النظام السياسي للدولة عند الفارابي يعد الفارابي من أوائل الفلاسفة المسلمين الذين اهتموا بالنظام السياسي للدولة وبكيفية إصلاح نظام الحكم متأثراً في هذا الصدد بجمهورية أفلاطون ، فجاءت أفكاره في إطار مثالى لدولة خيالية تتحقق فيها المثاليات العليا ، وعناية الفارابي بقيام الدولة المثالية لم يكن سوى محاولة منه لتوحيد الأمة الإسلامية وعودة الخلافة القوية في ظل حكم مركزي قوى بعد أن ضعفت الخلافة العباسية ، وظهور دويلات ذات اتجاهات دينية مختلفة وكثرة الشقاق بين الفرق السياسية من معتزلة وشيعة وسنة وخوارج (٤٥) ، وذهب الفارابي إلى أن الإنسان مدنى بطبعه ولا يستطيع تحصيل احتياجاته وكمالاته بنفسه ، ومن ثم فانه يحتاج المعاونة آخرين غيره لكي يتمكن من بلوغ الكمال الذى به تكون السعادة الدنيا في الحياة الأولى والسعادة القصوى في الحياة الأخرى (٤٦) ، وبذلك تكون غاية علم السياسة عنده هو مساعدة الإنسان المدنى الذى يعيش ضمن جماعة سياسية على الوصول إلى أسمى كمال خلق من اجله وهو السعادة ، فيقول " إن كل موجود يبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه حسب رتبته في الوجود الذي يخصه ، فالذى للإنسان من هذا هو المخصوص بأسم السعادة القصوى (٤٧). ۱ - مجتمعات كاملة وهى ثلاث ) عظمى ، وسطى ، صغرى ) العظمى وهي تمثل اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة ، أما الصغرى فهى تعنى اجتماع أهل المدينة في جزء من مسكن أمة (٤٨)، فالمعمورة تضم أمم ، وكل أمة تضم مدن ، واجتماع المدينة هو أول مراتب الكمال في الاجتماعات البشرية ٢ - المجتمعات الغير كاملة :- وهي عبارة عن التجمعات البشرية التي تتخذ صورة أنقص من المدينة وتشمل تجمعات القرى والمحال والسكك والبيوت وهناك ما هو أنقص منها كالإجتماع المنزلي والذي يعد جزء من الاجتماع في السكة ، في حين تعد السكة جزء من اجتماع المحلة وهكذا (٤٩) ، والخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال أولا بالمدينة ، لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها. المدينة الفاضلة عند الفارابي أولا : طبيعة المدينة الفاضلة يشبه الفارابي المدينة الفاضلة بالبدن الصحيح التام ، فكما أن البدن يختص كل عضو فيه بالقيام بعمل معين ، وتتعاون أعضاؤه كلها في سبيل الوصول إلى غاية واحدة وهي إقامة حياة كاملة والحفاظ عليها والتعاون على الأشياء التى تنال بها السعادة ، وهذه الغاية القصوى لن تتحقق إلا إذا اختص كل عضو في المدينة بعمل معين ويقوم به على أكمل وجه (٥٠). كذلك يصور لنا الفارابي هذا الترابط والانسجام بين أجزاء المدينة الفاضلة ويوضح البنيان الإجتماعي الذي يشكل جوهر المدينة الفاضلة أشبه ما يكون بالهرم فنجد يأتي على قمته العضو الرئيس الذى يخدمه جميع الأعضاء ولا يخدم فهو رئيس المدينة ، ويأتي في قاعدته الأعضاء الذين يخدمون ولا يخدمون ، وهؤلاء يكونوا في أدنى المراتب ويكونوا هم الأسفلون وبين القمة والقاعدة توجد طبقات تتفاوت سمواً وانحطاطاً بحسب القطر الطبيعية المتفاضلة التي تجعل إنسانا يصلح لأداء عمل أو القيام بشيء دون شيء ، فأساس التدرج الهرمى بين أعضاء البنيان الاجتماعي هو إختلاف قدرات الأفراد الطبيعية وبالتالي إختلاف صلاحيتهم للقيام بالأعباء التي تفرضها ضرورة العيش في جماعة (٥٢) . ويقسم الفارابي هذا البنيان إلى خمسة أجزاء (٥٣): الأفاضل : وهم الحكماء والمتعقلون ، وذو الآراء في الأمور العظام ، ثم حملة الدين ذو الألسنة : وهم الخطباء والبلغاء والشعراء والملحنون والكتاب ومن يجرى مجراهم . المقدرون : هم الحساب والمهندسون والأطباء والمنجمون ومن يجرى مجراهم . المجاهدون : هم المقاتلين والحفظة وما يجرى مجراهم . الماليون : هم مكتسبى الأموال في المدينة من تجار وفلاحين وما يجرى مجراهم ويقوم رئيس المدينة بترتيب هذه الطوائف ، بأن يضع كل فرد في المكان الذي تؤهله له قدراته الفطرية الطبيعية والآداب التي تأدب بها ، ويعبر عن ذلك الفارابي بقوله أن في المدينة مراتب في الرياسة والخدمة تتفاضل بحسب فطرة أهلها ، وبحسب الآداب التي تأدبوا بها ، والرئيس الأول هو الذى يضع كل إنسان في المرتبة التي يستحقها ، سواء في مرتبة الخدمة أو مرتبة رئاسة (٥٤) ، فتكون هناك مراتب تقرب من مرتبته ، ومراتب تبعد عنها قليلا ، ومراتب تبعد عنها كثيرا وهكذا . كما يرى أن كل واحد في المدينة الفاضلة ينبغى أن يفوض إليه صناعة واحدة ينفرد بها ، وعمل واحد يقوم به ولا يجوز ممارسته لأكثر من عمل وذلك للأسباب التالية : ١ - إنه لا يتفق أبدا أن يكون كل إنسان يصلح لكل عمل ولكل صناعة . متى انفرد به ونشأ عليه منذ صباه ولم يتشاغل بشيء أخر سواه . - إن كثيرا من الأعمال لها أوقات متى أخرت عنها فاتت ، وقد يتفق أن يكون عملان وقتهما واحد بعينه ، فان تشاغل بأحدهما فاته الأخر ، ولذلك ينبغى أن يفرد لكل واحد من العملين إنسان واحد حتى يكون كل واحد من العملين يلحق في وقته ولا يفوته (٥٥). وهو في ذلك الرأى يتفق مع أفلاطون الذى يرى أنه لا يجوز للفرد أن يمارس أكثر من عمل في ذات الوقت ، بل عليه أن يتقن عمل واحد فقط . ثانيا : خصال أهل المدينة الفاضلة : اهتم الفارابي بتوضيح الخصال الواجب توافرها في المدينة الفاضلة وأهمها : 1 - الفضيلة ( المعرفة ) وتنقسم الفضائل إلى : الفضائل النظرية وهي تنصب على طلب المبادىء الأولية للمعرفة والعلم بالأشياء علماً نظرياً . الفضائل الفكرية: وهى تقوم على استنباط ما هو الأنفع فى غاية فاضلة ، لذلك هي فضائل فكرية. الفضائل المدنية : وهي أشبه أن تكون قدرة على وضع النواميس (٥٦). الفضائل الخلقية : وهى تعنى البحث في السلوك الأخلاقي للإنسان فهي التي تلتمس الخير. الفضائل العلمية : هى التى يراد بها إكتساب الفنون العملية المعروفة . ويرى الفارابي أن رئيس المدينة الفاضلة هو من يقوم بمهمة التعليم والتأديب في المجتمع بما لديه من تفوق فكرى وقدرة على الوصول إلى الحقائق (٥٧). ٢ - الأخلاق : وإنما يمثلان غاية واحدة يدور حول السعادة وكيفية تحقيقها أو تفصيلها ، والثاني يشتمل على معرفة الأمور التي بها تحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن والقدرة على تحصيلها لهم وحفظها وهذه تسمى الفلسفة السياسية ) وبذلك ينتهى إلى أن صناعة الفلسفة ضرورة ننال بها السعادة ويضرب لنا أمثلة للأخلاق الجميلة مثل الشجاعة التي تحصل بالتوسط بين التهور والجبن ، والجبن هو الزيادة في الإحجام عن هذه الأشياء وبالتالي فالأخلاق هي إحدى خصال أهل المدينة الفاضلة وعماد الأخلاق هو الوسطية والاعتدال وهو الأساس الذي يتحقق به التماسك الاجتماعي ، حيث ترتبط أجزاء المدينة ومراتبها مع بعضها لتتماسك وترتبط بالصحبة وتبقى محفوظة بأفاعيل العدل ، والصحبة قد تكون بالطبع " مثل محبة الوالدين للوالد ، وقد تكون " بالإرادة " بأن يكون مبدأها أشياء إرادية تتبعها المحبة . وتتمثل الإرادة في ثلاث حالات : أهمها الاشتراك في الفضيلة ، والثاني من أجل المنفعة ، والثالث من أجل اللذة ، وبالتالي فالمحبة في هذه المدينة تكون لأجل الاشتراك في الفضيلة بالآراء والأفعال (٦٠) ، والأتفاق في الآراء يعنى أتفاقهم في الله سبحانه وتعالى وفي الأبرار الذين يعتبرون هم القدوة ثم نكمل ذلك بالأفعال التي ينال بها السعادة ومحبة بعضهم لبعض ، ولأنهم متجاورون في المسكن الواحد ، وبعضهم يحتاج إلى بعض فبذلك تكون هذه المحبة من أجل المنفعة، ولأن بعضهم نافع لبعض ، وبهذا يأتلفون ويرتبطون سويا . ويقيس الفارابي المدينة على بدن الإنسان ، متجاورة ومرتبة ، ويقوم كل جزء فيها بعمل معين ، ويتعاونوا على تكميل الغرض ببدن الإنسان ، وكذلك المدينة أو المنزل يأتلف من عدة أجزاء مختلفة يتعاونوا لتحقيق أغراض المدينة (٦١) ، والمدينة الفاضلة لدية هي التي يتعاون أهلها على الضروري فيما يكون به قوام الإنسان وعيشته وحفظ حياته . ورؤيته للعدل تأخذ صورتين إما عدل توزيعى وهو يقوم على تقسيم كافة الخيرات المادية والمعنوية في المدينة على المواطنين على أساس المساواة النسبية ، وإما الصورة الثانية وهي العدل التصحيحي وهو مكمل للعدل التوزيعي ، ويمثل المساواة الحسابية المطلقة بحصول كل فرد على خير مساوى لما يخرج من يده . ٤ العلم بالأشياء المشتركة : معرفة الله فهو السبب الأول لوجود سائر الموجودات ، سبحانه وتعالى وخالق الأشياء جميعاً - معرفة الجواهر السماوية وما يوصف به كل واحد منها ، والأجسام الطبيعية التي تحتها وكيف تتكون وتفسد وأن ما يجرى فيها يجرى على إحكام وإتقان وعناية وعدل وحكمة وإنها لا إهمال فيها ولا نقص ولا جور بأي وجه من الوجوه (٢٢). ومنزلته لا ترجع لسموه الشخصي فحسب ، بل لما له من أثر في المجتمع (٢٣). - معرفة ماهية المدينة الفاضلة وأهلها ، إما بعضهم إلى السعادة أو إلى العدم ، ثم الأمم الفاضلة و الأمم المضادة لها ثانيا : رئيس المدينة الفاضلة تتحدد مكانة الحاكم على ضوء النظرة العضوية للمدينة الفاضلة ويشبها الفارابي بالبدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلها على الحفاظ على حياة الكائن بحيث يؤدى كل عضو الدور المحدد والمرسوم له بحيث يصيب الخلل الذي يحيق بأى عضو بقية الأعضاء بالضرر والأذى والعضو الرئيس في البدن هو القلب ويخدم عليه جميع الأعضاء ، كذلك الحال في المدينة الفاضلة فرئيس المدينة هو القلب (٢٤) ثم يتبعه الرعية والمرؤوسين له خصال رئيس المدينة الفاضلة : الفارابي انتهى إلى أن الرئاسة تكون بشيئين : أن يكون الرئيس بالفطرة والطبع معداً لذلك ، وان تتوافر لديه الهيئة والملكة الإرادية (٦٥). أولا : الخصال التي تتوافر فيه بالفطرة وهى إثنتى عشر خصلة :- 1- أن يكون تام الأعضاء حتى يمكنه مباشرة أعباء الرئاسة بسهولة (٦٦). ٢- أن يجيد الفهم والتصور لكل ما يقال له ، فيلقاه بفهمه على ما يقصده القائل . أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ولما يسمعه ويدركه لا ينساه . ٤- أن يكون جيد الفطن، ذكى ، إذا رأى الشيء بأدنى دليله فطن إليه . ه أن يكون حسن العبارة ، يؤتيه لسانه على إبانة كل ما يفسره إبانة تامة . ٦- أن يكون محبا للتعليم والاستفادة ، منقاداً له ، لا يؤلمه تعب التعليم ولا يؤذيه الكد الذي يناله منه أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح . مبغضاً للكذب وأهلة - أن يكون كبير النفس ، محباً للكرامة . ١٠- أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هيئة عنده . ۱۱- أن يكون بالطبع محباً للعدالة ومبغضاً للجور والظلم وأهلها مقداماً غير خائف ولا ضعيف النفس وعلى الرغم من تأكيد الفارابي على ضرورة توافر هذه الخصال الطبيعية مجتمعة في شخص الحاكم ، إلا أنه كان على وعى بصعوبة توافرها في شخص الحاكم (٢٧). ثانياً : الخصال الإرادية فى الرئيس وقد عددها الفارابي في ٦ خصال (٦٨) : ١ - أن يكون حكيماً . - أن يكون عالماً ، حافظاً للشرائع والسنن التي دبرها الأولون للمدينة محتذياً بأفعالهم أن يكون له جودة استنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة ويكون فيما يستنبطه من ذلك محتذياً حذو الأئمة الأولين - أن يكون له جودة وقوة استنباط لما سبيله أن يعرف في وقت من الأوقات الحاضرة من الأمور والحوادث التي تحدث مما ليس سبيلها أن يسير الأولون ويكون متحرياً بما يستنبطه من ذلك صلاح حال المدينة . ه أن يكون له جودة إرشاد بالقول إلى شرائع الأولين والتي استنبط بعدهم مما احتذى فيه حذوهم. ٦- أن يكون له جودة إثبات ببدنه في مباشرة أعمال الحرب فإذا توافرت هذه الخصال الطبيعية والإرادية في الحاكم كان هو الرئيس الذي لا يرأسه آخر ، وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة وهو رئيس المعمورة من الأرض كلها ، أما إذا كانت الشروط الإرادية غير مجتمعة في شخص واحد وتوافرت في شخصين ، بأن كان احدهم حكيماً والآخر يتوافر فيه باقى من الشرائط السابقة ، فإذا تفرقت هذه الشرائط في جماعة وكانوا متلائمين كانوا هم الرؤساء الأفاضل (۷۰). ثالثا : نظام الحكم في المدينة الفاضلة وفقا للمعايير السابقة فان نظام الحكم في الدولة الفارابية (٢١) يأخذ صورة النظام الملكي المطلق ، لكن التساؤل يدور حول طبيعة الملكية هل هى قانونية أم إستبدادية ؟ ففي الدولة القانونية لا يستطيع الحاكم إتخاذ أي إجراء إلا وفقاً للقواعد القانونية الموضوعة مسبقاً ومحددة الحقوق والواجبات للأفراد والهدف منها الخير العام وبالتالي فهي سلطة مقيدة . بينما الإستبدادية الحاكم فيها يعسف بالأفراد حسب هواه ، وبتطبيق هذه المعايير على الدولة الفارابية نجد إنها نظام ملكي مطلق قانونيا وليس استبداديا (۷۲). الفارابي قسم ملوك المدينة ومدبروها إلى أربعة أصناف : 1- الملك وهو الذي يمثل الرئيس الأول وتجتمع فيها عدة شرائط أهمها الحكمة والتعقل والقدرة على الجهاد ببدنه ، فهو يعد الدستور المقتدى به في سيره وأفعاله ، وأقاويله ووصاياه . - الصنف الثاني من الملوك يمثل إنسان لا تجتمع فيه كل الشرائط ، بل هي توجد متفرقة في جماعة ، وهناك من لديه قدرة الإقناع وجودة التخيل ، وآخر له القدرة على الجهاد ، فتكون هذه الجماعة بأجمعها تقوم مقام الملك (۷۳) ويسمون بالرؤساء الأخيار، وذو الفضل، ورئاستهم تسمى رئاسة الأفاضل وهناك الملك الذى يعلم بالشرائع والسنن المتقدمة التي أتى بها الأولون من الأئمة ، ودبروا بها المدن ، ثم أن يكون له جودة تمييز الأمكنة والأحوال التي ينبغي أن تستعمل فيها تلك السنن على حسب مقصود الأولين بها ، ثم أن يكون له قدرة على استنباط ما ليس يوجد مصرحا به في المحفوظة والمكتوبة من السنن القديمة محتذيا بما يستنبط منها حذو ما تقدم عن السنن ثم أن تكون له جودة رأى وتعقل في الحوادث الواردة شيئا فشيئا ، مما ليس في سبيلها أن تكون في السير متقدمة بما يحفظ به عمارة المدينة ، وكذلك أن يكون له جودة الإقناع ، والقدرة على الجهاد، فهذا يسمى ملك السنة ورئاسته تسمى ملكاً سنياً - الصنف الرابع يمثل الملك الذى لا تجتمع فيه هذه الصفات بل توجد متفرقة في جماعة وهؤلاء الأفراد يقومون مقام ملك السنة ويسمون برؤساء السنة (٢٤) وينتهى الفارابي إلى أن المثل الأعلى للحكومة هو الحاكم الفيلسوف ، وإن الناس اجتمعوا بضرورة الإجتماع ، ويضعون أنفسهم تحت إرادة فرد يمثل الحكومة وإن أفضل الحكومات هي المتصلة بالهيئة الدينية لأنها المسيطرة على الأمور الدينية والدنيوية (٢٥). رابعاً : مضادات المدينة الفاضلة المدينة الفاضلة هى تضاد للمدينة الجاهلة أو الفاسقة أو الضالة أو المتبدلة ، حيث أن كل صنف من أصناف السياسات الغير فاضلة تشتمل على أصناف مختلفة ، متباينة جدا ، فمنها ما هو غاية في الرداءة ، ومنها ما ضرره يسير ومنفعته كثيرة ، وهي مدن لا تعرف السعادة الحقيقية. وقد حدد الفارابي أنواع المدن المضادة للمدينة الفاضلة أولا: المدينة الجاهلة :- وهي المدينة التي لا يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم ولا يعرفون من الخيرات إلا التي هي مظنونة في الظاهر إنها خيرات مثل سلامة الأبدان واليسار والتمتع باللذات ونيل المجد والعظمة ، والسعادة العظمى الكاملة تتحقق عندما تجتمع هذه الخيرات لهم ، فإذا أصاب احد أفرادها شيء من آفات الأبدان أو الفقر ظن ذلك شقاء (٢٦). أشكال المدينة الجاهلة :- وتنقسم إلى ستة أشكال من المدن الجاهلة كالتالي : 1 - المدينة الضرورية : ۱ وهي المدينة التي قصد أهلها الاقتصار على الضرورى لقوام الأبدان من المأكل والمشرب والملبس والمسكن وغيره مما يتعاونون على الإستفادة منه ، ورئيس المدينة الضرورية هو أفضل أفرادها وأجودهم احتيالاً وتدبيراً للوصول إلى تحقيق الضرورى وعلى المكاسب (۷۷) كما أن له توجيه الأفرد على النحو الذي يساعدهم على إكتساب الأشياء الضرورية والحفاظ عليها. ٢ - مدينة النذالة : وهي التي يتعاون أهلها على نيل الثروة واقتناء الضروريات وجمعها فوق مقدار الحاجة إليها ، ويجعلون ذلك غايتهم في الحياة ، ولذلك فهم يتميزون بالشح وعدم الإنفاق ، وتقاس قيمة الفرد لديهم بمقدار ما يحققه الفرد من اليسار ومالديه من جودة احتيال لبلوغ هذه الغاية (٧٨). ٣- مدينة الخسة : وهي المدينة التي قصد أهلها التمتع باللذة من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك من وجوه اللذة المحسوسة ، وتعاون الأفراد في مثل هذه المجتمعات لا يكون الغرض منه سد الإحتياجات التي بها قوام الأبدان وإنما مجرد الحصول على اللذة ، وهذه المدينة هي المدينة السعيدة والمغبوطة عند أهل الجاهلية لأن غرض هذه المدينة تحصيل الضرورى وتحصيل اليسار وأفضلهم وأسعدهم من تأتيه أسباب اللعب أكثر ونال الأسباب الملذة أكثر (۷۹). وهي المدينة التي قصد أهلها أن يتعاونوا على أن يصيروا مكرمين ، ممدوحين ومشهورين بين الأمم بالقول والفعل ،