الخمر والنبيذ عند العرب عبر التاريخ وتشير إلى ذلك القصص التي وردت في العهد القديم بالكتاب المقدس، الأمر الذي تتفق معه بعض تفاسير القرآن، وأرجع صدقة السبب إلى أن الخمر هو "التعبير النباتي للخلود"، وكان يرمز إلى الحكمة في الكتب القديمة. كما أن الإنجيل يروي معجزة تحويل المسيح الماء خمراً بعد نفاد الخمر المتاح، وذلك في عرس في بلدة قانا الجليل، ومن خلال صور أشجار الكروم التي نُقشت على آثار مملكة الأنباط التي شكلت القبائل العربية الأولى التي استوطنت شمال شبه الجزيرة العربية قبل ميلاد المسيح بأكثر من أربعة قرون، يتجلى مدى اهتمام العرب بهذه الشجرة المرتبطة بالشراب والخمور. ويقول مصطفى أبو ضيف أحمد، في "دراسات في تاريخ العرب منذ ما قبل الإسلام إلى ظهور الأمويين"، وقد أظهروا براعة فائقة في حفر صور الكروم وعناقيدها على الألواح الحجرية". وقد تغنى العرب بالخمر في أشعارهم التي نُقلت إلينا قبل أكثر من 1400 عام، ويقول المؤرخ العراقي هادي العلوي إن الخمر كان "الشراب المفضل للجاهليين". وكان الأعشى وطرفة بن العبد من أشهر من تغنوا بالخمر في أشعارهم ، تمثال الشاعر العربي أبو نُواس الذي اشتهر بشرب الخمر وقصائد في وصفها عرفت بالخمريات، في العاصمة العراقية بغداد ويقول الروائي والباحث اليمني علي المقري في كتابه "الخمر والنبيذ في الإسلام"، إن تجار بلاد الشام كانوا يجلبون الخمور الجيدة إلى تجار مكة ليضعوها على موائدهم العامرة. في كتابه "قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور"، أن عرب شبه الجزيرة "عرفوا الكرمة وعصروا العنب بوادي اليمن وتهامة والطائف ويثرب ووادي القرى؛ ويعتقد العلماء أن أقدم معصرة للنبيذ في المنطقة كانت في شمال بلاد ما بين النهرين، ويعود تاريخها إلى أكثر من 2700 عام في ظل الدولة الآشورية التي شملت العراق. أن الأديرة كانت من أكثر الأماكن التي يلجأ إليها الراغبون في الشراب "يطربون بشرب ما فيها من خمور ونبيذ معتق امتاز بصنعه الرهبان". ومن أشهر الأديرة لدى العرب، دير الشاعرة هند بنت النعمان بن المنذر، وكان في الكوفة وقال فيه أبو حيان: يا دير هند لقد أصبحت لي أنساً * ولم تكنْ قطُ لي يا دير مئناسا سُقْياً لظلك ظلاً كنتُ آلفُهُ * فيه أعاشرُ قِسيساً وشماسا لا أعدمُ اللهوَ في أرجاء هيكلِه * ولا أردُ على الساقي بهِ الكاسا اصطُلح اليوم على أن الخمر هو كل أنواع الشراب المُسْكِر، الذي يُنبذ أي يُترك حتى يفور ويُصبح مُسكِرا. أن الصحابي عمر بن الخطاب قال: "الأشربة تُصنع من خمسة: من الزبيب والتمر والعسل والحِنطة والشعير". ومنها "السَكَر والفضيخ ونقيع الزبيب والطلاء والباذق والمنصف والمثلث والجمهوري، والسكر هو ماء الرُطَب من التمر، و"الطلاء والباذق والمنصف والمثلث والجمهوري" فجميعها من ماء العنب المطبوخ بدرجات متفاوتة. أما الخليطان فهو النبيذ المكون من المزج بين التمر والزبيب، وجاء فيما روي عن الصحابي أبي موسى الأشعري أنه قال "خمر المدينة من البُسر والتمر، كما أن ميناءها جدة يصلها بالبحر الأحمر. وقال سعيد الأفغاني في كتابه أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، وذكر الأفغاني من تلك المدن غزة وأذرعات وأندرين بالشام والحيرة بالعراق، ومدناً أخرى "تحمل خمرها قوافل العرب التجارية". حيث جاء في كتاب المحاسن والأضداد المنسوب للجاحظ، كما جاء في صحيح البخاري أن أحد الصحابة باع خمراً في عصر الخليفة عمر بن الخطاب، العلم والعمل النافع لصناعة الحيل" حظر الخمور قبل الإسلام وبعده يقول الأفغاني في كتابه إن "حب الخمرة تغلغل في نفوس عامة العرب وغمرت بحوانيتها أسواقهم، مضيفاً أن الخمر كانت تُنقل من بُصرى وغزة من بلاد الشام إلى سوق مجنة قرب مكة. حتى أن "امرأة أرسلها زوجها إلى عكاظ بسمن ومعها راحلتان، ثم باعت راحِلَتيها فشربت بثمنها، ثم رهنت ابن الرجل وشربت أيضاً". كان هناك في الجاهلية من حرم شرب الخمر على نفسه، ومن أبرزهم عبد المطلب بن هاشم جد النبي محمد، وورقة بن نوفل والذي عُرف بأنه من الحنفاء وكذلك الوليد بن المغيرة، وهو شاعر جاهلي أنه قال حين حرم الخمر على نفسه في الجاهلية: رأيت الخمر طيبةً وفيها * خصالٌ كلها دنسٌ ذميمُ فلا واللهِ أشربُها حياتي * طوالَ الدهرِ ما طَلَع النجومُ ولم يُنقل عن النبي محمد ما يمنع شرب الخمور منذ بدء الدعوة في مكة طوال فترة مكوثه التي بلغت 13 عاماً، على الرغم من أنه لم يشربها طيلة حياته. بل ولم يثبت أن الخمر حُرّمت قبل غزوة أحد في السنة الثالثة بعد هجرة النبي إلى المدينة، وهو ما قاله القرطبي وابن تيمية. وقد ورد في صحيح البخاري أن هناك من الصحابة من شرب الخمر قبل غزوة أحد "ثم قُتلوا شهداء". وهناك من الآراء من يقول إن الخمر حُرمت في الإسلام في السنة الرابعة، إلى النهي عن الصلاة في حالة السُكر، الذي روي عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يشربونه. وهو ما طُبخ من العصير فتبخر ثلثاه أو أقل، فنفى ذلك مؤكداً أن الصحابي عمر بن الخطاب أحله. وقد وافق بعض الفقهاء على استخدام الخمر للتداوي وعند الضرورة كإساغة الغصة والعطش الذي يتحقق معه الموت ما لم يشرب. وقد تحدث الأطباء عن منافع شرب الخمر باعتدال ومضار الإفراط في شربه، ومن هؤلاء الطبيب الفيلسوف أبو بكر الرازي الذي تحدث عن أن الخمر تُمِد الجسم بالحرارة وتقيه السموم التي تؤثر على الدم، وأضاف الرازي أن الخمر له تأثير نفسي مفيد وأنه دواء للماليخوليا أو الاكتئاب، أوضح الرازي أن الإسراف في شرب الخمر "يضر بالدماغ والعصب"، وأوضح القيرواني في كتاب "قطب السرور" أن نبيذ الزبيب "يُسخن الكلى والمثانة ويُخرج منها الفضول والحجارة، في إشارة إلى علاج البلغم وتحسين الصوت والأعصاب. حتى أن "أهل مكة كانوا يُلطفون ماء زمزم بهذه الطريقة". إلا أن المؤرخين والقصائد العربية وثقت شرب الخلفاء المسلمين الخمر عبر العصور، منذ الخلافة الأموية وحتى الدولة العثمانية، وفي كتاب " الخلافة الإسلامية" للكاتب والمفكر والقانوني المصري المستشار محمد سعيد العشماوي، قال إن العصر الأموي شهد انتشار شرب الخمر حتى في موسم الحج. الذي نقل كتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب" أنه لُقب بـ"يزيد الخمور". بالإضافة إلى الخلفاء عبد الملك بن مروان وسليمان بن عبد الملك ويزيد بن عبد الملك، والوليد بن يزيد الذي روى أبو الفرج الأصفهاني في كتابه "الأغاني" أنه كان يسبح في بركة من الخمور. ولم يكن الأمر مقتصراً على الخلفاء، كما ذُكر في "قطب السرور"، بل شمل كذلك أخوات وبنات وزوجات الخلفاء بالإضافة إلى الجواري، وأضاف كتاب "الخلافة الإسلامية" أن شرب الخمر انتشر بين عامة الشعب، وجاء في كتاب "العصر العباسي من خلال كتابات الجاحظ" لمؤلفه محمد عويس، كانت قائمة في الجزيرة واليمن والعراق والشام، وهي التي ساعدت على انتشار شرب الخمر بين العرب؛ لاحتواء بعضها على حانات لشرب الخمر. كما ذكر الجاحظ في كتابه "الحيوان"، ليروا مدى تأثيرها عليهم. أن الحاكم بأمر الله كان يصدر أوامر متضاربة، وأمر بغرس هذه الشجرة وأباح شرب الخمر". حيث ورد أن صلاح الدين منع التجارة بالخمور وداهم أماكن شربها. وسار على دربه السلطان العادل الأيوبي الذي أصدر مرسوماً بمنع الخمور وكان يقيم الحد على شاربها، وفق ما أفاد به المؤرخ بدر الدين العيني في كتابه "السيف المُهنّد في سيرة الملك المؤيّد". ورد في المبحث الثاني من كتاب "الدولة العثمانية - عوامل النهوض وأسباب السقوط" للمؤرخ والمفكر الليبي علي الصلابي، أن السلطان مراد الثالث حفيد سليمان القانوني، فثار الإنكشاريون واضطروه لرفع أمره بالمنع"، أنه في مارس/آذار عام 1917م، مؤسس المملكة العربية الحجازية، دخول الخمور إلى الأقطار الحجازية بموجب مرسوم عام، وأفاد الباحث في الذاكرة السعودية محمود عبد الغني صباغ فيما نقله عن الصحيفة أن الحكومة في ذلك الوقت اشترت من التجار الأجانب الموجودين في جدة كل ما لديهم من قوارير الخمر وكسرتها وأراقت محتوياتها في مياه البحر. كما أقر حاكم المدينة، شكل العقوبة على شارب الخمر بالأخذ إلى الجُندية والإرسال قسراً لتعمير سكة الحديد الحجازية من شمال تبوك إلى محطة معان. التي سمحت بفتح متجر للخمور في العاصمة الرياض تحت ضوابط محددة، حين أصدر الملك الراحل عبد العزيز آل سعود، وجاء ذلك بعد حادثة لأحد أبنائه، الذي أطلق النار على دبلوماسي بريطاني وهو مخمور،