كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ فِي عُمُرِ الوَرْدِ حِينَ لَقْنَتَهُ أُمُّهُ وَ الغُمَيْصَاءُ (۱) الشَّهَادَتَيْنِ ، وَأَتْرَعَتْ فُؤَادَهُ الغَضَّ بِحُبِّ نَبِيِّ الإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ . وَلَا غَرْوَ ، .. وَكَمْ تَمَنَّى الغُلَامُ الصَّغِيرُ أَنْ يَمْضِي إِلَى نَبِيِّهِ فِي مَكَّةَ ، وَيَهْنَأُ بِلُقْيَاهُ . *** فَغَمَرَتِ (۲) البَهْجَةُ كُلَّ بَيْتٍ ، وَمَلَاتِ الفَرْحَةُ كُلَّ قَلْبٍ . وَتَعَلَّقَتِ العُيُونُ وَالقُلُوبُ بِالطَّرِيقِ المَيْمُونِ (۳) الَّذِي يَحْمِلُ خُطَا النبي ﷺ وَصَاحِبِهِ إِلَى ( يَثْرِبَ ) . وَأَخَذَ الفِتْيَانُ يُشِيعُونَ مَعَ إِشْرَاقَةِ كُلِّ صَبَاحٍ : فَكَانَ يَسْعَى إِلَيْهِ أَنَسٌ مَعَ السَّاعِينَ مِنَ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ ؛ لَكِنَّهُ لَا يَرَى شَيْئًا فَيَعُودُ كَثِيباً مَحْزُوناً . *** وَفِي ذَاتِ صَبَاحٍ شَدِيٌّ (1) الْأَنْدَاءِ، نَضِيرِ الرُّوَاءِ، يَثْرِبَ ) : إِنَّ مُحَمَّداً وَصَاحِبَهُ غَدَوا قَرِيبَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ . فَطَفِقَ الرِّجَالُ يَتَّجِهُونَ نَحْوَ الطَّرِيقِ المَيْمُونِ الَّذِي يَحْمِلُ إِلَيْهِمْ نَبِيَّ الهُدَى وَالخَيْرِ . وَمَضَوْا يَتَسَابَقُونَ إِلَيْهِ جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ ، الفتية . .. *** أَقْبَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَعَ صَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ ، وَمَضَيَا بَيْنَ أَظْهُرِ الجُمُوعِ الزَّاخِرَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالوِلْدَانِ . أَمَّا النِّسْوَةُ المُخَدَّرَاتُ (۳)، وَجَعَلْنَ يَتَرَاءَيْنَ (٤) الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَيَقُلْنَ : أَيُّهُمْ هُوَ ؟! . أَيُّهُمْ هُوَ ؟! . فَكَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْماً مَشْهُوداً . ظَلَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ يَذْكُرُهُ حَتَّى نَيْفَ عَلَى المِائَةِ مِنْ عُمُرِهِ . حَتَّى جَاءَتْهُ ( الغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ ، أُمَّ أَنَسٍ ، وَكَانَ مَعَهَا غُلَامُهَا الصَّغِيرُ، وَذُوْابَتَاهُ تَنُوسَانِ (۱) عَلَى جَبِينِهِ . ثُمَّ حَيْتِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَقَدْ أَنْحَفَكَ بِتُحْفَةٍ ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ مَا أُنْحِفُكَ بِهِ غَيْرَ ابْنِي هَذَا . فَخُذْهُ ، فَلْيَخْدِمْكَ مَا شِئْتَ . فَهَشُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْفَتَى الصَّغِيرِ وَبَشَّ(۲)، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ، وَمَسَّ ذُوابَتَهُ (۳) بِأَنَامِلِهِ النَّدِيَّةِ ، وَضَمَّهُ إِلَى أَهْلِهِ . كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَوْ أُنَيْسٌ ) - كَمَا كَانُوا يُنَادُونَهُ تَدْلِيلاً - فِي العَاشِرَةِ مِنْ عُمُرِهِ يَوْمَ سَعِدَ بِخِدْمَةِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . الأَعْلَى (٤). نَهَلَ (٥) فِيهَا مِنْ هَدْيهِ مَا زَكَّى بِهِ نَفْسَهُ ، وَوَعَى مِنْ حَدِيثِهِ مَا مَلَأَ بِهِ صَدْرَهُ ، وَأَخْبَارِهِ وَأَسْرَارِهِ وَشَمَائِلِهِ (۱) مَا لَمْ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ . *** وَقَدْ لَقِيَ أَنَسُ بْن مَالِكِ مِنْ كَرِيمٍ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَذَاقَ مِنْ نَبِيلِ شَمَائِلِهِ ، وَجَلِيلِ خَصَائِلِهِ مَا تَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا . وَعَلَى وَصْفِهَا أَقْوَى . .. وَأَرْحَبِهِمْ (۳) صَدْراً ، وَأَوْفَرِهِمْ حَنَانًا . وَيَأْخُذُ بِثَوْبِي . فَالْتَفَتْ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ : يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ ؟ ) . إِنِّي ذَاهِبٌ الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ : لِمَ صَنَعَتَهُ . وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ : لِمَ تَرَكْتَهُ ؟! *** وَكَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِذَا نَادَىٰ أَنساً صَغَرَهُ (۱) تَحَبُّباً وَتَدْلِيلاً ؛ وَأُخْرَى يَا بُنَيَّ . مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لَهُ : ( يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشْ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ . يَا بُنَيَّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي ، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الجَنَّةِ . .. يَا *** 6. .. وَأَحْيَا فِيهَا القُلُوبَ بِمَا بَنَّهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (٤) مِنْ هَذِي النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ غَدًا أَنَسٌ عَلَى طُولِ هَذَا العُمُرِ المَدِيدِ مَرْجِعاً لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيُعَوِّلُونَ (١) عَلَيْهِ كُلَّمَا اسْتَغْلَقَ (۲) عَلَى أَفْهَامِهِمْ حُكْمٌ . مِنْ ذَلِكَ ، أَنْ بَعْضَ المُمَارِينَ فِي الدِّينِ جَعَلُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي ثُبُوتِ حَوْضِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَسَأَلُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَعِيشَ حَتَّى أَرَى أَمْثَالَكُمْ يَتَمَارَوْنَ (۳) فِي الحَوْضِ ، النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . *** وَلَقَدْ ظَلَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ يَعِيشُ مَعَ ذِكْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الحَيَاةُ . .. سَخِيَّ الدَّمْعَةِ عَلَى يَوْمِ فِرَاقِهِ ، .. حَرِيصاً عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، وَيَكْرَهُ مَا كَرِهَ ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ أَيَّامِهِ يَوْمَانِ : يَوْمُ لِقَائِهِ مَعَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَإِذَا خَطَرَ لَهُ الْيَوْمُ الثَّانِي انْتَحَبَ وَبَكَى ، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ مِنَ النَّاسِ . وَكَثِيراً مَا كَانَ يَقُولُ : لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْنَا ، وَرَأَيْتُهُ يَوْمَ قُبِضَ مِنَّا ، فَلَمْ أَرَ يَوْمَيْنِ يُشْبِهَانِهِمَا .