**الفصل الأول: فصل تمهيدي** **المبحث الأول: تعريف العصمة لغة واصطلاحًا** * **تعريف العصمة لغةً:** تُشتق العصمة من الفعل "عَصَمَ" الذي يدل على المنع والحفظ والوقاية من الوقوع في الهلاك أو الخطأ. أشار ابن فارس إلى أن أصل مادة (ع ص م) هو الإمساك والمنع، مؤكدًا على دلالة الوقاية والحماية الدائمة، سواء حسية أو معنوية، كما جاء في لسان العرب لابن منظور. تتضمن العصمة معنى الالتجاء والاعتماد على ما يحمي، كما ذكر الراغب الأصفهاني، وتدل على القوة والقدرة على المنع. فهي ليست مجرد حالة سلبية، بل إيجابية تتضمن وجود سبب مانع يحفظ الإنسان من الانحراف، وهو ما يمهد لفهمها في السياقات الدينية كالحفظ الإلهي. * **تعريف العصمة اصطلاحًا:** تُعد العصمة من المفاهيم الأساسية في علم العقيدة، مرتبطة بمبحث النبوة. تُعرَّف بأنها حفظ الله تعالى لنبيه من الوقوع في المعصية أو الخطأ فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، مع بقاء قدرته على الفعل والترك. عرّفها الإمام الآمدي بأنها لطفٌ إلهي يفعله بالمكلَّف بحيث لا يكون معه داعٍ إلى المعصية، وهي صفة إيجابية تضمن تهيئة دواعي الخير. يربط علماء العقيدة العصمة بوظيفة الأنبياء في تبليغ الرسالة، مؤكدين ضرورتها لتحقيق الثقة في أقوالهم وأفعالهم، كما أكد القاضي عياض. توسع علماء الكلام في بيان أنها تشمل العصمة في تبليغ الوحي، ومن الكبائر، ومن الصغائر التي تخل بالمروءة، حيث يصفها التفتازاني بأنها "ملكة يخلقها الله في العبد تمنعه من اقتراف الذنب مع قدرته عليه". وتشمل عناصرها الحفظ الإلهي، بقاء القدرة الإنسانية، التوفيق الرباني، سلامة التبليغ، وصيانة مقام النبوة. **المبحث الثاني: تعريف النبي لغة واصطلاحًا** * **تعريف النبي لغةً:** مشتق من مادة "نبأ" التي تعني الخبر ذي الشأن العظيم، أو من "نبوة" بمعنى الرفعة والعلو. فالنبي هو من يُنبئ عن الله ويخبر بما أوحى إليه، وهو مرفوع المنزلة، كما ذكر ابن منظور والراغب الأصفهاني. لا يقتصر معناها على الإخبار، بل يتضمن دلالة الاصطفاء والاختصاص، والوساطة في تبليغ العلم من مصدر أعلى إلى الناس، ويشير إلى الثبوت والاستمرار كصفة دائمة، مميزاً إياه عن غيره من البشر. * **تعريف النبي اصطلاحًا:** عرّف علماء العقيدة النبي بأنه إنسان اصطفاه الله تعالى بالوحي ليهدي الناس إلى الحق ويبين لهم أحكام الشرع. هو منصب إلهي لا يُنال بالاكتساب، كما أكد الآمدي والباقلاني، يمنحه الله لمن يشاء، ويتضمن القدرة على تلقي الوحي وفهمه وتبليغه. النبي حجة على الخلق، فأقواله وأفعاله مصدر للشرع. النبوة منزلة عظيمة تجمع بين شرف الاصطفاء وثقل المسؤولية في تبليغ الدين، كما بيّن القاضي عياض والتفتازاني. عناصرها الأساسية: الاصطفاء الإلهي، تلقي الوحي، التكليف بتبليغ الشرع أو حفظه، والهداية والإرشاد. واعتبر بعض العلماء، كالجويني، أن النبوة مؤيدة بالمعجزة الدالة على صدق النبي. **المبحث الثالث: تعريف اليهودية لغة واصطلاحًا** * **تعريف اليهودية لغةً:** يُعد مصطلح اليهودية مرتبطًا تاريخيًا ببني إسرائيل، وهو مشتق من الجذر العبري "يَهُودَا"، اسم أحد أسباط بني إسرائيل. في اللغة العربية، تُستعمل كلمة اليهود لأتباع الديانة الموسوية، ويربطها بعض اللغويين بالفعل "هَادَ" بمعنى رجع وتاب، دلالة على توبتهم بعد عبادة العجل، أو تُنسب إلى يهوذا بن يعقوب، كما يوضح ابن منظور والراغب الأصفهاني. هذا التداخل يعكس طبيعة المصطلح المركبة، التي تجمع بين الانتماء القومي والتكوين الديني، ممهدًا لفهمها كدين. * **تعريف اليهودية اصطلاحًا:** تُعرَّف بأنها الديانة التوحيدية التي نشأت بين بني إسرائيل، تقوم على الإيمان بإله واحد (يهوه)، واعتقاد بأنهم الشعب المختار الذي ارتبط بعهد خاص مع الله، ملتزمة بالشريعة المنسوبة للنبي موسى (التوراة) وما تبعها من تفسيرات حاخامية (التلمود). هي منظومة دينية-قانونية متكاملة (الهالاخاه) تنظم مختلف جوانب الحياة. يُنظر إليها كدين وهوية دينية-قومية متداخلة، حيث يرتبط الانتماء إليها بالانتساب الديني والقومي. تطورت تاريخيًا من التوحيد الموسوي إلى التدوين الحاخامي، وتُفهم كديانة "قانونية تفسيرية" تتسم بتعدد تياراتها الفكرية، وتقوم على العقيدة التوحيدية والشريعة التفصيلية والهوية الجماعية التاريخية. **المبحث الرابع: تعريف الإسلام لغة واصطلاحًا** * **تعريف الإسلام لغةً:** مشتق من مادة "سلم" التي تدل على الخضوع والانقياد، والسلامة والخلوص من الآفات، والاستسلام. يدل على الإذعان التام لله تعالى، والدخول في السلم والأمان، والخروج من الشرك إلى التوحيد، كما بيّن ابن منظور والراغب الأصفهاني والفيومي. يحمل معنى الاستسلام المصحوب بالطمأنينة والرضا، ويدل على تحول من حالة الاضطراب إلى الاستقرار، ومن المعارضة إلى الامتثال الكامل، كعملية تطهير وانتقال نحو الكمال النسبي. * **تعريف الإسلام اصطلاحًا:** هو الدين الذي جاء به النبي محمد ﷺ، القائم على الاستسلام التام لله تعالى بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، مع الإيمان بكل ما جاء به الوحي من عقائد وتشريعات وأخلاق. يُفهم كمنظومة عقدية وتشريعية شاملة تضبط علاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه، ويقوم على أركان مترابطة: العقيدة (الإيمان)، والشريعة (العمل)، والإحسان (الأخلاق). يميّزه علماء الكلام عن مجرد الإيمان بأنه يدل على الأعمال الظاهرة، لكن العلاقة بينهما تكاملية. هو رسالة عالمية غير إثنية، شاملة لجميع جوانب الحياة (عبادات، معاملات، أخلاق، نظام اجتماعي)، ويُعد التوحيد مبدأه المركزي. يمثل استجابة واعية للخطاب الإلهي، مبنية على العلم واليقين، وتتكون من دوائر عقدية وتشريعية وأخلاقية متداخلة، مما يجعله نظامًا دينيًا شاملًا ومتكاملاً.