3. قلب المديني: تزاحم الأضداد يصنع في أسطوانة يديرها البائع في بطانة من الثلج تحيط بالأسطوانة حتى يقارب الشراب حد التجمد. وكنا عل كل حال أجرأ عل المجازفة في سبيل الرغبة، ولعل أجسامنا قد اكتسبت في تلك الظروف مناعة خاصة. وكان "البراد» لذيذا، يزيد من لذته حر طولكرم الخانق والمصحوب برطوبة قادمة من بحر فلسطين المسروق، وكيف نجده وقد ذهبت الذائقة القديمة التى كانت تستقبله، فكان ذلك خارج طموحاتنا القريبة. لتناول وجبة من الشواء هناك لأول مرة. ولكن من عادة الفردوس الأرضى أن نفتقده، إلا من حنين يتنامى مع مر الأيام. وإنها قابلت وفي الليلة السابقة سرى الحديث في المدينة أن جاسوسا لإسرائيل حكم عليه بالإعدام، وقد اصفر وجهه وتجمدت عيناه واندلع لسانه. كان الموقف أشبه بفرجة شعبية. يتوقف دخان الشواء عر التسرب من مطعم الثور. أعظم من حبة بندورة . لم أمكث طويلا أمام المشهد الذي سيلاحقني أياما طويلة في صحوي ومنامي، وفي صف الدراسة والبيت والطريق. شيء ما غامض قبيح معتم موحش، والرجل السمين على بعد أمتار يحشو فمه بالخبز والطماطم وهو يقلب بصره بين طعامه والموت. فحق لنا أن نحتفل بقصاصهم احتفالنا بالحياة نفسها. ينظرون إلى الموت شاخصا، ولكن إلى العدالة ومصائر الأعداء المرجوة. لنا أن نحتفي بالخلاص من الخونة والجواسيس، ولو كان الجوع قويا، فكيف لا يصرف عن خبز وطراطم. فلا رأيت الرجل المشنوق صرفني النظر إلى الموت عن التفكر في قصة المبت و مآله ذاك. قاتل، فأنا لم أشاهده وهو يقترف جرمه الشنيع، وكذلك الانطباعات التي تخلقها حيل الإعلام في طريقة سرد الخبر. فقد ترى شريطا يصرر الساعات الأخيرة لرجل محكوم بالإعدام. والغاية المضمرة خلق رأي عام ضد عقوبة الإعدام. وترى الرجل المحكوم وقد كسره اقتراب المصير المرعب حتى شحب وجهه، وترى أهله يشهدون مصيره بعيون دامعة. لظهور أدلة جديدة لصالح المتهم. وأن التهمة باطلة، والأدلة مدبرة، أو هي نتاج الخطا ولكن هذا كله لا يحدث. عالم الحس والحياة إلى عالم الموت الغامض. فيترك ذلك في نفسك غصة عميقة لا تزايلك ولقد ترى شريطا آخر يسرد قصة مجرم عات يخطف الأطفال ويعتدي عليهم ثم يقتلهم بعد عذاب ورعب شديدين. وترى وجوه الضحايا شاخصة أمامك وأهاليهم ويشخص لك الشريط تفاصيل عمل المجرم الذي تجرد من كل مشاعر الإنسانية، وقد تقول: لو كان لي من الأمر شيء لقطعته إربا. مع إضافة تفسر سلوك المجرم وكيف آل إلى تلك الشخصية العصابية الإجرامية المختلة. كان زوج أمه بجبسه وبجيعه ويضربه بقسوة بالغة ويعتدي عليه جنسيا، وأمه عاجزة عن الدفاع عنه. ثم لم يجد إلا أن يفر من البيت ويتشرد في الطرقات وينام على الأرصفة حتى في قر الشتاء، ومع هذه الإضافة السردية يصبح الرجل جلادا وضحية في آن واحد. تتقلب بين البغض والأسى. تلك قوة السرد وذلك تأثيره الطاغي، سواء أكان سردا متخيلا أم سردا إخباريا.