المباحث في تهذيب الأخلاق وتزكية النفس والمناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي يقصد هذا الباب إلى بيان مقصود تهذيب الأخلاق وتزكية النفس، لما في تلك المناهج من أثر عظيم بتطبيقها في تهذيب السلوك وتطهير القلوب. المقصود بتهذيب الأخلاق وتزكية النفس عند الإمام الغزالي كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة، وإنما يكمل بالتربية وتهذيب الاخلاق، والنفس مهما كانت عديمة الكمال والصفاء، فينبغي السعي في تهذيبها وتطهيرها وتزكيتها، لا بدّ أن نعرف تعريف تهذيب الأخلاق وتزكية النفس من حيث اللغة والاصطلاح وأقسامها لكي نفهم معنهما بفهم عميق، فمعرفة تعريف كلٍّ منهما تساعدنا على التمييز وإدراك العلاقة بينهما. تهذيب الأخلاق وتهذيب الأخلاق يتألف من كلمتين: تهذيب وأخلاق. كلمة تهذيب مشتقة من اللغة العربية، أ.١ التهذيب في اللغة التهذيب الخلقي أو السلوكي. وجعله مستقيمًا ومهذّبًا. هذّب الشيء" أي أصلحه ونقّاه من العيوب. أ.٢ التهذيب في الاصطلاح وتنقيتها من الرذائل. الأخلاق: في اللغة جمع خُلُق، والخلق الخليقة أي الطبيعة التي يتخلق بها الإنسان وخلق عليها، يقال: وهذا رجل ليس له خلاق، أي حظ من الخير وله خُلق حسن وخليقة، ومن خلال هذه المعاني اللغوية يتبين لنا أن الأخلاق إما أن تكون صفات طبيعية فطرية تخلق بها صاحبها، الأول: عرف حجة الإسلام الغزالي الخلق بأنه: عبارة عن هيئة في النفس راسخة وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً. والذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب وربما كان مبدؤه بالرؤية والفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا. الثالث: ذهب الماوردي إلى أن الخلق هو غرائز كاملة تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار. الرابع: قال الإمام الجرجاني: الأخلاق هي هيئة النفس الثابتة التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر أو روية عميقة. ثم ترويض كما أورده الإمام الغزالي والجرجاني، فإن كانت الأفعال محمودة شرعًا وعقلًا سميت خلقًا حسنًا، وبعضها مكتسب بالعادة والتدريب، حتى تصير ملكة ثابتة. ويرى علماء النفس أن الأخلاق حلقة الاتصال بين الإنسان ووجوده، مستمدة من العادة والمزاج، ثم ترويض النفس على السلوك السوي. فالأخلاق إذن هي السلوك المتأثر بالقيم التي يؤمن بها الفرد، ب‌. انقسام الأخلاق الأول الخلق المحمود: صفة ثابتة في النفس فطرية أو مكتسبة تدفع إلى سلوك إرادي محمود عند العقلاء كالأخذ بالحق أو الخير أو الجمال وإن خالف الهوى، كالأخذ بالباطل أو الشر أو القبح، ويلحق به ما كان أثرا من آثاره أو فرعا من فروعها. ت‌. وقد حثّ الله تعالى في كتابه الكريم على أهمية تهذيب الأخلاق، فقال: ﴿ اِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَاِيْتَاۤئِ ذِى الْقُرْبٰى وَيَنْهٰى عَنِ الْفَحْشَاۤءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ ﴾ ، فالأخلاق الحسنة واجبة لأنها تتوصّل إلى تحقيق العدل والإحسان، ولا تتم إلا بتهذيب النفس عن الرذائل. والمعنى: إِنَّك لعلى الخُلُق الَّذى آثرك الله تعالى به فى القرآن . ومعنى ذلك كما يقول ابن كثير: أنه قد ألزم نفسه ألا يفعل إلا ما أمره به القرآن، ولا يترك إلا ما نهاه عنه القرآن، فصار امتثال أمر ربه خلقا له وسجية صلوات اللّه وسلامه عليه إلى يوم الدين . الثَّرْثَارُونَ والمتَشَدِّقُونَ وَالمتَفَيْهِقُونَ"قالوا: يَا رسول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا الثَرْثَارُونَ وَالممَشَدِّقُونَ، فَمَا المَتَفيْهِقُونَ؟ قَالَ: "المتَكَبِّرونَ". ث‌. تزكية النفس فتزكية النفس تتألف من كلمتين: تزكية ونفس. ب.١ التزكية في اللغة وفي اللغة، للتزكية معنيان: التنقية والنماء. وبالمعنى الثاني تنمية النفس وإصلاحها بالصفات الحميدة. التزكية هي تنقية الباطن للتقرب إلى الله تعالى أقرب ما يمكن، فالتزكية ليست مقتصرة على تطهير النفس فقط، نال درجة النفس السليمة، وقد يُراد بها العاطفة أو الغضب، أو الطموح والرغبة في نفس الإنسان (وتسمّى في اللغة الإندونيسية بالنَّفسُو). ويقال إن النفس في موضوع الإنسان تدل إلى جانب باطنه الذي يمكن أن يكون خيرا أو شرا. وأما عند بعض أهل التفسير، والنفس في هذا السياق الروح، التي تحرّك الجسد، والمراد بتزكية النفس في هذا البحث هو عملية تقصد بها تنقية الروح، من خلال العلاجات الصوفية. وفي دائرة المعارف الإسلامية، تُفهم النفس (الروح) بأنها أكبر وأعظم الجزء الروحاني تأثيرا للإنسان من سائر أجزائه، وتأمر الأعضاء الجسمانية على القيام بأفعال معينة. قال الغزالي: النفس وهو مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك". المعنى الثاني هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها. وتنميتها بالصفات الحميدة حتى إذا صفت النفس، أوصاف النفس واعلم أن النفس واحدة ولها صفات، تدعو إلى الشهوات وتميل إليها ولا تبالي، فحينئذ تصير لوامة، تلوم صاحبها على ارتكاب الرذائل، فتستحق من اللّٰه العطايا والتحف . ت.١ النفس المطمئنة قال الغزالي: إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة. والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة عن الله وهي من حزب الشيطان. ت.٢ النفس اللومة وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، ت.٣ النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز ﴿ وَمَآ اُبَرِّئُ نَفْسِيْۚ اِنَّ النَّفْسَ لَاَمَّارَةٌ ۢ بِالسُّوْۤءِ اِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيْۗ اِنَّ رَبِّيْ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ ﴾. ( يوسف/12: 53). وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات. النفس تنقسم إلى ثلاثة: الأول النفس البهيمية هذه الدوافع ضرورية لبقاء الحياة، لكن يجب ضبطها بالعقل وعدم السماح لها بالتسلط على الإنسان. فإنه يميل إلى الطمع ويصبح حياته حريصا على إشباع اللذات. الثاني النفس السبعية وتشمل هذه الصفات الميل إلى الإقدام بغير ضبط عند مواجهة التحديات أو التهديدات. ولكن إذا تُركت، فتجعل الإنسان سريع الغضب وجافيا إلى غيره. الثالث النفس الناطقة وهي النفس العليا المتعلقة بالقدرة على الفكر والفهم وأخذ الأمر بالرشد. وتمكّن النفس الناطقة الإنسان من التفريق بين الحق والباطل والوصول إلى الحكمة. وتميز هذه النفس الإنسان عن الحيوان وتقربه من الصفات الملائكية. وعند ابن مسكويه، هذه النفس هي التي ينبغي أن تقود النفسين الأخريين ليبلغ الإنسان كمال الأخلاق والروح، فإن التوازن بين هذه الجوانب الثلاثة يؤدي الإعتدال في النفس ويساعد الإنسان على تنمية الأخلاق الفاضلة. ويجب أن تتولى النفس الناطقة قيادة النفس البهيمية والسبعية ليتمكن الإنسان من وصول الحياة الرفيعة. ويستخلص من ذلك المذكور أن النفس لها ثلاثة أوصاف، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة. وقد يقال على لغة أهل التصوف والفلسفة كالإمام ابن مسكويه، النفس تنقسم إلى ثلاثة أنواع: النفس البهيمية التي ترتبط بالغرائز كالأكل والشرب، والنفس السبعية التي تدفع إلى الغضب أو الشجاعة، حتى تصير النفس نقية، فيظهر ذلك في الأخلاق الفاضلة التي يتحلى بها الإنسان في حياته. ح‌. وقد ذكر الله تعالى في كتابه على أهمية تزكية النفس، فقال: ﴿ وَنَفْسٍ وَّمَا سَوّٰىهَاۖ فَاَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوٰىهَاۖ قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّٰىهَاۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّٰىهَاۗ ﴾. هذه الآية تدل أنّ من أعظم وظائف رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية أمته، ودعوتهم إلى تهذيب الأخلاق. وَزَكَى عَبْدٌ نَفْسَهُ "فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا تَزْكِيَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ ". خ‌. الفرق والعلاقة بين تهذيب الأخلاق وتزكية النفس قد عرفت بذلك المذكور قطعا أن ّهذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن فإنّ كلّ صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلاّ على وفقها لا محالة وكل فعل يجري على الجوارح فإنّه قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور ويعرف ذلك بمثال وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية حتى يصير كاتبًا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفًا ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعًا كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفًا فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنًا ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع. ولذلك فإنّ تهذيب الأخلاق وتزكية النفس يختلفان في المعنى والمقصود. أما تزكية النفس فمعناها تطهير القلب من الصفات السيئة مثل الحسد والكبر والرياء، والثاني بما في داخل الإنسان من نيته وروحه. وأما الهدف من كليهما، ولكنهما يرتبطان ارتباطا وثيقا، لكنها في الأصل نابعة من نفس طيبة زكيّة، فلا يمكن للإنسان أن يحافظ على الأخلاق العالية إذا كان قلبه مليئًا بالأمراض الباطنية مثل الحسد والكبر. وبالمقابل، فإن تزكية النفس تظهر آثارها في السلوك الحسن والأخلاق الحسنة. المبحث الثاني المناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي قبل أن نشرع في بيان مناهج تهذيب الأخلاق، لا بُدَّ أن نعرف أوّلًا علاماتِ حُسنِ الخُلق ومعريفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة قبل بيان مناهج تزكية النفس، فإنَّ معرفتها تُعينُ على فهمِ المقصودِ من التهذيب والتزكية، إذ لا يُمكنُ تهذيبُ وتزكية ما لا تعرَفُ علاماته وأسبابه. وربما ظنَّ القبيحَ حسناً والحسنَ قبيحا. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في أحاديث كثيرة علامات المؤمنين والمنافقين. فمن الآيات قوله تعالى: ﴿ قَدْ اَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ ۙ الَّذِيْنَ هُمْ فِيْ صَلَاتِهِمْ خٰشِعُوْنَ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِلزَّكٰوةِ فٰعِلُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِفُرُوْجِهِمْ حٰفِظُوْنَ ۙ اِلَّا عَلٰٓى اَزْوَاجِهِمْ اَوْ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُهُمْ فَاِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُوْمِيْنَۚ فَمَنِ ابْتَغٰى وَرَاۤءَ ذٰلِكَ فَاُولٰۤىِٕكَ هُمُ الْعَادُوْنَ ۚ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِاَمٰنٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُوْنَ ۙ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلٰى صَلَوٰتِهِمْ يُحَافِظُوْنَ ۘ اُولٰۤىِٕكَ هُمُ الْوٰرِثُوْنَ ۙ ﴾، ومضمونها القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة، واجتناب المحرمات والمكروهات. قال حاتم الأصم: المؤمن مشغول بالفكر والعبر والمنافق مشغول بالحرص والأمل والمؤمن آيس من كل أحد إلا من الله والمنافق راج كل أحد إلا الله والمؤمن هدم ماله دون دينه والمنافق بعكسه. ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، والمنافق همته في الطعام والشراب كالبهيمة»، وغير ذلك من الأحاديث . فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات والأحاديث فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده. ذ‌. والرياضة والمجاهدة، والمصاحبة بالصالحين. ت.٣ التربية اعلم أن الصبي أمانة من اللّٰه تعالى عند والديه لأنه نعمة أنعم بها والداه، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيّع عمره في طلبها إذا كبر ويهلك هلك الأبد، وإذا كان الصبي في أول نشوه يحتشمه ويستحي، فينبغي أن لا يهمل، وينبغي أن يؤدبه في الأكل واللباس؛ ثم يعلمه القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله. وإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، فإنه يورث الكسل. ويمنع إذا نام من الفرش الوطيئة، ويعلم أن الطمع مهانة وذلة، والثاني تربية المريد: والشيخ الواصل وسيلة مريده إلى الله. قال أبو علي الدقاق الشجرة التي تنبت بنفسها من غير صاحب لا تعيش ولا تثمر وإن عاشت وأثمرت كان ثمرها من غير لذة. ولكن ينبغي للشيخ الذي يعالج نفوس المريدين، أن ينظر إلى أحوالهم وأمراضهم وأخلاقهم، فلا يهجم عليهم بالرياضات والتكاليف في فن واحد وطريق واحد، بل ينبغي أن يعالج كلا منهم بحسب مرضه وحال. علمه أولا ظواهر العبادات من طهارة وصلاة وصوم وغيرها، ثم نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه فيعالجه. ومن لطائف الرياضة أن المريد إذا لم تسمح نفسه بترك صفة، أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، ويتدرج به إلى أن يترك الخلق المذموم بالكلية ويبدله بالخلق المحمود. كما أن التناسل والتولد الحقيقي لا يحصل إلا بواسطة الوالد والوالدة فكذلك التولد والنسل المعنوي لا يحصل إلا بواسطة الشيخ والمريد. ت.٣ معرفة عيوب نفسه من عرف عيوب نفسه أمكنه العلاج لأنّ من لايعرف عيبه أسرع هلك كما قال أبو حفص: ما أسرعَ هلاكَ من لا يعرف عيبه، وقال أبو عثمان: لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئًا، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال. وتعرف عيوب النفس بالطروق كما سيأتي: فيتبع إشاراته في مجاهداته. فينصبه رقيبا على نفسه، كما كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فإن عين السخط تبدي المساوي. فكل ما رآه مذموما فيما بينهم طالب نفسه به، فإن المؤمن مرآة المؤمن. يترك أولا ما به فرحه، ثم إذا ترك أسباب الفرح ألزم قلبه ذكر الله تعالى. لأنّ الأصل في طريق المجاهدة ونهي النفس عن الهوى وفطامها عن الشهوات أن يترك ما به فرحه من أسباب الدنيا. وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء لما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة؛ فيكون مقتصرا من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة. والناس فيه أربعة: الثالث: رجل اشتغل بالدنيا والدين، لكنه يخرج. تنتقل إليه تلك الخصال الشريفة، والطباع مجبولة على التشبه والاقتداء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم (مثل الجليس الصالح كحامل المسك). قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). إذا كنتَ في قوم فصاحب خيارَهم # ولا تصحب الأردى فترْدَى مع الردي بعد أن بينّا مناهج تهذيب الأخلاق ننتقل إلى بيان معريفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة، ثمّ مناهج تزكية النفس. معرفة أمراض القلوب وعودها إلى الصحة فمن عرف الله أحبه قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللّٰهِ اَنْدَادًا يُّحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللّٰهِ ۗ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْٓا اَشَدُّ حُبًّا لِّلّٰهِ ۙوَلَوْ يَرَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوْٓا اِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَۙ اَنَّ الْقُوَّةَ لِلّٰهِ جَمِيْعًا ۙوَّاَنَّ اللّٰهَ شَدِيْدُ الْعَذَابِ ﴾. ومن علامات المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات، فمن عنده شيء أحب إليه من الله فقلبة مريض، وبهذا يعرف أن القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله. وأما علامات عودها إلى الصحة فقد تقدم أن الخلق الحسن هو رجوع الصفات إلى الاعتدال، فإن كان إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فالغالب عليك خلق البخل، فزد في المواظبة على البذل، فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الإمساك. فلا تميل إلى بذله ولا إمساكه، فلا تطلب فيه إمساكه إلا لحاجة محتاج، وكذلك تفعل بجميع الصفات. المناهج في تزكية النفس ثم التحلي، ت.١ التخلّي فأما التخلي وهو أول مراتب السلوك وأساس كل تزكية فهو تخلّي القلب عن الصفات الذميمة والأخلاق الرديئة، ونفس تنازعه). وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئا أشد علي من نفسي، فقد غرس في قلبه شجر الندامات. قال اللّٰه تعالى: ﴿ وَتُوْبُوْٓا اِلَى اللّٰهِ جَمِيْعًا اَيُّهَ الْمُؤْمِنُوْنَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ ﴾. والتوبة هي الرجوع عن الطريق المبعد عن اللّٰه ورد الطبع على سبيل القهر إلى العبادات، ولا معنى للتوبة إلا هذا؛ فكانت التوبة ضرورية في حق كل إنسان نبيّا كان أو غبيا. وأما بيان وجوبها على الدوام فهو أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع، وهو التوبة؛ إذ التوبة الرجوع. حتى يصير مستعدا لما ينقش فيه من العلوم والأسرار ، والتوبة نور يغسل درن القلب، ومنبع كل تزكية وتطهير، وإذا تكاثرت استحكمت حتى تصير حجابا بين العبد وبين ربه، وفي الحديث الصحيح: « إذا أذْنبَ العبدُ نُكِتَ في قَلبِهِ نُكْتةٌ سَوْداءُ، ومن لم يصقل قلبه بالتوبة تكاثرت الظلمة عليه حتى يعمى. وتزكيتها لا تتم إلا بتوبة ناصحة تطهرها من أدران الخطايا، وتؤهلها لتلقي أنوار المعرفة ورحمة الله تعالى. وأما التحلي فهو تزيين النفس بالطاعات والأخلاق المحمودة كالصدق والإخلاص والتواضع والصبر والشكر. التي تقاوم الأخلاق المذمومة، حتى تتبدل سيئاتها بالحسنات، وتنقلب أفعالها المذمومة إلى أفعال مرضية، ويثمر معرفة وأنسا ومحبة ، فيصير القلب بالذكر حيا بعد موته، منيرا بعد ظلمته. وإنما يتحقق التحلي بمداومة الذكر والمراقبة ومجاهدة النفس على الأعمال النافعة التي تقرب إلى الله وتنفع العباد كما قال سبحانه وتعال: ﴿ وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۗ وَاِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِيْنَ ࣖ ﴾، ويسمى حينئذ صاحب خلق حسن وسيرة طيبة، وذلك هو مقام الأخلاق الكريمة التي هي ثمرة التحلي وغاية التزكية. ت.١ التجلّي وذلك تحصل في الله وفي صفاته وأفعاله، وليس في الوجود سوى اللّٰه وأفعاله، ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا، وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق الأوقات في وظائف الأذكار والأفكار، ومن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في الطاعة، ومن أراد أن تترجح كفة حسناته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته، واعلم أن معرفة النفس أمر مهم لكل فرد من أفراد الإنسان ، لأن من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومن جهل نفسه فهو بربه أجهل ؛ فعلى العاقل أن يشمر عن ساعد الجد في طلب المعرفة ، ولا يتوانى في ذلك لئلا يدركه الموت وهو مصاب بعمى الجهل ، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ كَانَ فِيْ هٰذِهٖٓ اَعْمٰى فَهُوَ فِى الْاٰخِرَةِ اَعْمٰى وَاَضَلُّ سَبِيْلًا ﴾. وقال الشيخ سعيد أبو الأسعاد: أما قوله تعالى: (قد أفلح من زكها) ففلاح النفس بالظفر بمعرفة الله، والتحقق بركن الإحسان، فهذه الطرق الثلاثة مترابطة متسلسلة، ولا تحلي إلا بعد تخل. وذلك هو سبيل التزكية الذي سلكه الأولياء والصالحون، مناسبة مناهجِ الإمام الغزالي للعصر الحديث ولا يخفى أنّ المناهج التي اعتمدها الإمام الغزالي رحمه الله في تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس ليست مقصورةً على زمانه، فمن نظر إلى مناهجه في عصرنا اليوم، علم أنّها مما يُحتاج إليه في إصلاح الخُلق وتزكيةِ القلوب، وكثرت فيه أسبابُ الغفلة واضطراب النفس. وذلك كمنهجه في تربية الأولاد الذي سبق ذكره لعلاج مشكلة نموّ الأخلاق للأطفال الناشئة عن الخطأ في توجيه تعليمهم وعدم الأسوة الحسنة، وللمعلمين في تهذيب تلاميذهم. وفي مصاحبة الصالحين لعلاج مشكلة أثر مجتمع وبيئة السوء. ثمّ تحلي، ثمّ تجلي مما يصون الإنسان مما لايعنيه ويعالج نفوسه.