نظام التفجية وحوارية القراءة منتدى رحاب الكلمة :: اللغة والأدب العربي :: قضايا النقد الأدبي اذهب الى الأسفل مُساهمة من طرف abo alyatama السبت 12 مايو 2012, 17:50 يؤمِن د. إبراهيم طه (محاضر وناقد) بثنائيّة الحوار بين النّصّ والقارئ التي تنتهي بإحساس القارئ بالإشباع النّصّيّ والنّفسيّ، وبالتّلاقي مع النّصّ. وعلى القارئ طرح تساؤلاتٍ لملئِها، والنّصُّ الممتلئُ بالفجواتِ فيه الكثيرُ من المماطلةِ. والتّفجية لغة: اسم منحوت من فجّ: معناه خلق الفجوة، وبما أنّ الحديث عن الأدب، يخلقها الأديب عامدًا متعمّدا. معنى ذلك أنَّ النُّصوص التي نقرأها تقوم على فجواتٍ مقصودةٍ، ذلك أنّنا حينما نقرأ نصّا نجده تامّا عمومًا. على مستوى المفردة المطبوعة: لا نجد حيّزًا أو فجوةً بالمفهوم الحرفيّ للفظة. لا تأخذ الفجوات حيّزا مكانيّا ولفظيّا، بل بالمعطيات التي يحتاجها القارئ لفهم النّصِّ أثناء عمليّة القراءة. الفجوة إذًا متعلّقة بالقارئ قبل أن تتعلّق بالنّصّ، ثمّ للفهم ثانيًا، . لا يمكن أن نجد نصّا أدبيّا تامّا منجزا مهمَا بلغ القارئ قدراته في تذوّقه؛ فاللُّغة صنع إنسان بقدرة إلهيّة زرعها الله في البشر، ولكنّ اللغة مع ذلك عاجزة عن إدراك كلّ ما نحتاج إليه. وبالتّالي فالنّصّ ناقص لأنّ اللغة أصلا عاجزة على شمول الواقع بكلّ تفاصيله، هذا بالضّبط ما قاله أفلاطون: نحن نسعى إلى العالم الأمثل، لا تقصيرا بل عمدا لجذب القارئ. فجوات النّصّ: أوّلا - الاستطراد: ويعتمد الانحراف النّصّيُّ الاستطراد وسيلة أولى تساهم في انحراف نصّيّ يقحم أحداثًا جانبيّةً عفويّةً أو مبرّرةً، ويمكن أن تتَّصل بأحداثٍ مباشرةٍ أو لا، في قصّة أشياء غريبة لمحمّد نفّاع، ولكنَّه يفاجئُنا بسيرِه في اتّجاهٍ آخرَ، التَّقدِيم وَالتَّأخير وَغيرها، فيها افترض القارئ أنّ الاستطراد ها هنا هو تبعيّة لما بنُيَ من صورٍ في الاستهلال، والحقيقةُ أنَّ الاستطرادَ هذا يأخذُ حجمًا كبيرًا من القصَّة ويُضَخِّمُ الصُّورةَ بعلاقةٍ غير مباشرةٍ مع الاستهلالِ. يساهم الاسترجاعُ أيضًا في خلقِ تشويشٍ ما في ترتيبِ القصَّة وَذلكَ بإِعادَةِ الزَّمَنِ إلى الوراءِ؛ ويتحقَّق ذلك عن طريق التَّداعي أو المونولوج. في قصَّة نخلة على الجدول ، فله مقدّمةٌ واضحةٌ مثل: "وعاد بعقله إلى خمسة وعشرين عاما إلى الوراء" وخاتمة كذلك واضحة مثل" وقطع عليه ذكرياته نهيق حمار التّاجرِ وصوت صاحب الحمار". والواضحُ أنّ الاسترجاع هنا غايةٌ بحدِّ ذاتها تكمّل القصّة لا مجرّد فجوةٍ عابرةٍ. والنّبع ها هنا مثلاً تدعُو إلى كثيرٍ من التّساؤلات، ممّا يوضّح أنّ الفجوات مؤقّتة، والإجابات للأسئلة المطروحة موجودةٌ في النَّصِّ ولكنّها مرجأةٌ. وطالما أنَّ المعلومات مخفيّةٌ فالقارئُ سيندفع ويتحفَّز لمعرفة الحقيقة وذلك يعني أنّ الاسترجاع يخلق موضعًا للتّفاعل الانفعاليِّ بين النّصِّ والقارئ على النَّحو التّالي: يُوقِفُ الاسترجاع مسار التَّتابع الزَّمنيِّ للحكايةِ - يخلق تساؤلاتٍ عند القارئ ويؤجّل الإجابة عنها- يشوّق القارئ ويثير عنده الرّغبة الفطرية في المعرفة والاستزادة منها التي يتعمّد الاسترجاع تأجيلها. وقد تدفع القارئ إلى لعبة تخميناتٍ هي بمثابة استباقٍ للإجابات النَّصِّيَّةِ الصَّريحةِ. بل إلى تشكيل مبنى مواجهاتٍ (مثل قصّة نخلة على الجدول) من حيث الزمن في الماضي والحاضر، ويتيح مجالا للتفاعل الذهنيِّ من قبل القارئ مما يؤدِّي إلى محاورة القارئ لنصِّه بصورةٍ أكثر فاعليَّةً. ثالثا - التّدريج والتّمديد: الوصف التفصيليّ، أي حينما يجد أنَّ زوجته تخونه مع رجلٍ آخر، محاولاً فيها تجنيد اللغةِ لصالحِ الحدث من حيث طول الجملة وقصرها، خاصّةً في مرحلة التّأزُّم. والتّكرار يساهم في تطوير الرّدِّ الانفعاليِّ رغم عدم احتوائها على فكرةٍ جديدةٍ بل صياغةٍ أخرى تحمل المعاني ذاتها لو تمَّ التخلص منها لقلَّصنا من حجم القصَّة ولكنَّ غايتنا بالأساس لا ترتبط بحجم القصّة، ورغم أنَّ هذه الأشكال التي ذكرناها أعلاه تدور حول سلسلة الأحداث الرئيسيّة في القصّة إلا أنّها ذات ضرورةٍ لا تتوقَّف عند الشَّكل فقط. رابعا - التّضليل: وهو أسلوبٌ تأجيليٌّ أيضًا، لا يستند إلى حادثة بذاتها، تنبني عليه أحداث لاحقة مع متابعة القصّة ممَّا يخلق عنصر المفاجأة بعد انكشاف دورها. في قصَّةِ "الباب المقفل" لمحمود تيمور مثالٌ صارخٌ على التَّضليل ففي حينِ أنَّ الفتاةَ البطلةَ تواعد شابًّا لتأخذَ منه كتابًا، فيدخِلَهَا إلى بيته ويقفل الباب. يأخذها ذلك إلى عوالمَ من التّخمينِ، مقابل حالة النَّشوةِ التي قد تصيبها تجاه هذه الفتنة الرّجوليَّةِ، حتّى تكتشف في النِّهايةِ أنَّ إغلاقَه البابَ بالمفتاح ما هو إلا تفادٍ لتيّارٍ شديدٍ لأنّ الباب يحتاج إلى تصليحٍ. المعلومات التي لاحظناها في نهاية القصّة غُيِّبت في أوَّلِها، ممّا جعل الفتاةَ والقارئَ ضحيَّةً لهذا التّضليل. وتفجِّرُ المفاجأة التي تذهل القارئ والفتاة على حدٍّ سواء لهذه النّهاية غير المتوقّعة، وافترض كذلك وجود صديقة له فيها، ثمّ يطوّر هذه الشخصية ليعطيها اسمًا وهيئةً متكاملةً ويكتشفُ في النّهاية أنّها زنزانةٌ مؤقَّتَةٌ لمساجينَ من كِلا الجنسين، خامسا - التّغليق: وهي كذلكَ وسيلةُ تأجيلٍ، حيثُ يصمِّم البطل على إيجاد الشّيخ زعبلاوي في محطّاتٍ ستّ كلٌّ منها يقلِّل احتمال إيجاده؛ نلاحظ وجود إشارتين متناقضتين: أوّلهما أنَّ وجودَ زعبلاوي أمرٌ غير عمليٍّ ولا يمكن وقوعه، يزور صاحب المحطّة الأخيرة. ممَّا يجعل هذا أقوى من احتمال حياته في ديمومةِ الأَمل المذعن لوجود الشَّيخ عاجلاً غير آجلٍ. مع وجود هذه التّفاوتات وتعلّق السُّؤالِ حتَّى نهاية القصَّة (هل سيجد البطل الشيخ زعبلاوي؟) نجد أنَّ البَطَل يحمل تصميمًا وإِصرارًا عجيبين على إيجاد ضالّته، وجملته الأخيرة: نعم، عليَّ أن أجد زعبلاوي تشير إلى أمرين: ب*- القصّة ذات مبنىً دائريّ بدأت وانتهت من نقطة واحدة ممّا يدعونا لنشكّ بأنَّ الكاتب يعمد إلى تدوير فكرِ القارئ في حلقة مفرغةٍ، تُبعِدُ عنه الاحتمال بإيجادِ زعبلاوي لكن لا تلغيه مع وجود إصرار عند الشّخصيّة لذلك. يصنِّف د. مستعينا مثلا بعنصر التّوازن في الاحتمالات، وفي قصّة زعبلاوي توازنٌ ما في احتمال وجود أو عدم وجود زعبلاوي. أوّلا - الحذف: غير أنَّ الكاتب يستخدم بعض المؤشّرات والإيحاءات التي تقرب القارئ إلى غايةِ إدراك النّصِّ، فأوى مكان كلبٍ اتَّخذ من قبرٍ مسكنًا له بعد أن طرده. وبعد فترةٍ وجد شيئًا (لم يذكره الكاتب وهنا المعلومة المحذوفة) فخبّأه وشعر بالخوف لإخفائه حتّى لا يُتَّهم بالكفر أو الشّغب، كما يساهم النَّصُّ في إبطاءِ عملية ملء الفجوة بالتكثيف والإغراب. ثانيا - التّرميز: هذا الأسلوب عمومًا يعتمد على ثنائيَّةٍ فيها يُظهِر النّصُّ معلوماتٍ جزئيَّةً، ممّا استوجب أن تقف الحاجّة صفيّة في صراعٍ مع نفسها؛ في قصّة النّمور في اليوم العاشر لزكريّا تامر: المبنى رمزيّ ثالوثيّ فيه نقاط الالتقاء هي: الطّعام، المروّض والنّمر. غاية النّمر هي الطّعام ووسيلته لبلوغ غايته هو المروّض. ثالثا - الإغراب: ويجعل النّصّ أكثر إثارة، حيث لا يحضّر النّصّ دلالات واضحة للقارئ، المادّة الأدبيّة والقارئ. وعليه يخلق فجوة النّصّ والقارئ. في المرتبة المقعّرة ليوسف إدريس تتحدّث القصّة عن زوجٍ وامرأته ليلة الدّخلة، الرّجل مستمتع براحة المرتبة التي ينام عليها والزّوجة إلى جانب النّافذة، يردّد عليها سؤالاً ثابتًا وتجيبه الإجابة ذاتها. كان يرغب في النّوم طويلاً وفعلاً غاص في المرتبة فاستوى سطحها بلا أيّ انبعاج. ممَّا يجعلُ تعامُلَ القارئِ مع النّصِّ حذِرًا، ليصل إلى منطِق النَّصِّ في قصَّةِ خضراء لزكريَّا تامر، ويرى د. وذلك بتحييده قوانينَ المنطق الواقعيّ الذي ينتمي إليه القارئ، ويوجِب قوانين خاصّةً به، ممَّا يجعل القارئ مضطرّا إلى استخدام أسلوب التعويض الحسابيِّ، ولغة الرّمز تكثيفيَّةٌ بطبيعتِها تُجمل معلوماتٍ كثيرةً بعباراتٍ قصيرةٍ وموجزةٍ. لهذا فإنّ الإغرابَ ينشِّط القارئ َبتحفيزِه على البحثِ عن المرموز إليه من خلال تكثيف الرّمز في مفهوم الإغراب. كلماتٌ كثيرةٌ مثل حيفا نستخدمها كمدلولات تمرّ بعمليّة تحليل سريعة في عقولنا نرمز فيها إلى حيّزٍ جغرافيٍّ معيّن، ممّا يقول بأنّ اللغة مجموعةٌ من (شيفراتٍ) تعبِّر عن التَّجربةِ الإنسانيَّة في القدرة على تحليلِها. بالتَّالي فإنَّ التّواصل مع النّصّ يحتاج لملمة (الشيفرات) كلِّها ثمّ محاولة ترجمتها في نسقٍ منطقيٍّ. ففي قصَّة المرتبة المقعّرة تحوَّلَ الرّجل إلى جزءٍ من المرتبة، والمرأة في خضراءَ إلى شجرةٍ، والتي تعتبر النّموذج الأوضح للإغراب في الأدبِ العالميِّ في القرن العشرين، هذا التّحوّل في الأمثلةِ الثّلاثةِ يحدِّد توجُّهَ القارئِ في تساؤلاته وتحصرها في (شيفرات) التّحوُّل وما يتعلّق بها. رابعا - التّناصّ: يرى (كولِر) أنّ نتاج النّصِّ الأدبيِّ لا يكون إلا بتراكمٍ نصّيٍّ وثقافيٍّ متّصلٍ مباشرةً أو بصورةٍ غير مباشرةٍ. لذا، على القارئ أن يكون ملمًّا ثقافيًّا حتّى يفهم ما في النّصّ. في قصّة عطيل لزكي درويش حواريّةٌ مع إحدى مسرحيّات شكسبير، يتّضح فيما بعد أن أحد أبطالها قد أدّى دورًا مشابهًا في مسرحيّة شكسبير، وفي نهايتها يصرّح درويش بهذا الأداء. يقول سعيد يقطين إنّ التّناصَّ قد أدّى دورًا (أيرونيًّا) غير مباشرٍ لقصّةِ شكسبير بناء على ما استنتج (ساسون سوميخ). الجدير بالذّكر أنّ محاكاة نصّ شكسبير عند مبارك جاءت اعتراضا لها باعتبار احتمالها للخطأ ممّا يخلق فجوةً. ممّا يؤكِّد العلاقةَ بين النَّصين: المستدعَى والمستدعِي. والجروتيسك واليوتوبيا) وغيرها. ممَّا ينشّط فعاليَّة القارئ. في قصَّة الله أعطى والله أخذ لمحمّد نفّاع، حَماةٌ تقنِعُ كنّتها بمعالجة ابنها من المرض بدفنِ معظمِ جسده إلى جانب قبر أحدِ الأولياءِ، ولكنّه يموت، في قصّة الهذيان لنجيب محفوظ، يقتل صابر زوجه لخيانتها ثمّ يقتل نفسه. فلا ينجو النّاس من المفارقة، كما لا ينجو القارئ من التّضادّ ذلك لولوج الشّكِّ دخيلَتَه، أحقًّا كانت زوجة صابر واعيةً لما قالته عن خيانة زوجها؟ هل خانته فعلا؟ في قصّة حكاية مصريّة جدّا لإدريس، فجواتٌ نابعةٌ من العلاقات الضّديَّةِ تمتدّ على طول القصّة،