هل الدعاء من المواضع التي أكثر ما تأتي في بداية الطريق أم في أثنائه أم في كليهما؟ في كليهما، ومن الأمثلة على أدعية الأنبياء في بداية الطريق ما جاء عن موسى عليه السلام في سورة طه، أو أول شيء عمله هو الدعاء. قال: ﴿قالَ رَبِّ اشرَح لي صَدري﴾ [طه: ٢٥] هذا فيما يتعلق بالأمر الداخلي، تسهيل الأمور، ﴿وَاحلُل عُقدَةً مِن لِساني ۝ يَفقَهوا قَولي ۝ وَاجعَل لي وَزيرًا مِن أَهلي﴾ [طه: ٢٧ـ ٢٩] فهذا في بداية الطريق وأوله، ومن الأمثلة في كتاب الله سبحانه وتعالى على أدعية الأنبياء التي تأتي أثناء الطريق أو حتى في خواتيمه، أدعية كثيرة منها استنصار نوح عليه السلام بربه بأن ينصره على القوم الكافرين كما في سورة الأنبياء: ﴿وَنوحًا إِذ نادى مِن قَبلُ فَاستَجَبنا لَهُ فَنَجَّيناهُ وَأَهلَهُ مِنَ الكَربِ العَظيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦] وهذه الدعوة بيّنها الله سبحانه وتعالى في سورة القمر فقال: ـ ما بداية قصة نوح في سورة القمر؟ ﴿كَذَّبَت قَبلَهُم قَومُ نوحٍ فَكَذَّبوا عَبدَنا وَقالوا مَجنونٌ وَازدُجِرَ ۝ فَدَعا رَبَّهُ أَنّي مَغلوبٌ فَانتَصِر ۝ فَفَتَحنا أَبوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنهَمِرٍ ۝ وَفَجَّرنَا الأَرضَ عُيونًا فَالتَقَى الماءُ عَلى أَمرٍ قَد قُدِرَ﴾ [القمر: ٩ ـ ١٢]؛ متى دعا هذه الدعوة؟ دعاها في ختام الطريق، بعد مسيرة طويلة من الدعوة. ومن الأمثلة اللافتة كذلك طبعا في سورة الأنبياء، هذه السورة التي هي من أهم السور الجامعة لأدعية الأنبياء، واللافت للإنتباه أن أدعية الأنبياء تكررت فيها بعض الألفاظ كلفظ ’’نادى‘‘، فنجد قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنوحًا إِذ نادى مِن قَبلُ فَاستَجَبنا لَهُ فَنَجَّيناهُ وَأَهلَهُ مِنَ الكَربِ العَظيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، حسنا، ماذا كان الجواب في نوح؟ ﴿وَنوحًا إِذ نادى مِن قَبلُ فَاستَجَبنا لَهُ فَنَجَّيناهُ وَأَهلَهُ مِنَ الكَربِ العَظيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، و﴿وَأَيّوبَ إِذ نادى رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرّاحِمينَ ۝ فَاستَجَبنا لَهُ فَكَشَفنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيناهُ أَهلَهُ وَمِثلَهُم مَعَهُم رَحمَةً مِن عِندِنا وَذِكرى لِلعابِدينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣ ـ ٨٤]، و﴿وَذَا النّونِ إِذ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقدِرَ عَلَيهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَن لا إِلهَ إِلّا أَنتَ سُبحانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمينَ ۝ فَاستَجَبنا لَهُ وَنَجَّيناهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنجِي المُؤمِنينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ ـ ٨٨]، و﴿وَزَكَرِيّا إِذ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرني فَردًا وَأَنتَ خَيرُ الوارِثينَ ۝ فَاستَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يَحيى وَأَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ إِنَّهُم كانوا يُسارِعونَ فِي الخَيراتِ وَيَدعونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانوا لَنا خاشِعينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ ـ ٩٠]، هذه السورة تكرر فيها لفظ ’’نادى‘‘ أربع مرات، وتكرر فيها لفظ ’’فاستجبنا له‘‘ أربع مرات كذلك، ’’نادى فاستجبنا‘‘، ’’ويدعوننا‘‘ هذا لفظ يدل على الاستمرار، لاحظوا هذه الأدعية فيها ما هو متعلق بالجانب الذاتي التعبدي وفيها ما هو متعلق بجانب الاستنصار المرتبط بمواجهة الأعداء والمكابدة, من الأدعية التي يظهر فيها الجانب الذاتي التعبدي دعاء يونس لأنه كان عبارة عن اعتراف: ’’لا إِلهَ إِلّا أَنتَ سُبحانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمينَ‘‘، أما دعاء نوح فهو دعاء استنصار: ’’وَنوحًا إِذ نادى مِن قَبلُ فَاستَجَبنا لَهُ‘‘، وفي سورة القمر فدع ’’ فَدَعا رَبَّهُ أَنّي مَغلوبٌ فَانتَصِر، فَفَتَحنا أَبوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنهَمِرٍ‘‘،