لقد أثّر مقتل أبي مسلم الخراساني على مجمل الأوضاع في خراسان، حيث لم تشهد المنطقة أي استقرار خلال تلك الفترة، وتوالت فيها الثورات تلر الثورات، وكان يقود بعضها ولاة خراسان. وتتساءل النص لماذا يعلن أكثر من والي العصيان وشق عصا الطاعة على الدولة العباسية؟ وهل هنالك خلافات جوهرية عقائدية تجيز لهؤلاء الولاة بالثورة على الخلافة العباسية؟ هل تغيير النظام المالي والضريبي كان وراء تلك الثورات؟ هل المطالبة بمزيد من الأموال من خراسان، أي أكثر من حصة الدولة، هي السبب في ذلك؟ هل أن طموح بعض الولاة والخوف من عقدة أبي مسلم كانت تلك التمردات؟ وهل أن تأخر رواتب الجنود كانت سببا في نقمة الجنود على سرار بعض الولاة؟ هل انت الأوضاع الفكرية والدينية دورها في تأزم الوضع في خراسان؟ ألم يحسن الولاة إدارة شؤون الرعية بحيث ساقوا وراء كل داع إلى أي ثورة أو تمرد؟ كل هذه الأسئلة تدور في مخيلة الباحث لإستقصاء الأسباب الحقيقية وراء تلك الأوضاع غير المستقرة في خراسان. اما عن بقية الأقاليم فقد شهدت بلاد الشام تعلملا اضطرت المنصور للخروج الى مدينة القدس بحجة توديع حملة عسكرية إلى شمال إفريقيا، في حين هي في حقيقتها لإحداث نوع من الانسجام مع أهل الشام وفلسطين. وقد قال أبو جعفر المنصور عن هذه الرحلة: "وخرجت الى الشام، ولو اختلف علي سيفان في العراق لضاعت الخلافة" (1). كما شهدت مناطق شمال إفريقيا اضطرابات أجبرت الخليفة على إرسال حملة عسكرية إلى المنطقة من أجل إعادتها إلى حضيرة الدولة العباسية (2). كما شهد اليمن وسجستان أيضا ظهور حركات الخوارج، فكان وجود معن بن زائدة الشيباني حلا لمثل هذه الحركات، فارسل الى اليمن وضبط أمورها، ثم نقل إلى سجستان، حيث دفع حياته ثمنا لإعادة المنطقة الى حضيرة الدولة العباسية. ودع المنصور الحياة وقد ضبط أمور الدولة العباسية ونظمها وجمع من الأموال ما يكفي لمصاريف عشر سنين، وهيا الخلافة لإبنه محمد المهدي بعد الأمور، وانفق في بناء بغداد المال الكثير، وتوفي في طريق الحج عام 158هـ/774م. لم يكن الخليفة أبو جعفر المنصور راضيا على وصية أخيه أبي العباس، حول تولية عيسى بن موسى لولاية العهد، ولربما كانت تدفعه في هذه المعارضة أسباب أدركها هو دون غيره، ونستطيع أن نتلمس بعضها، اثناء وجود عيسى بن موسى في المدائن، عندما قتل المنصور أبي مسلم الخراساني، فعندما رأه مقتولا استرجع، فقال له المنصور: "يا ابن الشاة، وهل كان لكم معه سلطان؟!" (1). صحيح أن عيسى بن موسى كان قائدا عسكريا قديرا، وصحيح أنه رفض خلع المنصور بالاتفاق مع أبي مسلم الخراساني، إلا أنه في نظري لا يصلح لولاية العهد، فضلا عن قبوله فيما بعد الاشتراك في قتل عمه عبد الله بن علي، لولا نصيحة كاتبه يونس بن أبي فروة، الذي حذره من مغبة هذا العمل (2). ولجهله بما كان يراد بالدولة العباسية، وكان رأي المنصور أن يعين أحد أبنائه لمنصب ولاية العهد، لكنه أجل هذا الموضوع الى وقت افضل، وظروف افضل، ولم يرد ان يفتح هذا الموضوع في بداية حكمه، المليء بالمخاطر. وقد سار المنصور بطريقة مدروسة وذكية لتنحية عيسى بن موسى عن ولاية العهد، فقد ارسل ابنه محمد المهدي الى خراسان وعينه واليا عليها يدعمه خازم بن خزيمة التميمي، فضبط امور خراسان وتقرب الى اهلها بما قام به من اجراءات لتنظيم امور ولاية خراسان، وكان صدى اعماله ينقل الى المنصور، وتذاع أعماله في هاشمية الكوفة، وعندما رجع المهدي في سنة