هناك عصران في حياة الأدب العربي قد ظفرا بمزيد من عناية الدارسين ومؤرخي الأدب العربي ، هما العصر الجاهلي والعصر العباسي. أما بالنسبة للعصر الجاهلي فربما كانت العناية قد اتجهت إليه بوصفه البداية ، وأما بالنسبة للعصر العباسي فلأنه يمثل قمة التطور الفني للأدب العربي القديم .ولأن العصر العباسي قد امتد في التقسيم التاريخي للزمن حقبة طويلة بين سنة ١٣٢ هـ وسنة ٦٥٦ هـ فقد درج مؤرخو أدب هذا العصر على تقسيمه داخلياً إلى عدد من العصور ، ودراسة كل عصر منها دراسة مستقلة . على أن مبررات هذا التقسيم - الذي يرتبط بأحداث تاريخية أو تغيرات في بعض مظاهر الحكم -لم تعد مقنعة ، لأن النقلة الكبيرة التي أحدثتها الثورة العباسية في حياة العرب والمجتمع الإسلامي بعامة ظلت تمثل الإطار العام لحياة الدولة الجديدة ، الذي يستوعب كل ما بداخله من تنوع ، دون أن يصيبه تغير جذري أو جوهري ومن ثم فإن كل المتغيرات التي كانت تطرأ على حياة المجتمع في هذه الدولة لم تكن تحدث انقلاباً حقيقياً في شتى وجوه هذه الحياة ، بل كانت تحدث في الغالب نتيجة لألوان الصراع المختلفة ، السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية ، التي كانت تتبادل مراكز القوة في ذلك المجتمع . وبعبارة أخرى نقول : إن كل الصراعات التي تمثلت في إطار الدولة العباسية منذ بدايتها قد ظلت مستمرة حتى نهايتها ، تخف وطأة بعضها حيناً وتشتد حيناً ، أو ترجح كفة أحد الطرفينالمتصارعين كفة الطرف الآخر مرة ، ثم تعود لترجحها الكفة الأخرى . ولكنعنصر الاستمرار يظل هو السمة العامة للعصر كله .حقاً إن تطوراً كبيراً حدث في إبان العصر العباسي ، ارتفع فيه الخط البياني لنمو الحياة حتى بلغ الذروة . ثم عاد فاتجه نحو الهبوط بتحلل الدولة الكبرى إلى دويلات لها كيانها القوي المستقل ولها حياتها الخاصة . ولكنه يظل خطأ واحداً ممتداً من نقطة البداية حتى نقطة الانكسار .ومن ثم فإننا نرى أن التصور الأفضل للعصر العباسي هو تصوره جملة وليس مجزءاً . وعن هذا التصور صدرنا في تشكيل مادة الدراسة التي يضمها هذا الكتابإن العصر العباسي عصر معقد بالغ التعقيد ، ومتداخل في الوقت نفسه تداخلاً مذهلاً وفي بعض الأحيان مربكاً . ومن ثم فإن فهم أي مكون من مكوناته بمعزل عن المكونات الأخرى لا يمكن أن ينتهي إلى تصورات كاملة أو دقيقة . فهناك - على سبيل المثال - صراع بين الشيعة والعباسيين حول شرعية الحكم ، و في الوقت نفسه هناك صراع بين المعتزلة وأهل السنة . لكن الشيعة أيضاً كانوا في صراع مع أهل السنة ، دون أن يكون هناك أدنى وئام بين العباسيين ) الطرف الثاني في الصراع الشيعي العباسي ) وبين أهل السنة على مدى مائة عام من حياة الدولة ، بل ربما كان الصراع بينهما في تلك الحقبة على قدر غير يسير من العنف . وقس على هذا موقف كل العناصر السياسية والاجتماعية والفكرية المكونة لكيان الدولة .والأدب الذي كان دائماً أداة التعبير لكل العناصر المتصارعة كان لا بد أن تتمثل في حياته صورة هذا التعقيد والتداخل في حياة المجتمع ، ليس يكفي - على سبيل المثال -أن نعرف أن الشاعر الفلاني قد مدح الخليفة العباسي الفلاني ، بخاصة إذا كانهذا الشاعر علوياً أو علوي الميول ، بل لا بد أن نعرف لم مدحه وبم كان هذا المدح ؛ إذ ليس في أن نتحدث عن صدقه أو كذبه في هذا المدح دون أن نجيب عن هذين السؤالين. ولكي نجيب عن هذين السؤالين لا بد أن تكون خريطة المجتمع - إذا صح التعبير - بكل خطوطها وتعاريجها المتلاقية والمتقاطعة واضحة أمامنا . وفي الوقت نفسه يدبج المدح في أحد الخلفاء فتقبل منه مدائحه : والشاعر الذي ينقلب من أقصى طرف المجون والخلاعة إلى أقصى طرف الزهد ، وما شاكل ذلك .ومن أجل هذا كله انقسمت هذه الدراسة إلى رئيسيين في الجزء الأول محاولة لرؤية عناصر الصراع الكبرى التي شكلت حياة المجتمع العباسي . وتتبع الخط الدرامي لكل منها في مراحله المختلفة ، مرتبطاً في الوقت نفسه بالأدب الذي تولد عنه وصاحبه . وفقاً لألوان الصراع المختلفة التي شهدها العصر ، والتي كان هذا الأدب ثمرة لها . وقد وزعت الفصول في هذا القسم بحيث يتناول كل فصل منها وجهاً من وجوه ذلك الصراع .أما الجزء الثاني فقد انصب على الأدب ذاته ، من حيث القضايا الفنية التي طرحها في ذلك العصر وكانت محوراً لصراع كذلك ، ومن حيث ما جد فيه بفعل التطور ، في أشكاله وأبنيته وأساليبه ولغته ، والموضوعات التي طرأت عليه في ذلك العصر