«شرف القبيلة» هي الرواية الخامسة لرشيد ميموني الذي يبلغ أربعاً وأربعين سنة. ومجموع رواياته( )، على اختلاف في التفاصيل، تتخذ من المجتمع الجزائري وثورته التحررية وما آلت إليه، كما تستبطن الأسئلة المتناسلة في غمرة الفعل والتحولات وتجعل منها الهم الأساسي. يُنوع رشيد ميموني أشكاله وطرائقه الفنية وتخييلاته. بأن روايته «شرف القبيلة» الصادرة هذا العام، تحمل إضافات وتُؤشر على أفق مغاير، فإذا كان الموضوع المشترك بين رواياته الثلاث الأخيرة: النهر المحوَّل (1982)، وشرف القبيلة هو محاولة الإجابة على سؤال: ما الذي جعل ثلاثين سنة من الاستقلال تؤول إلى تشويه الثورة وقيمها وإلى انتشار الظلم والتفاوت ومأزق الأفق المسدود. فإن شرف القبيلة تتميز بكونها تتلمس الطريق، لتقدم عناصر جواب محتمل، بل وتؤشر على أفق للتجاوز. فإن شرف القبيلة تخصص زاوية التقاط الأزمة وتصوير مشاهدها، لأنها تجعل بنية الرصد وفضاء التشخيص هو قرية «الزيتونة» في أعالي الجبال حيث إحدى القبائل من سكان البلاد الأصليين تعيش فيما يشبه المنفى، قبل أن تتعرض للتحولات القسرية من خلال عملية تنفذها عقلية بيروقراطية تتخذ من التخطيط واستيراد التكنولوجيا نموذجا يُحتذى. بذلك تصبح «الزيتونة» بنية صغرى نُطل من خلالها على مجموع مكونات الوضع المأزوم راهناً، سواء كانت مكونات تاريخية أم مكونات اجتماعية سياسية. ولأن حصيلة الواقع المعيش تتنضَّح بالخيبة والقهر والعنف، فإن الكاتب يُجابه هذه الحصيلة السوداء بعنف الكلام والتخييل ويُوشيها بأبعاد أسطورية لتتحول إلى حكاية فنية تتعالى عن واقعها فيما هي تنبثق منه. إننا نعلم أن جيل رشيد ميموني قد وجد أمامه إنتاجاً روائياً على جانب كبير من الأهمية لكتاب جزائريين رواد من أمثال مولود فرعون، وهو إنتاج تَشكَّل خلال حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر وكان مُساوقاً لتبلور الوعي الوطني ثم لانطلاقة الثورة المسلحة ولذلك فإن الروح الانتقادية ومجابهة الواقع وأسئلته هي سمة ملتصقة بالرواية الجزائرية الحديثة سواء المكتوبة بالفرنسية أو بالعربية، هو أن بعض مؤسسي الرواية الجزائرية لم يكتفوا باستيحاء فترة الاستعمار وبطولات المقاومة والتحرير، بل إنهم واجهوا كذلك فترة ما بعد الاستقلال ومشكلات التشييد الوطني، وكتبوا نصوصا هي بمثابة صُوى ومعالم ينطلق منها كتاب ما بعد الاستقلال ليطوروها ويعمقوا جذورها داخل وعي الأجيال المتلاحقة. 1970) Dieu en barbarie Le maître de classe (1973) Habel (1977) وفيها تصوير للمشكلات والصراعات التي رافقت إنشاء الدولة الجزائرية ورصدٌ للممارسات الفوقية والتطلع إلى سبيل آخر مغاير للنمط الغربي الموروث عن فترة الاحتلال. وأشير أيضاً إلى رواية المرحوم مولود معمري «الرحلة» La traversée الصادرة سنة 1982، وفيها انتقاد للانحرافات وإعادة اكتشاف للقيم الأصيلة من خلال العودة إلى الصحراء ووصف علائق قبائل الطوارق وسلوكاتهم المتحررة من المواضعات البليدة والقيود الحضارية الاستلابية. لكن رواية شرف القبيلة تختلف عن روايات هؤلاء الرواد بكونها تبتعد عن الخطابية ونمذجة السلوكات في مواقف فكرية وأيديولوجية، على لسان الشيخ، على بداياتها. بعبارة يتلفظها عمر المبروك بعد عودته إلى الزيتونة وقد عيِّن مديراً للشرطة قائلا لمستقبليه: «عليكم أن تعلموا بأن الثورة لم تَنسكم» فإن هذه البداية المرتبطة بحاضر الرواية، ستتوارى سريعا ليبدأ الارتداد إلى الماضي «لأن الحكم على الحصاد يبدأ من البزرة». هكذا يخبرنا ساردنا الشيخ، بأن سكان قرية الزيتونة هاجروا من الوادي السعيد منذ قرن ونصف عقب هزيمتهم على يد الغزاة الفرنسيين. وليعيشوا بعيدا عن العدو الدخيل وسلطته. ومع ذلك، فإن يد الإدارة الاستعمارية تطالهم لتجند بعض أبناء القبيلة ولتراقب حياتهم. وشيئا فشيئاً، تمتد الجسور بين الزيتونة والعالم الخارجي. يكون جورجو (كنية رجل من القبيلة) العائد من الحرب العالمية الأولى ناقلا لأصداء ما عاشه وشاهده فيما وراء البحار، وبعد ذلك قيام الثورة الجزائرية والأصداء التي تبلغهم عنها. هنا، تأخذ الأحداث، ومعها بناء الرواية، مسارا آخر، لأن السارد يُعرج على قصة حسن المبروك جد عمر الذي كان قاطع طرق منتهكا لتقاليد القرية ومواضعاتها، حسن المبروك اختطف ابنة عيسى صاحب معصرة الزيت وتزوجها عنوة وأنجب منها سليمان الذي جاء مغايراً في طبعه وأخلاقه لأبيه، فقد كان منكباً على فلاحة الأرض، مسعفاً لجميع الذين يحتاجون إلى مساعدة، محترما لأعراف القبيلة. تزوج سليمان وأنجب عمر وأخته أوريدة. وكان سليمان حريصاً على صياغة شرف القبيلة مما جعله يتصدى لمبارزة دب ضخم كان يحضره مهرج متجول يتردد على القرية مرة كل سنة. ولم يصدق أحد أن سليمان العملاق هزم الدب الكبير. ارتدى سليمان بُرنُسَه وانسحب إلى حقله، فكان ذلك جرحاً أليماً في نفسه وهو الذي دفعه، وقد أصبح رجل سلطة، إلى الانتقام من الذين خذلوا أباه. بهذه النقلة في السرد، تأخذ حكاية الرواية أبعاداً خاصة، هناك أيضاً قصة وردة وعلاقتها الحميمة مع أخيها عمر التي آلت إلى الإنجاب. ذلك أننا نكتشف في الصفحات الأخيرة أن الشاب القاضي، وتكون المواجهة والمكاشفة، فينسحب عمر إلى بيته حيث يضع حداً لحياته. إن السارد، في الحقيقة، ولأن الحكي يغلب على العرض والتشخيص فإن النص يأخذ طابعاً ملحمياً يتدفق متلاحقاً ليلتقط شمولية الأحداث والمشاهد وقصص الشخوص ومصائرهم. وبذلك تغدو رواية شرف القبيلة شبيهة بجوقة أصوات وحوارات تتجاور داخلها ملفوظات منسوبة لشخوص معروفة وأخرى منسوبة للجماعة أو للقبيلة. وما يبرز، في النهاية، هي الأصوات الناطقة باسم المجموعات التي أصبحت تلتقي على أرض «الزيتونة» : فهناك سكان القبيلة، وهناك الأجانب الذين يعمرون القرية، فإن الرواية تحقق نوعا من التوازن بين الشخصيات وتعمل على تقليص وتحجيم تلك التي يقدمها الحكي الملحمي وكأنها شخصيات أبطال: حسن، وسليمان، وعمر المبروك. وبعبارة ثانية، فإن حضور العناصر التاريخية، وحضور الفئات الاجتماعية التي أفرزها تصنيف خاص متولد عن تحولات متداخلة، أدى إلى امتصاص ثقل الشخص البطل، 2- الثيمات إن تركيبة شرف القبيلة التي يختلط فيها الواقعي بالأسطوري وتتجاور داخلها الأصوات المتباينة، وتطمح فضاءاتها إلى ملامسة قضايا المجتمع ومشكلاته في شموليتها، وبالفعل، إلا أن طبيعة البناء التي أشرنا إليها تحول دون تجمُّد التيمة عند معنى أحادي، وسرعان ما تغدو مجموعة التيمات محاورة فيما بينها متواجهة أو متعارضة، بعضها يُنَسِّب البعض الآخر، فَتنفسح أمام القارئ أكثر من إمكانية للتأويل. على هذا الأساس، سنحاول أن نشير إلى أربع تيمات لفتت نظرنا، ملحين على ضرورة إعطاء الاعتبار لتأثير تركيبة الرواية على مجموع التيمات وعلى ما تولده داخلها من جدلية وتناسل. نقد الماضي: رغم أن الرواية تبدو في كليتها وكأنها دفاع عن القبيلة المستوطنة للزيتونة وعن نوعية حياتها وتلاحم قيمها، فإن صفحات كثيرة تنتقد ماضي القبيلة. نجد ذلك عند التذكير بهزيمتها وفرارها إلى الجبل، كما نجد نقداً للجمود الذي يطبع التقاليد والعلاقات والسلوكات، وأكثر ما يتجلى ذلك عند الحديث عن سلبية أفراد القبيلة أمام مشهد المبارزة بين سليمان والدب وتقاعسهم عن نجدته. ‌ب. ولكن التحولات تعرف طريقها إلى فضاء القرية أولا ثم إلى الأشخاص الذين يضعفون أمام بريق التكنولوجيا وإغراءات الحياة العصرية. ومع ذلك فإن التحولات تتشخص وتتمايز بحسب الفئات البشرية التي تلتقي على أرض «الزيتونة». ومن ثم فإن «المنفيين» وهم سكان القبيلة يشخصون موقف الثبات والتشبث بقيم الأجداد في مواجهة مع قيم أخرى أفرزتها التحولات: فنجد فئة «المجذومين» وهم أبناء القرية الذين هاجروا إلى المدينة وتعرفوا على حياتها من بعيد دون أن يُسمح لهم بالاندماج، بل اعتُبروا مجذومين يستحقون أن يعزلوا في أحياء هامشية خوفاً من أن يفسدوا الهواء ويدنسوا الفضاء ! هؤلاء المجذومون نُقلوا قسراً إلى الزيتونة فلم يستطيعوا جميعهم التكيف مع نمط الحياة الموروثة وبخاصة أبناءهم الذين ظلوا مشدودين إلى لألاء المدينة وملاهيها ومُتعها المتمنعة عمن عاش مثلهم في أحياء القصدير. كانوا هناك على الهامش، وهم هنا في الزيتونة غرباء. ونجد كذلك فئة الأجانب الذين حضروا لتنفيذ أشغال البناء والتعمير بدون أن يهتموا بسكان القرية ولا بتقاليدهم. إنهم يشخصون قيم التقانة ومقتضيات الحسابات المضبوطة، ثم هناك «المتحضرون» من أبناء الجزائر الذين استفادوا من الاستقلال وجاؤوا إلى «الزيتونة» ليؤطروا مشروع تحضير سكان الجبل وإدماجهم في دائرة الاستهلاك ومحاكاة الحياة العصرية. وكل فئة من هذه الفئات تتبنى قيماً وسلوكات مغايرة لقيم سكان الزيتونة وهي جميعها قيم مضطربة أو زائفة، مما يضفي على قيم القبيلة، خاصة في صورتها الناصعة المستحضرة عبر السرد، فإزاء التحولات الهجينة التي شوهت القرية وفضاءها، تنتصب من خلال السارد وسلالته، صورة للمنبع الأول الذي سقى الناس قيماً منسجمة وحال بينهم وبين الذوبان في خضم تيارات وافدة. ولكن كيف السبيل للعودة إلى المنبع وقد باتت التحولات جزءا من الواقع القائم؟ ‌ج. السلطة: يشخص عمر المبروك، مدير الشرطة، إنه يتحرك بإيحاء من رغباته ونزواته وأيضاً وفق موقعه من السلطة العامة للدولة. وبذلك يحاول أن يوفق بين شيئين: الانتقام من سكان القرية لأنهم خذلوا أباه، ثم تسخير سلطته لخدمة أغراض الدولة المتعلقة بالتمدين وعصرنة الحياة ووقف الهجرة من القرى إلى المدن. وفي الحالتين معاً تكشف علاقة عمر المبروك بالسلطة عن حالة مرضية ترفض تحمُّل وجود الآخر وتلغي حقه في ممارسة حريته. فنحن نجد في شرف القبيلة أربع شخصيات من صُلب واحد، مقسمة إلى زوجين متعارضين في الصفات والسلوك والمواقف: حسن الجد يُنجب نقيضه سليمان، وعمر الشبيه بجده يٌنجب الشاب القاضي الذي يأخذ على عاتقه تصحيح أخطاء والده وإقرار العدل في قرية الزيتونة. هكذا، من صُلب الشرير، المنحرف ينحدر الخير، العادل، المشخص لصفاء القيم ورمزيتها. 3- تقييم وملاحظات فإننا نلاحظ ما يشبه مشروعاً روائياً يتنامى ويتكامل إثر كل نص يكتبه، مفتون بملاحقة التناقضات والصراعات؛ أو كما عبر عن ذلك في أحد الاستجوابات: «ليست فكرتي هي التي تتحقق من خلال كتاباتي، بقدر ما هي مجموعة معاينات، وتساؤلات، وشكوك، ووساوس تعبر عنها مجموعة شخوص يكشف بحثُها تناقضات العلائق الاجتماعية. »( ). 2. يمكن أن نعتبر شرف القبيلة تنويعاً ضمن سجل الكتابات المجددة للواقعية. فهو إذا كان يحرص على بنية ذات حبكة وعقدة وشخوص، وبهذه الكتابة ذات النفس الملحمي والنزوع الاشتمالي (البانورامي)، تضعنا أمام سؤال لا يخلو من أهمية، أعتقد أن شرف القبيلة تقدم نموذجا يُدحِض هذا التخوُّف، ذلك أن الاستمداد من الواقع وأشيائه وسلوكاته لم ينته، عند ميموني، إلى عملية استنساخ للواقع الخام، عبر التخييل، طابع التشخيص المتعدد الجوانب يمتد من كلام الشخصيات والمحاكاة البارودية للأقوال إلى محاولة طرح أسئلة الكينونة والصيرورة. وبهذا المسلك، فإن الرواية تبدأ توجد لذاتها، لا لغاية تبشيرية أو للاضطلاع بوظيفة الأدلجة المدفوع عنها. إننا نقرأها كخطاب ناتج عن الرغبة في التخييل والتأمل والمتعة وإعادة تشكيل العوالم والعلاقات. ومن ثم لا تعود هناك حدود مصطنعة بين موضوعات «ثورية» ملتزمة، إن شرف القبيلة وروايات محمد ديب ومولود معمري التي أشرت إليها، حياة مُفرغة من نبض الحلم المحفز للهمة والإبداع.