خرج في أحد الأيام أحد الولاة متنكرا في زي تاجر. ليتقصى عن أحوال البلاد. وقع بصره على دكان قديم، لا يوحي بوجود بضاعة للشراء. فأستغرب الوالي من حال الدكان.فدخله فإذا برجل طاعن في السن. يجلس على كرسي متهالك، والغبار يحيط به من كل جانب.فحياه الوالي فرد عليه بثقة وهدوء.فقال الوالي: جئت السوق باحثا عن بضاعة. ولكن يبدوا أن ليس لديك ما يباع هنا؟ فأجاب الشيخ برزانة: بل عندي أحسن وأثمن بضائع السوق ولن تجد مثلها.إندهش الوالي وهو يسمع هذا الكلام من صاحب الدكان، فأجابه: أنا أبيع الحكمة،أمسك الوالي بإحدى اللوحات، ومسح عنها الغبار، فوجد مكتوباً عليها: "فكر قبل أن تفعل"!! ثم نظر إلى الرجل وسأله: بكم تبيعني هذه اللوحة؟ في حين كان الرجل ساكناً وينظر إلى اللوحة نظرة تقدير.ثم بادره الوالي سائلاً؛ هل أنت جاد في كلامك يا هذا؟ فقال الرجل: نعم، فظل الوالي يحاول أن يزيده حتى وصل إلى تسعة آلاف دينار، وهو عشرة آلاف دينار.انصرف الوالي وهو يضحك، وظن أنّ الرجل سيناديه ليقبل بذلك السعر. ولكنه لاحظ أن العجوز لم يكترث.فسار الوالي وأخذ يتجول في السوق ، وفجأة راودته فكرة سيئة وقبل أن يهم بفعلها تذكر حكمة الرجل العجوز : فكر قبل أن تعمل، فتراجع عن فكرته تلك، فوجد إستحسانا في قلبه ورضا لموقفه هذا،ومن ثمّ تحرك سريعاً صوب دكان الرجل الكبير،فنهض من على كرسيه الشيخ الكبير، ثم أمسك بقطعة قديمة من القماش، حتى أزال بقية الغبار الذي كان قد علق بها، وقبل أن يغادر الوالي الدكان.قال له الشيخ: قبل أن أسلمك هذه اللوحة لي طلب. فقال الرجل: طلبي أن تكتب الحكمة التي في هذه اللوحة على باب بيتك، وبأي مكان تستطيعه في بيتك. وقد علمت معناها عندما قرأتها. فأنا لا أبيع فقط اللوحة.فأكمل الشيخ قائلا : يعني أن تكتبها على الباب والحائط وحتى أدواتك التي تستخدمها دائمًا. يعني في كل مكان في بيتك.فخرج الوالي من عنده ونفذ تعاليمه بالحرف، مقتنعا بما قال له الشيخ. وبالفعل حبك مؤامرة مع حلاق الوالي بعد أن أغراه بإغراءات شتى.توجّه الحلاق إلى قصر الوالي، فلما وصل إلى باب القصر. رأى مكتوباً على وارتعدت فرائصه هلعاً وخوفاً،ولكنّه استجمع جرأته، وعاد لينفذ فعلته. وبينما هو يمشي في القصر، حاول الحلاق أن يهرب من تلك الحكمة، فإذا به يجدها في كل أرجاء القصر، فإنتفض جسده من جديد، وشعر بأنّه هو المقصود بتلك العبارة، وأنّ العبارة تتردد على سمعه في كل مكان.فكر قبل أن تعمل !! . وهنا قرر الحلاق أن يخفض بصره وينظر إلى الأرض ؛ حتى لا يرى تلك العبارة ثانية ، ولكنه حينما فعل ذلك رأى نفس العبارة منقوشة على البساط في الأرض .فدب الخوف في قلبه. وازداد اضطرابًا ، وحاول أن يتمالك نفسه وهو يدخل حجرة الوالي، ولكن ما إن انفتح الباب حتى رأى تلك اللوحة معلقة وعليها نفس العبارة، والوالي يجلس بكل هدوء فتأكد أنه هو المقصود. فأنهار وإعترف للوالي على المؤامرة. متضرعا وراجيا عفوه وصفحه.فعفا عنه الوالي ولكنه أمر بإلقاء القبض على قائد الحرس وأعوانه .وبعدها وقف الوالي يمعن النظر في تلك الحكمة التي اشتراها من العجوز ، وعلم مدى قوة الحكمة.