والاعتدال والمحبة والتعايش السلمي، لأن التغلب على العقول لا يأتي عن طريق القوة والتطرف والعنف، ولكن عن طريق الحب والخلق الكريم والتعامل بالحسنى والقدوة الحسنة وعظمة النفس والتسامح والحوار ، قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) من المعلوم أن الإسلام جاء من أجل بناء الإنسان وتنظيم المجتمع وصولاً إلى تحقيق أهداف اجتماعية، والحفاظ على بنية الأخلاق على أساس من التوازن بين ما هو روحي ومادي، بغية توفير الأمن مع التهذيب الاجتماعي القائم على الالتزام بتعاليم الإسلام وآدابه وقيمه في معادلة متكافئة بين الحاجات الروحية والاجتماعية من أجل تحقيق العدالة والسعادة والرفاهية لأبناء المجتمع، إن فرض تفسيرات خاصة للدين وبالقوة يتعارض مع أحكام الإسلام، بل إن الله سبحانه وتعالى نهى صراحة عن إجبار الناس على الإيمان بالقوة، ولما كان هدف الإسلام إسعاد الإنسان، وجعل له كل شيء في الأرض والسماوات، قال تعالى : الرتروا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَبٍ مُّنِيرٍ )) . لقد فضل الله الإنسان على كثير من خلقه، وقد تكرم عليه فخلقه بأحسن تقويم ومنحه العقل الذي يميز به الخبيث من الطيب، وهذا التفضيل يدفعنا إلى تأكيد القول: الإنسان أكرم مخلوق وصيانة حياته وحفظ كرامته هي من روح الدين الإسلامي، بل لا نغالي إذا قلنا: إن الإسلام جاء ليرفع من شأن الإنسان ويعلي مقامه ويمنحه الحرية في التصرف. والإسلام دين الفطرة والنظرة المتوازنة إلى الإنسان والحياة تقر نصوصه بوجود الاختلاف بين الناس، بل ينظر إلى هذا الاختلاف بروح ايجابية؛ لأنه سبب وحافز للعمل والتنافس بين المختلفين في أعمار الأرض وعمل الخير والصلاح، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَلَا هُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )) . واحترام جميع الأديان، وقد وثق لنا القرآن الكريم هذا الأمر وهو يوصي المسلمين بضرورة احترام الآخر المختلف دينياً، ويرفع ألويته في جميع الأصقاع، حتى عم الأمن والاستقرار، ودخل الناس في دين الله أفواجاً تحت لواء المودة والإخاء والمحبة والسكينة والصفاء. وذلك لأن الإسلام خاتم الرسالات السماوية، ودين عالمي للبشرية جمعاء، وجب أن يكون في طبيعة هذه الرسالة أنها صالحة للإنسانية في كل عصر وجيل، وأن يكون في شخصية الرسول وسجاياه ما يجعله الرسول المصطفى لعباد الله جميعاً . لذلك قرر الإسلام مبدأ الوحدة الإنسانية قانوناً ثابتاً لا يتبدل، وحسب التعبير القرآني أنهم أمة واحدة تعيش في أسرة إنسانية واحدة وأن عرى هذه الوحدة تقوى وتضعف طبقاً لمدى إدراك أفراد هذه الأسرة لمقوماتها وقدر وفائها بحقوقها ، أما التنوع والتفاوت بين الناس فيحصل في الاستعدادات والمواهب وما يتعلق بها تماشياً مع الاختلاف في القدرات والاستعداد والمواهب لدى كل فرد. والوسط المعتدل من دون غلو وتطرف هو الشرع الذي جاء به محمد ، وهذا المبدأ من طبيعة رسالة الإسلام، إذ إنها رسالة الرحمة للعالمين، والعدل شعاره وخاصيته، والعدالة هي الميزان المستقيم الذي يحدد العلاقات بين الناس في حالة السلم والحرب، فهي القسطاس المستقيم الذي به ينتظم المجتمع الإنساني . أنه داعية للإسلام يروج لمثل هذه الأفكار. هذه التساؤلات دفعتني إلى اختيار هذا العنوان للبحث المقدم للمؤتمر من أجل رفض الإساءة المتعمدة والتشويه الذي ظهر في العالم إلى الإسلام، وهو براء من كل هذه التخرصات والأعمال الانتقامية التي تمارسها فئة ضالة محسوبة على الإسلام والمسلمين فجاء هذا البحث ليلقي الضوء إلى الدعوة للوسطية وللتعايش السلمي بغية رفض التطرف والعنف والذي هو ليس من سمات الإسلام بل إن الإسلام وقف بالضد من الغلو والتطرف والعنف وإقصاء الآخر. لقد اقتضت طبيعة البحث والأهداف التي يدور حولها تقسيمه على مقدمة وثلاثة مطالب، تضمنت المقدمة استهلال عن الموضوع وأهميته وأسباب أختياره، وكرس المطلب الأول الدراسة الروح الإنسانية في تعاليم الإسلام، وتطرق المطلب الثاني إلى احترام الآخر من أصحاب الديانة وأثره على بناء السلام والتعايش السلمي،