فربما نستطيع أن نجيب وبكل تلقائية: إن الفلسفة الحديثة هي تلك التي حاولت، وبكل حذر منذ قرنين الجواب على السؤال: ما هي الأنوار؟(1) هكذا مثلا يعلم المحاورون في جمهورية أفلاطون أنهم ينتمون إلى واحدة من تلك الثورات العالمية حيث يرجع العالم متقهقرا إلى الوراء بكل ما يحمله هذا الرجوع من النتائج السلبية. – كما يمكن تحليل الحاضر كنقطة تحول نحو فجر عالم جديد، فإن السؤال في هذا المقال حول الأنوار يهتم بالوضع الراهن الخالص، أنه لا يسعى إلى فهم الحاضر انطلاقا من كلية ما أو اكتمال مستقبلي، وبصفة عامة تتحدد الأنوار بتغير العلاقة الموجودة سلفا بين الإرادة والسلطات واستخدام العقل. لذا يجب أن نفهم أنه لا يمكن أن يخرج منها إلا بتغيير يحدثه هو بنفسه على نفسه أو بتعبير آخر فإن كانط يقول أن لهذه الأنوار شعارا Wahlspruch يعرف بها: غير أن الشعار هو سمة مميزة نعرف بها، في نفس الوقت عناصر وعوامل لنفس الحدث. فهم يمكن أن يكونوا الفاعلين فيه في الوقت الذي يكونون عناصر ينتمون إليه، وينتجونه في الوقت الذي يقررون أن يكونوا الفاعلين المتطوعين فيه. إضافة إلى ما سبق هناك أيضا صعوبة ثالثة تظهر في نص كانط والمتعلقة باستعمال كلمة Menschleit (الإنسانية)، فهل يجب الفهم أن مجموع النوع البشري هو المقصود في حدث الأنوار؟ وفي هذه الحالة يجب أن نتخيل أن الأنوار هي تغير تاريخي يمس الوجود السياسي والاجتماعي لجميع البشر على وجه الأرض. وهنا يجب الإشارة إلى أن الكلمة الألمانية المستعملة هنا هي: “razonieren” (التفكر) هذه الكلمة التي نجدها أيضا في مؤلفات النقد(6) لا ترجع إلى أي استعمال كيفما كان للعقل ولكن إلى استعمال له هدف آخر غير ذاته، يتعلق الأمر بالفرق بين الاستعمال الخاص والاستعمال العمومي للعقل. ولكن يطلب استعمالا للعقل يكون متكيفا مع هذه الأوضاع المحددة وفي هذه الحالة نجد أن العقل يكون خاضعا لتلك الغايات المعينة، فلا يكون هناك إذن استعمال حر للعقل. فإن استعمال العقل يجب أن يكون حرا وعموميا. بل تتحقق الأنوار عندما يكون هناك تطابق للاستعمال الكوني، وهذا يجرنا إلى سؤال رابع يجب طرحه على نص كانط: إننا نفهم جيدا أن الاستعمال الكوني للعقل (خارج كل غاية معينة) هي مسألة تخص الذات نفسها كفرد، ولكن كيف نضمن الاستعمال العمومي لهذا العقل؟ فكما نرى لا يجب أن نفهم ببساطة أن الأنوار هي حدث عام يمس البشرية جمعاء، وفي كل الحالات سيطرح السؤال حول معرفة كيف يمكن للاستعمال العمومي للعقل أن يأخذ شكلا عموميا خاصا به، أظن أنه يجب أن نسجل العلاقة الموجودة بين هذا المقال القصير ومؤلفات النقد الثلاثة فهذا النص يصف الأنوار كلحظة تسعى فيها الإنسانية إلى استعمال فكرها الخاص دون الخضوع لأي سيطرة، وهذه اللحظة بالذات هي التي يكون فيها النقد ضروريا، ولكنها في نفس الوقت توضح في هذا الوضع الراهن كيف أن كل فرد يجد نفسه مسؤولا بطريقة ما عن هذا الحدث الجماعي. هي أن هذا النص القصير يوجد بشكل ما في نقطة التقاء التفكير النقدي والتفكير حول التاريخ، كما يبدو لي أن التعامل معه بهذا الشكل يمكن أن نجد فيه نقطة انطلاق أو إرهاصا لما يمكن تسميته بموقف الحداثة(9). وأعني بالموقف شكلا من العلاقة مع ما يحدث في الوضع الراهن، ويبدو أن هذا فعلا هو ما يعنيه بودلير حين يعرف الحداثة بـ”المتنقل أو الهارب أو الطارئ”، وأخيرا الصفحات التي كتبت حول تصوف المتأنق الذي يجعل من جسده، وهذه البلورة المتصوفة للذات لا يتصور بودلير إمكانية وجودها داخل المجتمع ذاته أو داخل الجسد السياسي، 1 – هذا الطابع Ethos يفترض أولا أن نرفض ما سأسميه بكل تلقائية “نوعا من الابتزاز” Chantage مع الأنوار، رغم أن الكثير من هذه الظواهر ما زالت ضرورية في وقتنا الراهن. إضافة إلى ذلك فقد كانت هذه المواضيع تستعمل كمبدأ نقدي لخلق التمايز. فقد كان هناك مذهب إنساني قدم نفسه كنقد للمسيحية أو للدين بصفة عامة،