أأولًا: إسهام الشيخ الألباني في الحديث يتلخص إسهام الشيخ الألباني في "تخريج الحديث"، كما عمدنا إلى طبع الكثير من كتب السنة المطهرة مع بيان حكم كل حديث". ومن المفارقة أن الألباني نفسه قد اتُّهم بمثل ذلك، أما كلام الأصوليين عامة وتاريخ الفقه وعمل الفقهاء فيدلّ على أن الناس أحد اثنين: إما مجتهد يتعامل مع الأدلة النصية وغير النصية مباشرة (أي يستقل بالاجتهاد وفق أصول وقواعد نظرية)، أو مقلّد يلتزم مذهبًا محددًا (أي يتمسك بمذهب معين أي غير مستقل لا بأصوله وقواعده ولا بفروعه)، ولكن الألباني حين ينقل المسألة من السؤال حول المنهج إلى الاتهام بترك السنن ومحاربتها، وهي كالآتي: النقطة الأولى: لا يميز الألباني في تطبيقاته وسجالاته مع خصومه بين أمرين: النظر في ثبوت الدليل والنظر في دلالة الدليل وفي استيعاب مختلف الأدلة أيضًا في الوقت نفسه، لأنه كثيرًا ما يتحدث عن "المنهج العلمي" الذي يبدو كما لو كان مسألة عقدية على الجميع أن يُسلم بها، في حين أنه مسألة اجتهادية وتعددية في الوقت نفسه، ومن ثم لا نقطع بأن هذا الحديث صحيح وذاك ضعيف. وبعضه ناشئ عن تباين جهات كلامهم؛ وبعضهم يريد الحكم على حديث بعينه على اختلاف أسانيده وطرقه، النقطة الثالثة: بعض القواعد الحديثية -التي تبدو من خلال كلام الألباني كما لو كانت قواعد رياضية يجب على الجميع التسليم بها- هي محل خلاف بين المحدثين، ومن ثم فإن الاكتفاء بالخلاصات التي قدمها الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) لا يكفي لدراسة الحديث والحكم عليه كما يفعل الألباني كثيرًا. لا يمكن إلزام البخاري وأصحاب السنن الأربعة بهذه الخلاصات المتأخرة التي يعتمدها الألباني؛ فالأئمة النقاد كانوا من أهل التعديل والتجريح ويحكمون بأنفسهم على الرواة، فكيف نساوي بين خبر الرواة بنفسه ومن قلد كلام العلماء السابقين وفصل بينه وبين الرواة قرون؟ كما أن بعض قواعد التعديل والتجريح محل خلاف بين العلماء، ولكن هذا الحكم الأغلبي لم يكن يعني تعميمه على كل حديث، وأما الكلام على صحيحه وسقيمه فما له فيه ذوق المحدثين، فإذا كان هذا حال ابن الجوزي الإمام فكيف يكون حال الألباني نفسه؟ النقطة الرابعة: ثبوت الحديث لم يكن مقيدًا بالقواعد التي سطرها متأخرو علماء مصطلح الحديث،