تنوء ذاكرة الإبداع بحملها لكنها أبدا لا تضعه، فمهما زاد وكثر سيظل معقودا ممزوجا بكياناتنا وعبق ماضٍ عشناه و لا يُنسى . واليوم تفيض علينا ذاكرة القص بقصة " نظرة" لرائد القصة القصيرة يوسف إدريس. " نظرة" إنسانا كبيرا مثلي لا تعرفه. وكان ما تحمله معقدا حقا . ففوق رأسها تستقر " صينية بطاطس بالفرن " وفوق هذه الصينية الصغيرة يستوي حوض واسع من الصاج مفروش بالفطائر المخبوزة . وكان الحوض قد انزلق رغم قبضتها الدقيقة التي استماتت عليه ، وأسرعت لإنقاذ الحمل . وتلمست سبلا كثيرة و أنا أسوي الصينية فيميل الحوض، ثم أضبطهما معا فيميل رأسها هي . ولكنني نجحت أخيرا في تثبيت الحمل ، وكان قريبا ، حيث تترك الصاج وتعود فتأخذه . ولست أدري ما دار في رأسها ، فما كنت أري لها رأسها وقد حجبه الحمل . كل ما حدث أنها انتظرت قليلا لتتأكد من قبضتها ، ثم مضت وهي تغمغم بكلام كثير لم تلتقط أذني منه إلا كلمة "ستّي" و لم أحول عيني عنها ، وهي تخترق الشارع العريض المزاحم بالسيارات ، و لا عن ثوبها القديم الواسع المهلهل الذي يشبه قطعة القماش الذي ينظف بها الفرن ، كانتا تطلان من ذيله الممزق كمسمارين وراقبتها في عجب وهي تنشب قدميها العاريتين كمخالب الكتكوت في الأرض ، وقد تتمايل بعض الشيء، ولكنها سرعان ما تستأنف المضي. راقبتها طويلا حتى امتصتني كل دقيقة من حركاتها، فقد كنت أتوقع في كل ثانية أن تحدث الكارثة، وأخيرا استطاعت الخادمة الطفلة أن تخترق الشارع المزدحم في بطء كحكمة الكبار. واستأنفت سيرها علي الجانب الآخر، وقبل أن تختفي شاهدتها تتوقف ولا تتحرك ، وكادت عربة تدهمني وأنا أسرع لإنقاذها، وحين وصلت كان كل شيء علي ما يرام، والحوض والصينية في أتم اعتدال، ولم تلحظني ، استدارت علي مهل ،