قالوا: ويؤيد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمنة للوصية بها، ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أوصاني خليلي محمد بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، (وفي صحيح مسلم) نحوه عن أبي الدرداء (۲) قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ويُجْزِيءُ مِن ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (۳) . عن معاذ بن أنس الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكعتي الضحى لا يقُول إِلا خَيْراً، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (٤) . وفي المسند» والسنن عن نعيم بن همار قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله عز وجل : يا ابْنَ آدَمَ لاَ تَعْجِزَنَّ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَه (۲) ورواه الترمذي من حديث أبي الدرداء، وأبي ذر (۳) . وفي جامع الترمذي» و «سنن ابن ماجه، عن أنس مرفوعاً «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْراً مِنْ ذَهَبٍ فِي الجَنَّة» (٤) . وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه رأى قوماً يُصلُّون من الضحى في مسجد قباء، فقال : أما لقد علموا أن الصلاة في غير لهذه الساعة أفضلُ إنَّ رسول الله ﷺ قال : صلاة الأوابين حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ (٥) . وقوله : ترمضُ الفصال أي: يشتد حر النهار، فتجد الفصال حرارة الرمضاء. وفي «مستدرك» الحاكم من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُحافِظُ عَلى صَلاةِ الضُّحَى إِلا أَوَّاب (۲) وقال: «هذا إسناد قد احتج بمثله مسلم بن الحجاج، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ ) (۳) قال : ولعل قائلاً يقول : قد أرسله حماد بن سلمة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، فيقال له : خالد بن عبد الله ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة . ثم روى الحاكم : حدثنا عبدان بن يزيد حدثنا محمد بن المغيرة السكري، حدثنا القاسم بن الحكم العُرَني، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِلْجَنَّةِ باباً يُقالُ لَهُ بابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَة نادَى مُنَادٍ : أَيْنَ الَّذِينَ كانوا يُداوِمونَ عَلى صلاة الضُّحَى، فادْخُلُوه بِرَحْمَةِ اللَّهِ » (٤) . وقال الترمذي في الجامع»: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثني موسى بن فلان، عن عمه ثمامة بن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ :مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْراً مِنْ ذَهَبٍ فِي الجَنَّة». قال الترمذي : حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (١). وكان أحمد يرى أصح شيء في هذا الباب حديث أم هانىء . قلت : وموسى ابن فلان هذا، هو موسى بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك . وفي «جامعه» أيضاً من حديث عطية العوفي، قال : كان رسول الله ﷺ يُصلي الضُّحَى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول : لا يُصليها (٢) . قال : هذا حديث حسن غريب. وقال الإمام أحمد في مسنده» حدثنا أبو اليمان، عن يحيى بن الحارث الذماري، قال : مَنْ مَشَى إلى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، ومَنْ مَشَى إلى سُبْحَة الضُّحَى كَانَ لَهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ في عِلِّيِّين قال أبو أمامة: الغدو والرواح إلى هذهِ المَساجِدِ مِنَ الجهاد في سبيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل (۳) . وقال الحاكم: حدثنا أبو العباس، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو المورع محاضر بن المورع، حدثنا الأحوص بن حكيم، حدثني عبد الله بن عامر الألهاني، عن منيب بن عيينة بن عبد الله السلمي، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول : مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةِ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حاج أَوْ مُعْتَمِرٍ تَامٍ لَهُ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ (۱) . وقال ابن أبي شيبة حدثني حاتم بن إسماعيل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث النبي ﷺ جيشاً، وأسرعوا الكرة فقال رجل: يا رسول الله ! ما رأينا بعثاً قط أسرع كرةً ولا أعظَمَ غنيمة من هذا البَعْثِ، فقال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَسْرَعَ كَرَّةٌ، وَأَعْظَمَ غَنِيمَةٌ : رَجُلٌ توضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، فَقَدْ أَسْرَعَ الكَرَّةَ وَأَعْظَمَ الغَنِيمَة (٢) . قال الحاكم: صحبت جماعة من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات، لتواتر الأخبار الصحيحة فيه، وإليه أدعو اتباعاً للأخبار المأثورة، واقتداء بمشايخ الحديث فيه . قال ابن جرير الطبري - وقد ذكر الأخبار المرفوعة في صلاة الضحى واختلاف عددها : وليس في هذه الأحاديث حديث يدفع صاحبه، وذلك أن من حكى أنه صلى الضحى أربعاً جائز أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيره في حال أخرى صلى ركعتين وراه آخر في حال أخرى صلاها ثمانياً، وسمعه آخر يحث على أن يُصلي ستاً، وآخر يحث على أن يصلي ركعتين، وآخر على ثنتي عشرة، فأخبر كل واحد منهم عما رأى وسمع. قال : والدليل على صحة قولنا ما رُوِيَ عن زيد بن أسلم قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر أوصني يا عم، قال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، وَمَنْ صَلَّى عَشْراً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّة ) . وقال مجاهد: صلَّى رسول الله ﷺ يوماً الضحى ركعتين، فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كل مُخبر ممن تقدم أن يكون إخباره لما أخبر عنه في صلاة الضحى على قدر ما شاهده وعاينه . والصواب : إذا كان الأمر كذلك : أن يُصليها من أراد على ما شاء من العدد. وقد رُوِيَ هذا عن قوم من السلف حدثنا ابن حميد، كم أصلي الضحى؟ قال : كم شئت . ذهبت إلى أحاديث الترك، ورجحتها من جهة صحة إسنادها، وعمل الصحابة بموجبها، فروى البخاري عن ابن عمر، قلت : فالنبي ﷺ قال : لا إخاله (۱). وقال وكيع : حدثنا سفيان الثوري، قال : ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة الضحى إلا يوماً واحداً (٢). وقال علي بن المديني : حدثنا معاذ بن معاذ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: رأى أبو بكرة ناساً يصلون الضحى، قال : إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ ولا عامة أصحابه (۳). وفي الموطأ»: عن مالك عن ابن شهاب، عن عائشة قالت: ما سبح رسول الله ﷺ سُبحة الضحى قط، وإن كان رسول الله ﷺ ليَدَعُ العمل وهو يُحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس، وقال أبو الحسن علي بن بطال : فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة، عن قيس بن عبيد، قال: كنت أختلف إلى ابن مسعود السَّنَةَ كلها، فما رأيته مصلياً الضحى. عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة، وإذا الناس في المسجد يصلون صلاة الضحى، وقال مرة : ونِعْمَتِ البِدْعَةُ (1) . وقال الشعبي : سمعت ابن عمر يقول : ما ابتدع المسلمون أفضل صلاة من الضحى، وسئل أنس بن مالك عن صلاة الضحى، وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غباً، وحكاه الطبري عن جماعة، قال : واحتجوا بما روى الجريري، قال: قلت لعائشة : أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى ؟ قالت : لا إلا أن يجيء من مغيبه (٢). ثم ذكر حديث أبي سعيد: كان رسول الله ﷺ يُصلي الضحى، ويدعها حتى نقول : لا يُصليها، ثم قال : كذا ذكر من كان يفعل ذلك من السلف. وروى شعبة عن حبيب بن الشهيد، قال: كان ابن عباس يُصليها يوماً، وروی شعبة عن عبد الله بن دينار، أنه كان لا يُصلي الضحى فإذا أتى مسجد قباء، قال: كانوا يكرهون أن يُحافظوا عليها كالمكتوبة، ويُصلون ويدعون يعني صلاة الضحى. وعن سعيد بن جبير : إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها، مخافة أن أراها حتماً علي. وقال مسروق: كنا نقرأ في المسجد، فنبقى بعد قيام ابن مسعود ثم نقوم، فبلغ ابن مسعود ذلك فقال : لم تُحملون عباد الله ما لم يُحملهم الله ؟! إن كنتم لا بُدَّ فاعلين، وكان أبو مجلز يُصلي الضحى في منزله . قال هؤلاء: وهذا أولى لئلا يتوهم متوهم وجوبها بالمحافظة عليها، ولهذا قالت عائشة : لو نُشِرَ لي أبواي ما تَرَكْتُها ) . فإنها كانت تصليها في البيت حيث لا يراها الناس. وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تفعل بسبب من الأسباب، قالوا : وصلاته الله يوم الفتح ثمان ركعات ضحى، وأن سنة الفتح أن تُصلى عنده ثمان ركعات، وذكر الطبري في تاريخه» عن الشعبي قال: لما فتح خالد بن الوليد الحيرة، صلى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلم فيهن، قالوا: وقول أم هانىء وذلك ضحى». تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحى، قالوا: وأما صلاته في بيت عتبان بن مالك، فإن عتبان قال له : إنِّي أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فصليت في بيتي مكاناً أتخذه مسجداً، فقال: «أفعل إن شاء الله تعالى» قال: فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار فاستأذن النبي ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال : أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فأشرت إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فهذا أصل هذه الصلاة وقصتها، فقال : إن رسول الله ﷺ صلى في بيتي سبحة الضحى، وأما قول عائشة : لم يكن رسول الله ﷺ يُصلي الضحى إلا أن يَقْدَمَ مِنْ مغيبه، فهذا من أبين الأمور أن صلاته لها إنما كانت لسبب، وهي القائلة: ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الضحى قط .