وذلك بما يليق باستقبال المظفّر سيف الدولة الحمدانيّ، وقد بيّن من خلال هذا البيت أنّ العزائم والمكارم تأتي دائمًا على أقدار فاعليها، وقلّت في عينه الملامات وصغرت يُكَلِّفُ سَيفُ الدَولَةِ الجَيشَ هَمَّهُ وَقَد عَجَزَت عَنهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ[٣] أي أنّه يكلّف جيشه الذي يتبعه أن يؤدي ما اقتضت به همّته من الفتوح والغزوات والمعارك، أي أنّ هذه النسور كبيرها وصغيرها تقول لأسلحة سيف الدولة: إنّنا نفديك بأنفسنا، وَما ضَرَّها خَلقٌ بِغَيرِ مَخالِبٍ وَقَد خُلِقَت أَسيافُهُ وَالقَوائِمُ[٣] أي ما ضرّ هذه النسور لو أنّها خُلقت بغير مخالب بعد أن وُجدت سيوفه لتقتل بها أعداءه ومقابض هذه الأسلحة لتكون في أيدي رجاله، بمعنى أنّ سيوف سيف الدولة وجيشه تُغني النسور عن طلبها للصيد؛ فلا تحتاج إلى المخالب. هَلِ الحَدَثُ الحَمراءُ تَعرِفُ لَونَها وَتَعلَمُ أَيُّ الساقِيَينِ الغَمائِمُ[٣] يتحدّث المُتنبّي في هذا البيت عن القلعة التي قام سيف الدولة الحمداني ببنائها، فجاءهم فيها سيف الدولة وقتلهم بها، لأنّ لونها تحوّل إلى الأحمر جرّاء الدماء، سَقَتها الغَمامُ الغُرُّ قَبلَ نُزولِهِ فَلَمّا دَنا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ[٣] يوضّح الشاعر في هذا البيت معنى البيت الذي سبقه، ليأتي الأمير سيف الدولة ويسقيها بعد المعركة جُثثًا وجماجمًا ودماءً. بَناها فَأَعلى وَالقَنا تَقرَعُ القَنا وَمَوجُ المَنايا حَولَها مُتَلاطِمُ[٣] يوضّح الشاعر في هذا البيت أنّ سيف الدولة هو من أقدَمَ على بنائها، فلمّا قتلهم الأمير سيف الدولة أقْدَم على تعليق القتلى على جُدرانها، فإن سلبت منك شيئًا غرّمته. أي قبل أن يقول القائل لك لا تفعل أو ليفعل ذلك سيف الدولة ولم تنتظر الجزاء، والمنايا في الحرب حاكمة بينهما، فلم تترك المنايا لهم سبيلًا إلى هدمها، فكأنّها بلا قوائم. ٦] الفلا: جمع فلاة، ٨] القوائم: جمع قائم السيف وهو مقبضه. وهي العوذة التي يتوقون بها مسّ الجنّ، ١٥] الصور الفنية في قصيدة على قدر أهل العزم ما هي أبرز الصور الجمالية التي ضمّنها الشاعر قصيدته؟ وَيَطلِبُ عِندَ الناسِ ما عِندَ نَفسِهِ وَذَلِكَ ما لا تَدَّعيهِ الضَراغِمُ[٣] شبّه الشاعر في هذا البيت الضراغم وهي الأسود بالإنسان الذي يدّعي ويتكلّم، يُفَدّي أَتَمُّ الطَيرِ عُمرًا سِلاحُهُ نُسورُ الفلا أَحداثُها وَالقَشاعِمُ[٣] شبّه الشاعر النسور بأنس يفدون سيف الدولة بأعمارهم وحياتهم، فقد شبّه الشاعر قلعة الحدث ذات اللون الأحمر بالإنسان الذي لا يُميّز لونه، سَقَتها الغَمامُ الغُرُّ قَبلَ نُزولِهِ فَلَمّا دَنا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ[٣] تظهر في هذا البيت صورة واضحة وجميلة؛ بَناها فَأَعلى وَالقَنا تَقرَعُ القَنا وَمَوجُ المَنايا حَولَها مُتَلاطِمُ[٣] شبّه الشاعر في هذا البيت رماح سيف الدولة ورماح العدوّ بشخصين يتصارعان، كما شبّه تقارع رماح القنا بتلاطم أمواج المنايا، تُفيتُ اللَيالي كُلَّ شَيءٍ أَخَذتَهُ وَهُنَّ لِما يَأخُذنَ مِنكَ غَوارِمُ[٣] شبّه الشاعر الليالي في هذا البيت بالإنسان الذي يتعدى على غيره ويسلب أشياءه، وجعل المنايا في الحرب هي الحاكمة بينهما. علاقة المتنبي بسيف الدين الحمداني كيف كان لهذه العلاقة المتينة التأثير على النّتاج الشعري للمُتنبي؟ لقد صحب المتنبي سيف الدولة الحمدانيّ تسع سنوات، وممّا يدلّل على مدح المتنبي لسيف الدولة، أنّ لهُ في سيف الدولة الحمداني ديوانًا خاصًّا يستقلّ بنفسه، فلم يمدح المتنبّي أحدًا كما مدح سيف الدولة الحمدانيّ، فكما تعلم أيها القارئ أنّ المتنبي انقطع لسيف الدولة الحمدانيّ تسع سنوات كاملة لم يمدح بها أيّ أحد غيره،