المقارنة الداخلية وهذا حق ، إذ لا يوجد إنسان يعرف « كل » اللغة ، من اللغة ، بعض ما يعرفه من لغته ، و « يتعلم » أشياء جديدة في مسيرة حياته . ومن المستحيل – بدهيا – أن تعلم اللغة و كلها ، ، وإنما نحن مضطرون أن تعلم « أجزاء » من اللغة – وهذا المبدأ الطبيعي لا بد أن يفرض مبدأ آخر ، هو مبدأ و الاختيار » ؛ إذ طالما أنك لا تستطيع أن تأخذ الشيء « كله » ، فأي أبعاضه تختار ؟ هو « المقارنة ، إلا بعد أن و تقارن ، ، من أجل ذلك لابد لتعليم اللغة من « المقارنة » ، مقارنة داخل اللغة ذاتها ، واحدا يمكنك أن تحاصره وتقبض فلا توجد لغة إنسانية تجري على نمط وإنما اللغة الواحدة مستويات وأنواع ، ولكي « تختار ، مادة لتعليم اللغة لأبنائها أو لغير أبنائها فإنه لابد من الاختيار بين أنواع اللغة الواحدة هناك لهجة الفرد Idiolect ، إذ كل منا له طريقته في النطق ، وله خصائصه الصوتية التي تميزه من غيره ، ولكل منا اختياراته من الألفاظ ، ومن الجمل . وأنت تعرف صديقك حين تستقبل صوته في الهاتف ، وكثيرا ما تقول : نعم هذا كلام فلان ، ولهجة المناطق الزراعية من لهجة السواحل وهي خصائص تجري على مستويات اللغة كلها أيضا . والبلاد المتقدمة تصنع « أطالس » لغوية لأقاليمها المختلفة وهناك اللهجات الاجتماعية Social dialects حيث نجده فروقا واضحة بين لهجة الطبقة العاملة ، ولهجة الطبقة الوسطى ، ولهجة الطبقات الغنية . وللنجارين ، واللصوص . وبرجال الدعوة الدينية ، وبدوائر الاقتصاد هناك « عاميات » تجري على مستويات ، وهناك اللغة الفصيحة ، وهي أيضا ليست « شيئا ، في كل لغة توجد فصيحة « عامة » ، ونراها في المحاضرات العامة ، والتقارير السياسية والاجتماعية وغيرها ثم نجد لغة فصيحة لكل ميدان ؛ فهناك لغة لأهل القانون وأخرى للمعلقين الرياضيين، وثالثة لعلماء النفس وهكذا . ثم نجد اللغة و الفنية » في فنون الأدب المختلفة من شعر ومسرح وقصة ومقال ، وهي لغة لا تسير على « النمط ، العام ، وإنما هي « تعدل » عنه ، أو « تنحرف » عنه كما يقول اللغويون وفي معظم اللغات توجد فصيحة و معاصرة ، ، ونصيحة . تراثية . وإنما هي تجري على « مستويات » تحددها طبيعة التراث ذاته 41/133 واللغة العربية ليست بدعا في شيء من ذلك ، وإنما هي لغة ة يجري عليها ما يجري على كل اللغات الطبيعية ماذا « نختار » من كل ذلك حين نخطط لتعليم اللغة ؟ إن الأمر ليس هينا كما ترى ؛ إذ لابد من جهد علمي جاد ، يبدأ بالمقارنة بين هذه المستويات ثم الاختيار منها وفقا للمعايير التي سنعرض لها عند حديثنا عن « محتوى » المقررات الدراسية . على أنه من المهم أن نشير هنا إلى أن ثمة اتفاقا بين العلماء على أن أفضل و نموذج » يمكن اختياره من اللغة هو النموذج الذي يمتاز و بالعمومية » و « الشمول » بأن يكون « أوسع » انتشارا، و « أكثر » استعمالا ، و « أقل » تقيدا ، وأن تكون له جذور » تاريخية ، وامتداد « ثقافي » . وسوف نرى أهمية هذا المبدأ عند حديثنا عن اختيار المستوى اللغوي في العربية من الوسائل الفنية الضرورية في مبدأ المقارنة ، الداخلية من أجل و اختيار » الأنواع اللغوية في التعليم وسيلة و الإحصاء » اللغوي للوصول إلى ما يعرف « بالشيوع ، في اللغة والدراسات تؤكد أن نسبة شيوع ظاهرة ما تختلف في النصوص التراثية عنها في النصوص المعاصرة . ولكل موقف لغوي ( شفراته » الخاصة التي تعد علامة مميزة له Marker حين تكون ذات نسبة عالية من الشيوع وقد تكون هذه « الشفرة » نحوية كاستعمال المبني للمجهول في التقارير العلمية ، أو استخدام جملة الشرط في الصياغة القانونية ، حين 42/133 معينة ترتفع نسبة شيوعها في مواقف خاصة لأنه نوع من التحديد الأسلوبي ، وإن كنا نميزه عن علم الأسلوب Stylistics الذي يتوفر على دراسة لغة أديب فرد ، أو لغة فن أدبي ما - لذلك يفضل كثير من العلماء أن يطلق على دراسة الشيوع في المواقف » اللغوية مصطلح علم الأسلوب العام General stylistics ومن المهم أيضا أن تلفت إلى أن « الشيوع » ليس مسألة مطلقة ، ، وإنما هو مسألة « نسبية » ؛ لأن الشيوع معناه أن نقيس ( حدوث ، ذلك أن بعض الكلمات يتكرر كل خمس ثوان ، وبعضها لا يتكرر إلا على فترات زمنية متباعدة وقد أجريت دراسات إحصائية عن الشيوع اللغوى من مواد مكتوبة في عدد من اللغات توصلت إلى نتائج متقاربة ؛ أهمها أن الألف كلمة الأولى التي هي أكثر شيوعا تمثل نسبتها نحوا من ٩٠٪ من اللغة المستعملة ، والباقي %١٫٥ . لكن كيف نصل إليها ؟ إن منهج معرفة « الشيوع » النسبي لظاهرة لغوية ما يقتضينا أن نفحص « عينة كبيرة جدا من اللغة ، ثم نجري عليها إحصاء يؤدي إلى التعبير الرقمي عن الشيوع . ونحن حين نختار هذه المواد فإن الاختيار يكون « ذاتيا » إلى حد ما ، ولذلك نلحظ فروقا في نسبة الشيوع التي أجراها باحثون عن ظاهرة واحدة نتيجة طريقة اختيارهم للمواد ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في « منهجيتها » طالما أنها تجري على « نماذج متنوعة » ، على أن عملية الإحصاء اللغوي ليست آلية أو هيئة كما يبدو ، فنحن حين نحصي الألفاظ مثلا فإننا لا نحصيها بوصفها ألفاظا منطوقة فحسب ؛ وإنما نحصيها مرتبطة ، وهذه هي القضية . ونحن لا نستطيع أن تحدد « معنى » لفظة ما إلا بمعرفة مجموعة من العلاقات ، التي لهذه اللفظة بالألفاظ الأخرى ، وهذه هي التي نطلق عليها العلاقات الدلالية Semantic relations كالترادف والاشتراك والتقابل .