بسم الله الرحمن الرحيم الجامعة العالمية للدراسات الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد. فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نبدأ -أيها الأحبة- في الكلام على المعاني والهدايات التي تُؤخذ من هذه السورة الكريمة (سورة الفاتحة) وسيكون الكلام في هذه الليلة -إن شاء الله- مُختصًا بالفوائد العامة، التي تتصل بهذه السورة، ثم نشرع بعد ذلك في استخراج الفوائد والهدايات من كل آية منها. ️أيها الأحبة كثيرًا ما نسمع سورة الفاتحة في كل ركعة نقرأها في الفريضة وفي النافلة، وفي كثير من الأحيان نجد أن السامع أو القارئ ربما تطلع إلى السورة التي بعدها، وربما تطلع إلى الدعاء (دعاء القنوت) إذا كان ذلك في الوتر، أما هذه السورة فقلَّ من يتطلع إلى الهدايات والمعاني التي احتوتها عند سماعه لها، مع أنها أم القرآن، وهي السبع المثاني، والقرآن الذي أوتيه النبي ﷺ كما سيأتي، فيذهب الوهم إلى تطلب التدبر لنا بعدها، وكأنها بمعزل عن ذلك كله، مع أن هذه السورة أولى سور القرآن بالتدبر، وقد حوت جميع موضوعات القرآن لمن تدبرها، فكيف يكون هذا الإعراض. بل لربما نجد -للأسف - بعضنا يستغرب لو أن أحدًا من الأئمة خشع في الفاتحة، خشوع في الفاتحة؟! فإن لم يكن الخشوع في الفاتحة فأين يكون؟! كيف لو كان هذا الخشوع في الصلاة السرية؟ أليست القراءة في الصلاة السرية تُدبر أيضًا ؟! ويُطلب فيها ذلك ؟! فلماذا هذا التعجب؟! ️ولا زلت أذكر قبل سنوات أنني صليتُ بجوار رجل معروف، فبمجرد ما رفع يديه بتكبيرة الإحرام بدأ يرتجف من أعلاه إلى أسفله، إلى آخر الصلاة وهو يرتجف، بصورة لا يمكن أن تكون مُتصنعة، فتعجبتُ، وقبل أيام صلى بجواري رجل كبير في السن في المسجد النبوي، وإذا بالرجل بمجرد ما كبر أشغلني في صلاتي لكثرة اضطرابه واضطراب أعضائه فيها من الخشوع والبكاء، وهذا مع الزحام، فلم يشغله ذلك عن الخشوع؛ لأنه كما يبدو أن نفسه قد ارتاضت على هذه الحال. فهذه السورة حَرية بالتدبر، وأن نقف مع الهدايات التي في مضامينها ، فتأملوا حُسن الافتتاح، وبراعة المطلع والاستهلال لكتاب الله حيث رُتب هذا الترتيب، فافُتتح بهذه السورة الكريمة. ️وأهل العلم يتكلمون في ترتيب السور في القرآن : هل هو توقيف من النبي ﷺ أو أنه اجتهاد من الصحابة؟ حيث راعوا فيه ما عرفوا من غالب حال النبي ﷺ وقراءته، فهذه المصاحف التي أجمع عليها المسلمون أولها سورة الفاتحة، هذه السورة التي لا تتجاوز سبع آيات، وهي آيات ليست بالطويلة، ومع هذا فقد اشتملت على جميع مقاصد القرآن، وافُتتحت بجوامع الحمد والثناء والتمجيد لله رب العالمين. ️أول هذه السورة على القول بأن البسملة آية منها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فيكون افتتاح هذه السورة باسمه -تبارك وتعالى- المقرون بالرحمن والرحيم. أو أن ابتداء هذه السورة كان مُفتتحًا بالحمد على القول بأن البسملة ليست بآية منها، فهذا حمده، والثناء عليه بما هو أهله، ووصفه بما له من الأوصاف الكاملة، هو أحسن ما يُفتتح به الكلام. ️{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } افُتتح بها هذا الكتاب المُضمن بين دُفتي المصحف، ثم أيضًا هذه السورة تضمنت في أولها الحمد لله -تبارك وتعالى- المُطلق في الدنيا والآخرة، وذِكْر أوصاف الكمال. ️ وفيها أيضًا للعبد السؤال {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } وفيها أيضًا العبادة لله وحده، وللعبد الاستعانة{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}  فهو يتوجه بعبادته إلى ربه وخالقه ، ويستعين به على أمور الدنيا والآخرة، فحق الرب كما يقول شيخ الإسلام: الحمد، والعبادة له وحده، لا شريك له، وحمده وتوحيده يدور عليهما جميع الدين. ️الْحَمْدُ لِلَّهِ إضافة أوصاف الكمال له{ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هذا ثناء بإعادة الحمد ثانيًا {لرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } هذه إعادة ثالثة، فذلك التمجيد، {وإِيَّاكَ نَعْبُدُ}  هذا التوحيد، فانظروا في شقها هذا الذي يتعلق بالرب -تبارك وتعالى- كيف انتظم جميع أمور الدين، بالحمد، والتوحيد، هذا الشق الأول، كما سيأتي في الحديث القدسي: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، يعني: الفاتحة، فهذا شقها المتعلق بالرب -تبارك وتعالى- قد انتظم الدين كله. ️ثم أيضًا تأمل كيف أن الله -تبارك وتعالى- قابلها بجميع القرآن{ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [سورة الحجر:87] باعتبار أن السبع المثاني هي الفاتحة، والقرآن العظيم باقي القرآن، فيكون ذلك من عطف العام على الخاص، وقد قال النبي ﷺ عنها: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني،