محمد أبو شهبة، أو يستدل فيأتي الدليل قاصراً عن الدعوى، ومثال ذلك ما ذكره: "أنه وجد أنه لا يكاد يوجد في كُتُبِ الحديث كلها - مِمَّا سَمَّوْهُ صحيحاً أو حسناً - حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومُحْكَمِ تركيبه . 2: المؤلف اعتمد في التدليل على بعض ما ذهب إليه على كلام المسْتَشْرِقِينَ الذين يحملون في الغالب الضغن للإسلام والمسلمين. وأكثر من النقول كما صنع في مَبْحَثَيْ الرواية بالمعنى، 4: من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يستشهد بأحاديث موضوعة، ما دامت تساعده على ما يريد ويهوى من آراء، ومثال ذلك: استشهاده بما روي أنَّ عمر ، وأبا الدَرْدَاءَ  في المدينة على الإكثار من الحديث، فإنه خبر ظاهر الكذب والتوليد - كما قال ابن حزم - ونِسْبَتُهُ رِوَايَتَهُ إلى ابن حزم ليس من الأمانة العلمية في النقل. 5: جارى المؤلف المسْتَشْرِقِينَ حينما تكلَّم عن العصبية المذهبية والسياسية في فصل "الوضع"؛ فحكم على كل ما يَدُلُّ على فضيلة لصحابي، 6: لقد تحامل المؤلف تحاملاً لا يرتضيه المُنْصِفُونَ لذي دِينٍ وَخُلُقٍ على صحابي من صحابة رسول الله ، وإنْ أراد علماء الدراية بالأحاديث فقد أوفوا في بحث متون الأحاديث وشرحها وتحليلها على الغاية، وفي غير موضع من كتابه الإزراء بالمحَدِّثِينَ، بل هي عند الباحثين والعَالِمِينَ مِمَّا يزري بالنقد، الرد: لا أدري كيف سَوَّلَتْ للمؤلف نفسه أنْ يزعم أنَّ المحَدِّثِينَ حصروا عنايتهم في السند دون المتن الخ؟! وكيف يتَّفق هذا وما ذهبوا إليه من الحُكْمِ على متن الحديث بالشذوذ والنكارة، وما وضعوه من أمارات يُسْتَدَلُّ بها على الحديث بالوضع؟ لقد جعلوا من إمارات الموضوع ركاكة اللفظ بحيث يشهد الخبير بالعربية أنَّ هذا لن يصدر من فصيح فضلاً عن أفصح الفصحاء، وركاكة المعنى كَأَنْ يكون مشتملاً على مُحَالٍ، والمخالفة لصريح القرآن أو السُنَّة المتواترة أو المُسَلَّمَةِ أو الإجماع مع تَعَذُّرِ التأويل المقبول في كل ذلك، أو يتضمن الحديث أمراً مُسْتَحْدَثاً لم يوجد في العهد النبوي أو إلى غير ذلك مِمَّا أفاضت فيه كتب تاريخ الوضع في الحديث. وستتأكد أنَّ دعوى حصر العناية بالنقد في السند دون المتن دعوى مردودة، قال ابن الجوزي في الحديث الموضوع: "شكوت إلى جبريل رمد عيني فقال لي: انظر في المصحف"، قال ابن الجوزي: "وأين كان في العهد النبوي مصحف حتى ينظر فيه". وقال ابن القيم في نقد الحديث الموضوع: «إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صدق» قال: هذا، ولو عطس ألف رجل عند ذكر حديث يُرْوَى عن النَّبِي لم يحكم بِصَحَّتِهِ بالعطاس. فانظر إلى أَيِّ مبلغ اعتماد أئمة الحديث على نقد المتن حتى وإنْ كان السند غير وَاهٍ ساقط أو ضعيف. فهل بعدما ذكرنا يقال إنهم حصروا عنايتهم في نقد السند دون المتن؟!!. الرد: ينبغي التنبه بأنَّ أكثر ما ترد الرواية باللفظ في الأحاديث القصيرة، على أنَّ وُرُودَ الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة إنما تكون في الكلمة والكلمتين والثلاث، وقلَّما تكون الرواية بالمعنى في جميع ألفاظ الحديث، وليس أدل على ذلك من أنَّ حديث "بدء الوحي" المروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها، وهناك الأحاديث المتكاثرة التي جاءت على حقيقة لفظها ومحكم تركيبها؛ الرد: وقد تَجَنَّى المؤلف على الحقيقة وابن حزم ما تَجَنَّى! فقد أوهم القارئَ أنَّ ابن حزم رَوَاهُ، وإنما ذكره في كتابه وَفَرْقٌ بين الذكر والرواية كما يعلم ذلك المبتدئون في علم الحديث، وابن حزم بريء منه، وإنما زيفه وبَيَّنَ بُطلانه. وإليك ما ذكره ابن حزم في " الأحكام ": "وَرُوِيَ عن عمر أنه حبس ابن مسعود من أجل الحديث عن النَّبِي وأبا الدَرْدَاءَ وأبا ذَرٍ ّ رضي الله عنهم"؛ ولو كان من روايته لقال: وروينا، وقد طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع لأنَّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر لم يسمع منه، والمنقطع من قَبِيلِ الضعيف لا يُحْتَجُّ به لجواز أنْ يكون البلاء في الرواية من المحذوف وأنه هو الذي اختلقها. ومن دواعي تزييف الرواية: أنَّ ابن مسعود  كان يَتَّبِعُ مذهبَ عمر  وطريقته، وكان يقول: "لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلك عمر وادياً وشعباً لسلكتُ وادي عمر وشعبه، وهو الذي أنحى على المُحَدِّثِينَ باللائمة لأنهم أغفلوا جميعاً نقد المتن، وأنه هو الذي جاء- في نقد المتون - بما لم يبلغه الأوائل، وَيَدَعُ ما يشاء بهواه وأنه خطف هذا الكلام خطفاً من كلام بعض المُسْتَشْرِقِينَ الذين يتتبَّعون شَوَاذَّ الروايات ومَنْحُولِهَا، ونسبه إلى ابن حزم كي يُضْفِي عليه شيئاً من القبول. ومن الشبه التي أثارها: ‌‌زعمه أن أحاديث الإيمان والإسلام فيها اضطراب. ومن ذا الذي يجهل أنَّ حديث جبريل المشهور هو غير حديث طلحة بن عُبيد الله  في قصة الرجل الذي جاء من أهل نجد ثائر الرأس يسأل عن شرائع الإسلام؟ بل من الذي يشك في أنَّ حديث جبريل غير حديث أبي أيوب الأنصاري  في قصة الرجل الذي جاء إلى النَّبِي ، فقال: "دُلَّنِي عَلَى عَمِلٍ يُدْنِينِي مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟، "وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ  الذي فيه: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيَّ ، نعم قد قيل إنَّ حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة في قصة واحدة، والإمام النووي أجل من أنْ يظن أنَّ "حديث جبريل" و"حديث الرجل الثائر الرأس" و "حديث أبي أيوب" و "حديث أبي هريرة" كلها في قصة واحدة، ولو أنَّ المؤلف رجع إلى كتاب "فتح الباري" لِعُمْدَةِ المُحَقِّقِينَ في هذا الفن وأمير المُحَدِّثِينَ الحافظ ابن حجر لوقف على مُفَصَّلٍ، ومن الشبه التي أثارها: جعل رواية الأحاديث بالمعنى هو الأصل، بل وأنحى باللائمة والتجهيل للذين يحسبون: أنَّ أحاديث الرسول  التي يقرأونها في الكتب أو يسمعونها مِمَّنْ يتحدَّثون بها جاءت صحيحة المبنى مُحْكَمَةَ التأليف، وأنَّ ألفاظها قد وصلت إلى الرُواة مصونة كما نطق بها النَّبِي بلا تحريف ولا تبديل. أضع بين يديك هذه المقدمات، 1 - أنَّ الرواية بالمعنى قد منعها الكثيرون من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من رُوَاةِ الحديث والتزموا أداء الأحاديث بألفاظها. 2 - أنَّ الرواية بالمعنى قد أجازها العلماء لمن كان عالماً عارفاً بالألفاظ والأساليب خبيراً بمدلولاتها والفروق الدقيقة بينها. 3 - أنَّ الذين أجازوها على أنها رُخْْصَة تقدر بقدر الحاجة إليها لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية. 4 - أنَّ التدوين للأحاديث بدأ بصفة عامة ورسمية على رأس المائة الأولى، وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول الهجري ولا سيما بعد وفاة النَّبِي . 5 - أنَّ الرواية بالمعنى إنما ترخص فيها من ترخص في غير الكتب المدونة، 6 - أنَّ الرواية بالمعنى ممنوعة باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها كالأذكار والأدعية وجوامع كلمه . 7 - أنَّ الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة ومن بعدهم من ثقات الرُوَاةِ كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخلقية ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية وإنكار ذلك مكابرة. 8 - أنَّ القواعد التي أخذ جامعو الأحاديث بها أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد، ومن الشبه التي أثارها: طعن أَبِي رَيَّةَ في كعب الأحبار ووهب بن منبه. ذكر عنوان "الإسرائيليات في الحديث" وَبَيَّنَ منشأها ثم عرض لكعب الأحبار ووهب بن منبه وأضرابهما من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، وعلماء الجرح والتعديل - وهم الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راو مهما تستر - لم يتهموه بالوضع والاختلاق والجمهور على توثيقه، وقال ابن الجوزي: "الْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ كَعْبٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَكُونُ كَذِبًا لَا أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، 2 - أما وهب بن منبه فهو من خيار التابعين وثقاتهم، وما من رواية من روايات كعب وغيره إِلَاّ ونقدوها نقداً علمياً نزيهاً، فأما إذا كان معروفا بالأخذ عنهم فلا، وهو تحوط يدل على أصالة في النقد وَبُعْدِ نظر محمود من المُحَدِّثِينَ. 4 - المؤلف جرى في بحثه في الإسرائيليات على أن كل ما روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما مختلق مكذوب، وهو إسراف في الحكم وتجن على الحق والواقع، فهذا هو الإمام ابن تيمية - وهو زعيم مدرسة جمعت إلى حفظ الحديث والبراعة فيه والفقاهة في الدين وجودة الفهم وأصالة النقد - يقسم أخبار مسلمة أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام: والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ومثل ذلك قال تلميذه ابن كثير في " تفسيره ". ومن الشبه التي أثارها: ‌‌‌تكذيبه ‌لأحاديث ‌شق ‌صدر ‌النبي . واستعمل في ذلك أسلوبًا ساخرًا تَهَكُّمِيًا، وقارن بين عملية شق الصدر لِلْنَّبِيِّ  وعملية الصلب للمسيح عند المسيحيين - وشتان ما بينهما - بل نَصَّبَ من نفسه مدافعا عن عقيدة الصلب . وهو في هذا لا يخلو من أحد أمرين: 2] وإما أَنْ يكون مُدَاهنًا مُتَمَلِّقًا يتملق جمهور المسيحيِّين ولا سيما سادته المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ وكلا الأمرين ضلال وشر. وقصة شق الصدر ثابتة بالأحاديث الصحيحة، بل قيل بحصول الشق في غير هاتين المرتين وتكرره إنما كان لتجديد استعداده  لما يلقى إليه من الوحي الفينة بعد الفينة، فَقَدْ تَوَارَدَتْ الرِّوَايَات بِهِ. ولا أدري ما وجه المقارنة بين الشق والصلب؟ فالشق أمر حق وممكن وثابت بالأسانيد الصحيحة، والصلب أمر باطل وفيه مخالفة للعقل والنقل، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، ولئن جاز استبعاد شق الصدر في العصور السابقة لا يجوز أَنْ يستبعد في عصورنا هذه التي تقدم فيها الطب تقدماً عجيباً، وهذا مِمَّا يقرب إلى النفوس التي دأبت على الجحود هذه المعجزة النبوية التي جرت بغير جراحة وبغير مبضع. وبعد كل هذا التهجم والطعن بغير حق أحالنا في الاستزادة من معرفة الإسرائيليات والمسيحيات إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ، وبهذا استعان - المؤلف وكشف لنا عن حقيقة نفسه،