فعرضها على فلم أساومه فيها بل أعطيته الثمن الذي أراده فأخذه شاكراً متهللاً وقال: هذه هي المرة الأولى التي أخذت فيها الثمن الذي اقترحته، أحسن الله إليك كما أحسنت إلى وجعلك سعيداً في نفسك، كما جعلك سعيداً في مالك فسررت بهذه الدعوة كثيراً وطمعت أن تفتح لها أبواب السماء وعجبت أن يهتدي شيخ عامي إلى معرفة حقيقة لا يعرفها إلا القليل من الخاصة، قلت: وهل تعد نفسك سعيداً؟ قال: نعم؛ لأنني قانع برزقي مغتبط بعيشي لا أحزن على فائت من العيش ولا تذهب نفسي حسرة وراء مطمع من المطامع فمن أي باب يدخل الشقاء إلى قلبي! ألا يحزنك هذا الفرق العظيم بين حالك وحالهم؟ قال: إن ما يصغر جميع هذه المناظر في نظري ويهونها عندي أني لا أجد أن أصحابها قد نالوا من السعادة الحقيقية أكثر مما تلته. وإن كان الغرض منها قضاء شهوة النفس؛ فأنا لا أكل إلا إذا جعت فأجد في كل ما يدخل جوفي لذة لا أحسب أن في شهوات الطعام لذة تفضلها، ولولا أن العيون لا تهتم له لما طار في كل فضاء، أما الغني فلا يتحرك ولا يسكن إلا والأنظار ترصده وتترقبه، ولا لفكره الحرية في النظر والاعتبار بمشاهد الكون ومناظره مخافة أن يغفل عن إشارات التحية، نمت في فراشي نومة هادئة مطمئنة لا أحتاج معها إلى ديباج وحرير، يشتد طمعه في المال فيتعذر عليه فيطول بكاؤه وعناؤه، ويعتقد أن بلوغ الأمال في هذه