تتحدث أواخر سورة الفتح على ما وقع في صلح الحديبية، وحال عمر  لما كلم أبا بكر  ورسول الله  بشأن الصلح. فذهب عمر إلى رسول الله، وعرض عليه ما عرض على أبي بكر، وسمع من رسول الله مثل الذي سمع من أبي بكر: (يا ابن الخطاب إني رسول الله، لأنني تقدمت بين يدي الله ورسوله باقتراح ما كان لي أن أتقدم به. ولما أمرهم بالتحلل وحلق الشعر ونحر الهدي، قالت: من أغضبك أغضبه الله؟ قال: (وما لي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا أُتبع، قالت: يا رسول الله! قد دخلهم ما قد رأيت، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس). فما إن كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا وتسابق القوم بالنحر والحلق، وأيقنوا أنه ليس هناك حل آخر، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أمامهم. فتأتي آخر السورة: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح:27]، لأنهم قالوا: ألم يعدنا رسول الله أنا نأتي البيت؟ فقال لهم أبو بكر: نعم، وهل قال لكم: هذه السنة؟ قالوا: لا، ونزلت السورة الكريمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عودته من الحديبية ليلاً، وكان عمر يمشي في آخر القوم مخافة أن ينزل فيه قرآناً مما جادل فيه رسول الله، فلم يلبث أن سمع صارخاً: يا ابن الخطاب! أجب رسول الله! ففزع لذلك وظن أنه قد نزل فيه ما يخشى، فلما أتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، فقال عمر: يا رسول الله! أوفتح هو؟ قال: نعم). إلزاماً لهم بمقتضى ما آمنوا به وهو أن يقبلوا كل ما جاء به وأن يكونوا تبعاً لله ولرسوله بمقتضى إيمانهم.