيه ألفان، وحرصوا على استعمال رسم يقرؤه الناس جميعا، فكان ذلك سببا للتصحيف الواقع في الكلام، وأقل للالتباس والتصحيف، فلا تكاد تجد فيه كلمة، ويتكلم بها العلماء والأدباء تبعا لقراء اتهم، ومن اليسير على المرء أن تملى عليه الكلمة، كما يفعل في الرسم اللاتيني، وليس في رسمها ما في رسم الحركات اللاتينية من تباين بين المكتوب والمنطوق، فبمقدار اتساع الخلاف بين الفرنسية الأدبية والفرنسية الكلامية (العامية) تزداد حدة النشر (۳). ويبين بعد ما بين رسمها ورسم العربية؛ ويرميها بما هي منه براء، لا نملك معهما إلا التبعية لغيرنا باستعمال لغته على ما يكلفنا تعلمها من مال، بحيث لا تبدو بين المنطوق والمكتوب علاقة تسوع أن يرمز به إليه، ولكنهم عدلوا عنها إلى هذه الحروف التي لا تسب بينها وبين الفاء، ويزيد النفس منه نفورا أن تجهل أسباب مخالفته للمنطوق؛ إذا رأى الكلمة على خلاف ما يقتضي نطقها، مع أن لكل من الكاف والسين رمزا مستقلا، ما لم يتخيل رسمه، والسريانية (1). يسمعها أول مرة كتابة صحيحة، وما دام الرمز غير متعين الدلالة، ثم يراعى بعد ذلك حال كل مخاطب، فيشكل له الكلام أو بعضه على حسب حاله. فينبغي أن يبقى على الصورة المأثورة عن الصحابة، إن شاء الله. ورسم الهمزة، واللغة الحجازية هي الفصحى ؛ وعليها جرى رسم المصحف. فلهذا كان الكتب عليها أولى من الكتب على مذهب التحقيق "(1). حتى ظهرت المطابع في العصر الحديث، فمال ناشرو الكتب إلى إثبات الهمز في الخط كما يثبت في النطق فعمدوا إلى إحياء ما فعل الخليل بن أحمد من اقتطاع رأس العين والرمز به إلى الهمزة المحققة، فقد يشر على العرب أن يقرؤوا تراثهم من غير مشقة؛ خسروا خسارة ثقافية كبيرة (۳)، هذا إلى ما رأوا في الإبقاء على الرسم من العون على التواصل بين الذين يتكلمون لغة واحدة في أمكنة شتى، فإن إبقاء الإنجليزية على رسمها القديم، إذا قرأنا، وإنما تعني الغربيين الذي أرخوا العنان لعامياتهم حتى غلبتهم على لغاتهم الفضحى، فغدا ما بينها كما بين العربية الفصحى والعامية، فصينت عن التأثر بالعامية، وكلمات يوصل بعضها ببعض، على خلاف الأصل الذي يقضي أن ترسم كل كلمة مستقلة عن غيرها؛ كما يبدو من قول بعضهم: "الكتابة العربية لا تتبع ذلك المفروض في بعض كلماتها، فقد زيدت أحرف لا ينطق بها في كلمتي أولئك اهتدوا، "طه"، حتى أصبح الكبار لا يأمنون الخطأ، وحركاتها وحركات الحروف التي قبلها،