المنهج البنيوي المنهج البنيوي (الهيكلي): على الرغم من أن الجهود المهمة للعالم السويسري "فرديناند دي سوسير" في مجال اللسانيات تعود إلى بدايات هذا القرن، إلا أن قطف ثمرات هذه الجهود لم يتحقق إلا بعد زمن من وفاته. إذ يرجع شيوع النزعة البنيوية مثلاً إلى عام ۱۹۲۸. عقد في لاهاي (٢). وسيطرتها على حقول الدراسات الأدبية في فرنسا لم يتحقق إلا في الخمسينيات من هذا القرن، وذلك بعد أن أفل عصر الإيديولوجية والنزعة الإنسانية، ما لبثت أن استولت على نشاط سائر العلوم متمثلة في الرغبة في العثور على النسق المتماسك)، ولكن ما البنية، ونظام الخيال وأعمق منهما في آن، والتنظيم الذاتي. تنطلق البنيوية، من فلسفة ترى النسق سابقاً على الأنظمة البشرية التي ينبغي على هذه الأخيرة الاستناد إليه، وللبنيوية أعلام، ومنهم من برز في الانثروبولوجيا وعلوم اللسان والنقد الأدبي وعلم النفس. ومن الفلاسفة المجددين في الماركسية "لوي التوسير"، ومن النقاد "رولان بارت"، يرى في العمل الأدبي نصاً منغلقاً على نفسه، له نظامه الداخلي الذي يكسبه وحدته وهو نظام لا يكمن في ترتيب عناصر النص كما هو شائع، من هنا، اهتمامها في البحث عن بنية العمل الأدبي، تلك البنية التي تكشف عن نظامه، مؤكدة رفضها المقاربات (البيوغرافية والمؤثرات الخارجية. هكذا شاع في العلوم الإنسانية، منذ منتصف هذا القرن، منهج الاعتماد على الكشوفات الألسنية، واتخاذ النموذج اللغوي مقياساً لكشف بنية تلك العلوم، لقد سعى عدد من أعلام البنيوية والنقاد إلى عد البنيوية منهج بحث مذهباً أو فلسفة. فبعد أن كانت الدراسات (الفيلولوجية) والمنطقية قبل سوسير، ما حدا به إلى الدعوة إلى دراستها لذاتها وفي ذاتها، وإقصاء الأحكام القبلية في اللغة. اهتم سوسير في دراساته البنيوية بالكشف عن عدد من الثنائيات التي ارتبطت بمنهجه، ومنها تفرقته المهمة بين ثنائية (اللغة) و (الكلام)، وتفرقته الأخرى بين ما عرف بـ (التزامن) و (التعاقب)، وبين (الدال) و (المدلول) وبين علاقات (التتابع) و(الترابط). يرى سوسير أن العلاقة بين اللغة والكلام علاقة جدلية، وأن علاقة اللغة بالكلام هي علاقة الكل بالجزء. وهي من هنا تمثل السلطة التجريدية المتعالية التي يستمد منها الكلام اختياراته الفعلية. أما الكلام فهو التطبيق الفعلي لهذه القوانين العامة والمستوى الفردي المشخص منها (۱). ومن الثنائيات الأخرى المهمة عند سوسير، فإذا كان التزامن هو زمن حركة العناصر فيما بينها في زمن واحد هو زمن نظامها داخل البنية، فإن التعاقب أو التطور إنها يمثل زمن تخلخل البنية أو زمن تهدم العنصر الذي يعبر عنه أحياناً بانفتاح البنية على الزمن. أو في نسقها الظاهري وعلاقاتها العميقة. يقول بنفسنت إن اللغة - في حد ذاتها - لا تنطوي على أي بعد تاريخي. وبعبارة أخرى، فإن "التزامن" هو الدراسة في فترة من الزمن، يكون فيها المجموع الكلي للتغيرات الحاصلة ضئيلاً جداً، ينحصر في الحدود الدنيا. أما التعاقب فهو دراسة العلائق بين عناصر متعاقبة يحل فيها كل عنصر محل العناصر الأخرى بمرور الزمن (۳). من هنا يرى سوسير أن دراسة علم اللغة التزامني هي وحدها التي تقودنا إلى الكشف عن بنية اللغة ونظامها المستقر، وإنما المهم هو الكشف عن شبكة (العلاقات) القائمة بين العناصر أو عمليات التأليف الحاصلة بينها، و طموحه في وضع اليد على الموضوع، يقول ميرلو بونتي: «إن هناك نظاما عقليا بأكمله قد أخذ يتحدد بظهور مفهوم (البنية)، لقد نبذت البنيوية الطريقة التقليدية - إذن في النظر إلى العالم والأشياء، من خلال محور الذات والموضوع، أو الذات والوجود، مثلما نبذت طريقة النظر إلى النظام الكلي نظرة جزئية أو مادية ذرية، معلنة أولوية النسق أو (النظام) على العناصر، والكشف عن ثنائيات اللغة والكلام والتزامن والتعاقب والعلامة اللفظية. ولعل شيوع البنيوية على هذا النحو الذي بدت فيه وكأنها (موضة) العصر لا يخلو من دلالة على خصوبتها، ليتحول النظر إلى هذه الميادين على أنها لغة لها نظامها الكلي اللاشعوري وبنيتها الخاصة المستقلة، فللغة بنيتها وللأدب بنيته، وللأسطورة بنيتها، ومثلها العلوم الأخرى. ولاشك في أن الروح العلمية التي لازمت البنيوية قد رافقها شيوع وسائلها العلمية ولغتها الخاصة المتمثلة في صيغ المعادلات الرياضية ونمط الأشكال والتخطيطات والرموز المعبرة عن الكشوف التحليلية الرائجة في الأبحاث البنيوية والدراسات في الصحف والكتب والمجلات. بما غير من مسار الفكر والفلسفة المعاصرة فإنها لم تنج من حملات الهجوم وسهام النقد، وليصبح المنهج النقدي فيما بعد أسيراً لهذا النموذج اللغوي المعدّ سلفاً. ومن هذه الملاحظات أيضا، أن المنهج البنيوي منهج تعميمي، يعجز عن إبراز السمات الخاصة للخطاب الأدبي ويمحو الطابع الفردي لها، حين يصب اهتمامه على دراسة الهياكل الكلية والرسائل الكلامية الخالية من نبض الإبداع، من هنا نفهم قولة (ميشيل فوكو): البنيوية هي من أجل الآخرين أي من أجل أولئك الذين يرون الغابة ولا يرون الأشجار» (1). انغلاقه داخل بنية النص، وعزله عن سياقاته الاجتماعية والنفسية والثقافية التي أنتجته، ومما وجه للمنهج البنيوي أنه منهج يشل فاعلية كل من المبدع والناقد ويجعلهما خاضعين لمشيئة جبرية صارمة محددة سلفا ومتمثلة في فكرة النظام وبنيته المقيسة على بنية النموذج اللغوي، وإعادة تركيبها، انطلاقاً من عناصرها المحللة (٢). كما أخذ عليها إقامتها تعارضاً بين التزامن والتعاقب، برفضها المنظور التاريخي، وإعلائها الثبات على الحركة، والبنية على التاريخ، لتبدو البنية عندهم نسيجاً من الأشياء المتقابلة المكملة لبعضها البعض أكثر منها نسيجاً من التناقضات. فمن المعروف أن البنيويين عدوا المنظور التاريخي في الدراسة وإدراك التاريخ ضرباً من ضروب الوهم الناتج أصلاً من الخوض فيما هو مشكوك فيه وغير يقيني، داعين إلى الاستعاضة عنه بدراسة البنيات التي تقودنا في رأيهم إلى البحث العلمي الحقيقي. مبدع النماذج العلمية وبانيها "سيباغ" الذي رأى " أن الإنسان هو منتج كل ما هو إنساني. والبشر هم الذين يخلقون اللغات والأساطير [. والمجتمعات (۳). ولا يختلف هذا الموقف عن موقف "بياجيه"، حين قال: " وما دام "الإنسان" هو دائماً الذي يتكلم - حتى حين يعلن بضمير المتكلم أن الإنسان قد مات - فستبقى " اللغة" دائماً هي لغة الإنسان، بأن حتى ولو اتخذ طابع شيء قد انفصل عن الانسان وارتد ضده! واذن فقيم الزعم " الإنسان هو مجرد تجعيدة صغيرة على سطح بعض الرمال "(4). أما الفيلسوف الفرنسي "روجيه غارودي" فقد نقد البنيوية من منظور فلسفي، إذ ليست الكينونة المقولة الأساسية عند أصحابها بل علاقاتها، فهي من هنا أشكال لا جواهر. وعلى الرغم من أنه من غير الإنصاف إرجاع تألق المد البنيوي وتمكنه إلى ما يقوله بعض خصومه من عقم الفلسفة الجامعية (التقليدية) في فرنسا وقتئذ، فإن تحول بعض أقطاب البنيوية ومنظريها كـ "التوسير" و "بارت" و"تودوروف" عن البنيوية إلى حركات واتجاهات أخرى (١) ، من شدة الشبع أو من شدة الجوع، وهذا التقويض للسانيات، هو ما أدعوه من جهتي سيميولوجيا (٢). لقد شهدت البنيوية اتجاهات كان لها أثر واضح فيها؛ منها جهود "بروب" في تحليل الحكاية الخرافية (الشفاهية) تحليلاً موضوعياً، متوصلاً إلى تحديد قانون عام، يمكن تطبيقه على واقع الحكاية الشعبية لدى الشعوب عامة، للكشف عن بنيتها. أما أبرز تيارات البنيوية،