وكانَتْ ليلةً سعيدةً تلك التي اجتمعوا فيها على مائدة المنزل يتصالحون بعد خِصامٍ، وحضَرَ وليمة الصُّلحِ قريبٌ للأسرة يحترمه الجميع لِسَعَة عقله وصدق نظره وحسن حديثه. قال الأبُ لابنه: كَم تعبتُ في تربيتك، وحرَمتُ نفسي من اللّذائذ لأوفّرها لك. أفَحِينَ شابَ رأسي وضَعُفَتْ قُوَّتي، وحين صِرْتَ رجاً تَهدِرُ كُلَّ هذه التّضحيات، والإحسان بالجُحُود؟ والجَميل والمعروف، ونظرتي إلى الحياة غير نظرتك، إنّني شابٌّ تملأني الآمال وتستهويني المغامرات، وليس لك منّي إلا احترامك وإجلالك. دعني أتعلّم السباحة في بحر الحياة، فأنْ أكون رجا يخطئ خير من أن أكون حجرًا لا يخطئ. فانتهَزَت الأمّ فرصة هذا السّكوت، وخاطبَت ابنتها: إنّ موقفي معكِ موقفُ أبيكِ مِن أخيكِ… لقد وقفتُ حياتي على العناية بكِ، وكم خفق قلبي حزنًا لألمكِ وسرورا لسرورك، … والآن وقد صِرتِ شابّةً لم أرَ قلبكِ يتناغم مع دقّات قلبي، وأرى حُبًّا منّي لا يُقابَلُ بحبٍّ منكِ. قالَت البنت: أُصارِحكُِ يا أمّي أنّي أحترمكِ أمًّا، ولكن لا تنتظري أن تكوني معقد أملي ومجال حبّي؛ إذا طلبتِ إجالاً واحترامًا فهذا حقٌّ لكِ جزاء تضحيتك، ولا تُجابِينَ إليه. وسادَ الجميعَ سُكونٌ عميق. انتهى الأكلُ ولم يشعروا أنّهم أكلوا، لأنّ الحديث التهم عقولهم وأفكارهم، وتسلّطَ على كلّ حواسّهم، ثم انتقلوا إلى حجرة أخرى وانتظروا كلام الشيخ الحكيم. وكانت أمراضها أشكالا وألوانا. لا في صميمها. وعادَ كُلٌّ إلى مأواهُ؛