توجهت إلى مقر أمير قبيلة آل مره . وكان الأمير طالب بن راشد بن شريم المري في نفس الوقت الرئيس الأعلى لآل مره ورئيس فرقة في الحرس الوطني الاحتياطي السعودي والذي يتكون معظم أفراده من قبيلة آل مره . استقبلت بكل حفاوة من قبل الأمير وأبنائه ، كما جاء على عكس ما وصفت به منطقة الربع الخالي الصحراوية التي يسكنها آل مره على أنها أرض الجنون والموت . على العكس كانوا يتمتعون بما يمكن تسميته بالتواضع الأرستقراطي الذي كان ظاهراً في أعمالهم وأحاديثهم . وقد دعم ذلك اعتقادهم بالمذهب الحنبلي والذي كان يؤيد عادات وتقاليد العرب مثل الكرم إنما التغيرات التي قد تطرأ على مجتمعهم وثقافتهم وطريقة عيشهم ضمن عملية الحداثة التي تمر بها المملكة العربية السعودية . ومع نهاية الحرب العالمية الثانية تسارعت عمليات التنقيب وارتفع مجموع إيرادات النفط من ٥٠ مليون دولار في عام ١٩٥٠ إلى مليار دولار في عام ١٩٦٨ وإلى ٣ مليارات دولار في عام ۱۹۷۳ وتدفقت إلى منشأ الإسلام ومهد عرب الصحراء المنتجات الاستهلاكية كما تداعت المباني القديمة وهجرها أهلها للسكن في الفلل المكيفة في الضواحي كما تدفق على المدن ومخيمات التنقيب العديد من أفراد الطبقة المتوسطة العاملة من لبنانيين ، وبين البدو الرعاة وبين المزارعين المستقرين فقد تم تدميره . والتمركز هناك مع زوجاتهم وأولادهم مفضلين بذلك الحياة المقيدة لطبقة العمال على حياة رجال القبائل المستقلة لكن السؤال المطروح الآن هو : هل تم القضاء على حياة البدو الرعاة بشكل نهائي في المملكة العربية السعودية المعاصرة؟ لماذا نجد أنه من الأرخص والأسهل استيراد لحوم الغنم المثلجة من الأرجنتين ونيو زيلندا بدلاً من استهلاك المنتجات الوطنية ؟ أما زالت الصحراء العربية توفر المرعى الذي كان يسمح بتوريد عدد كبير من الجمال والماعز والخرفان إلى جميع أنحاء المشرق ومصر والهند؟ ألا يمكن لعملية استغلال تلك الأراضي المساهمة في الاقتصاد السريع النمو والمبني على السيولة ؟ تلك هي الأسئلة التي سنسعى للإجابة عليها في الجزء الأخير من هذا الكتاب ، لكن على القارئ أن يبقيها في ذهنه أثناء القراءة لأنها تشكل جزءاً من الواقع الذي يواجهه البدو في المملكة العربية السعودية الحالية . وقبل أن نحاول تحليل التغيرات التي يواجهها البدو في السعودية وسائر العالم العربي ، لكن ما يجذب انتباه المسافرين هم البدو الرحل الذين وضعوا أسس التقاليد العربية بشكل عام . سوف ننظر إلى الموضوع من الناحية البيئية - كيف يتم تكييف الهيكلية الاجتماعية والثقافية للبدو مع حياة الترحال؟ وبالأخص ما هو نوع المجموعات الاجتماعية المتواجدة ضمن مجتمعهم وكيف توفر لهم إطار عمل تنظيمي لاستثمار محيطهم؟ كيف أن عمليات الانشقاق والانصهار الخاصة بالوحدات الاجتماعية التي تنكمش وتتوسع ، ترتبط بالتغيرات الموسمية واحتياجات الحيوانات؟ ما هو تأثير سكناهم في الصحراء وعلاقتهم الوثيقة بالحيوانات على حياتهم الدينية؟ كيف تترابط جميع تلك الأوجه المتعلقة بحياتهم لتشكل وحدة متكاملة كانت ، وبين البدو الرعاة وبين المزارعين المستقرين فقد تم تدميره . حيث يشرب الجمل في الصحراء العربية مرة كل أربعة أيام في فصل الصيف ، وقد أدت العوامل السياسية والاقتصادية الخارجية والداخلية إلى تراجع في عملية الترحال للرعي وإلى انخفاض الأهمية المعطاة للقبائل في الهيكل الاجتماعي السياسي . إذ على الرغم من نجاح تلك المناطق في تفادي الاستعمار الأوروبي على شكل واسع ، وعلى الرغم من أن عملية التصنيع على المدى الواسع سوف تحدث تغييرات اقتصادية أساسية في البنية التحتية سواء كانت بالنسبة للرعاة الرحل أو المزارعين المقيمين ، بحيث يستوجب علينا توخي الحذر عند وضع هذين القطاعين جنباً إلى جنب ، باستثناء الأماكن التي تتمتع بمعدل جيد من تساقط الأمطار فإن الزراعة في الأماكن الأخرى ترتبط بشكل مباشر بالمسافة التي تستطيع أن تصل إليها قنوات الري داخل الصحراء . فالرعاة الذي يعملون على حافة الصحراء يلعبون دوراً هاماً في قطاع الزراعة وهم يهتمون بالأغنام والماعز . أما الذين يعملون في عمق الصحراء فهم قليلاً ما يتفاعلون مع المزارعين وهم يهتمون بالإبل . كما يوجد أيضاً الذين يمارسون نوعاً آخر من الترحال وهم يشكلون نوعاً من أنواع الشعوب المختلفة الموجودة في الشرق الأوسط . بينما يلعب العديد من البدو الذين يسكنون بالقرب من الحقول الزراعية دورا هاما من خلال نقل المحاصيل بصفتهم المالك الأساسي للحيوان القادر على النقل في الشرق الأوسط ألا وهو الجمل . أعلى من مستوى البيت نجد الفخذ الذي يضم جميع الأشخاص المنحدرين من نفس الجد على مدى خمسة أجيال ، وتعتبر الجمال أهم أنواع الحيوانات لدى آل مرّه ، إن علاقة الرعي الوثيقة بالحيوانات التي يستفيدون منها ويرعونها تشكل أهم ميزة من ميزات مجتمعات الرعي . وتوجد لديهم طريقة خاصة للتعامل معها ، وتشكل الإبل بالنسبة لآل مره جزءاً لا يتجزا من حياتهم المادية والثقافية والاجتماعية ، وتستمر على هذه الحال ولكن بكميات أقل طيلة سنة كاملة . كما تشكل الجمال في بعض المناسبات مصدراً للحم مع العلم أن آل مرّه لا يحبذون أبدأ ذبح جملا مكتمل النمو إلاّ إذا كان مريضاً وعلى وشك الموت ، لكنهم بشكل عام لا يعتمدون على الجمل كمصدر للبروتين . فهم يحنون دوماً إلى حليب نوقهم عندما يضطرون للسفر إلى المدينة والابتعاد عنها . وقبل ظهور الاقتصاد المبني على السيولة كان للبدو علاقات خاصة مع المدن والقرى ، إذ كانوا يحصلون على مكافآت عينية سنوية من التمر والحبوب مقابل حمايتهم للأسواق في المدن ولحقول القرويين من العبث والتدمير على يد القبائل الأخرى . القطعان بينما ترعى المجموعات الأخرى الإبل . مع العلم أن العديد من آل مرّه باتوا اليوم يفضلون تربية الخرفان والماعز على تربية الإبل . أما السريعة والرشيقة منها فتخصص للركوب ويتخصص النوع الثالث في توفير الحليب . أما ما يشكل ثروتهم الأساسية فهي النوق ذات اللون الأسود أو البني الداكن والتي توفر أفضل أنواع الحليب . ويدعي آل عازب أنهم قد حصلوا على جميع الحيوانات الأصيلة والتي تعرف بالشروف بعد إغارتهم على قبائل أخرى خلال القرن الماضي ، أما الإبل ذات اللون الفاتح والمخصصة للركوب فقد حصلوا عليها بعد الغارات التي شنوها على القبائل في عمان . وتشكل النوق الهم الأساسي لدى الرعاة الذين ينقسمون إلى ٣ مجموعات . وتوكل ويبلغ مجموع أفراد البيوت التسعة التابعة لآل كربي ٤٦ شخصاً . يقوم الرجال على حلب النوق أثناء الليل بمساعدة الشابات من أفراد البيت أحياناً . ومع نهاية شهر مارس (آذار) وشهر أبريل (نيسان) تشهد المنطقة عواصف رملية حارة تدوم بين يوم واحد وخمسة أيام حيث يتعرض خلالها الإنسان والحيوان إلى الدوامات الرملية الحارقة . لكن ليس بنفس السرعة التي تشهدها الرحلة من مراعي الخريف إلى مراعي الشتاء . ولكن تلك الوحدات تشكل الحد الوسط بين الفخذ والوحدة التي تضم جميع الأفراد المنحدرين من آل مره . أما على الصعيد السياسي ، تتطلب دعم القبيلة ككل ومشاركة أمير القبيلة . وعلى الرغم من أن القبيلة لا تلعب دوراً هاماً في تنظيم الترحال ، إلاّ أنها تلعب دوراً هاماً في توفير العلاقات القوية إذ أنه يمكن لأي فخذ أن يعتمد على دعم باقي فخوذ القبيلة في حال نشوء أي نزاع . وترتبط كل عشريتين ببعضهما من خلال جد مشترك كما هو موضح في الرسم الموضح أدناه . قبائل آل مرّه هي الوحدة التي تضم جميع الذكور والإناث المنحدرين من شخص يدعى مرّه يقال أنه عاش قبل ظهور الإسلام ، وتقول الراوية أن زوجته وأم ذريته كانت من الجن . والغناء ، والحياكة .