لقد أثبتت الدراسات أن بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط، والمنطقة العربية بالذات، هي المهد الأول لأقدم المدنيات العالمية، والتي ارتبطت بأسس الحضارة الإنسانية خلال مراحل التكوين الاجتماعي والفكر الديني والسياسي، ومنها العصر الحجري الحديث والعصر الحجري النحاسي، وهما محط دراسة الباحث لبيان الملامح الحضارية لفلسطين. يتميز الجزء الجنوبي الغربي من آسيا، المعروف بالمشرق، بوفرة المواقع الأثرية الهامة التي تعود لهذين العصرين وما قبلهما أو بعدهما، مروراً بالعصر البرونزي المبكر وحتى بداية التاريخ. تعكس هذه المواقع تطوراً حضارياً هائلاً وتفاعلاً متفوقاً لإنسان بلاد الشام مع بيئته، حيث أثبتت الأدلة الجيولوجية والبيئية والمكتشفات والصناعات المرتبطة بها مدى فهم أهل هذه البلاد للتنمية الثقافية وأدوات التطور المعيشي، مدفوعين بدوافع اجتماعية واقتصادية وتغيرات أيديولوجية. أسهم الإنسان في أرض فلسطين، منذ أقدم العصور الحجرية، بدور بارز في بناء الحضارة الإنسانية. توجد آثار تعود للعصر الحجري القديم منذ حوالي مليون سنة، والعصر الحجري الوسيط منذ حوالي 10 آلاف سنة، واستمرت الحضارة الفلسطينية خلال العصرين الحديث والنحاسي بنفس أهل فلسطين، أصحاب الحضارات الأقدم ودون تدخل أجنبي. تشهد على ذلك مواقع مثل العبيدية، تلة، مغارة الطابون، كهف السخول، مغارة العمود، كهف جبل قفزة، كهف قرب الرملة، كهف شقبا، كهف السواد، هايونيم، عين جب وعين كيف ومغارة الواد والأميرة، كابار، الوعد، عرق الأحمر، أم الزويتينة، أم قطفه، عين صخري، منحطة، بلاطة، عين الملاحة، وادي رباح ووادي الفلا عند نحل عرين ونحل بوكر، وادي خريطون، جبال القدس، غربي بحيرة الحولة، تل بيت مرسيم، تل الفارعة، مجدو، شكيم، موقع الخضيرة، تل علي، وادي اليرموك، أبو غوش، برية يهوذا، وادي طحونه، النقب، نحل باسور، أبو سوان، بيضا، تل جنين، جسر يعقوب، واو هالو، عين جيف، كفر هاوهريش، بيسان، نحال بيسور، جيلجال، كفر جلعادي، تل طور موسى، وأهمها مدينة أريحا. صنفت المواقع الفلسطينية في المرحلة الانتقالية بين الإنسان الجامع للقوت والمنتج له، بناءً على الأدوات المكتشفة ومحاولات الاستقرار الدائم. تميزت مواقع فلسطين الحضارية بمسميات اشتهرت كنماذج أساسية للمعطيات الحضارية لفتراتها، يقارن بها حضارات البلاد المجاورة، مثل الحضارة الكبارية والهندسية بجبل الكرمل، والزرزويونية، والنطوفية نسبة إلى وادي نطوف في جبال القدس والخليل، والخامية نسبة إلى موقع الخيام. امتدت سمات الحضارة النطوفية، التي تمثلت في منطقة الكوم وكليلية وعين الملاحة ووادي فلاح وعين صخري، من مساكنها ومدافنها وصناعتها الحجرية (خاصة الأواني المزخرفة التي قد تعتبر أقدم زخرفة لأواني في الشرق الأدنى) إلى ما بعد فلسطين، حيث وصلت شمالاً حتى لبنان وجنوباً حتى مصر. تميز النطوفيون بمجتمع أكثر تنظيماً وعرفوا بدايات الاستقرار وبناء المساكن وتخزين الحبوب البرية، وبدأوا في استئناس الحيوانات واهتموا بدفن موتاهم ووضع أمتعة معهم وبناء مقابرهم بجوار مساكنهم. كما اهتموا بدفنات ذوي المكانة، كدفن زعيم العشيرة في عين الملاحة، ونحتوا التماثيل الآدمية (أشهرها الأزواج المتعانقة من عين صخري) والحيوانية. استخدموا القوس والسهم في الصيد، مما يدل على أن مقومات المرحلة النطوفية في فلسطين أدت بشكل متنامي وسريع إلى بزوغ فجر العصر الحجري الحديث. انتقلت فلسطين إلى العصر الحجري الحديث بمرحلتيه ما قبل الفخار (أ) و (ب)، حيث بدأ الإنسان حياة الاستقرار والتفاعل الإيجابي مع بيئته. ازدادت خبرته ومعرفته بظروفه المناخية وأهمية التواجد قرب مصادر المياه، وقدرته على السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لمصلحته. اشتغل بالزراعة وتدجين الحيوانات، وأقام المساكن، وظهرت المجتمعات والقرى، وأتقن الصناعات (خاصة الفخار) والفنون المختلفة، ثم بلور معتقداته وأفكاره الدينية الموروثة أو التي فرضتها المجتمعات الزراعية. يذكر رشيد الناضوري أن آثار هذا العصر في فلسطين متنوعة وهامة، وتتميز عن الحضارات المحيطة بها في الشرق الأدنى بظواهر معمارية فريدة، خاصة التحصين البرجي للمدن، كما في أريحا (تل السلطان)، فضلاً عن الرؤوس الجصية والتماثيل الآدمية. بجانب أريحا، توجد مواقع أخرى تعود لهذا العصر مثل تل المتسلم، وبيسان، والشيخ علي، وبلاطة، وتل الفارعة، وتل فرح، ووادي شعيب. نبداً بأريحا، بجوار البحر الميت، التي يعود تاريخها إلى النطوفيين (ما قبل الألف الثامن ق.م). اكتشفتها بشكل كامل كاثلين كينيون عام 1951، وعمل قبلها جارستانج في عشرينيات القرن الماضي. يتكون الموقع الأثري من أكثر من 23 طبقة أثرية. تعتبر أريحا المدينة المسورة التي سبقت بآلاف السنين أي استيطان مدني معروف في العالم القديم، مما يجعلها أقدم مدينة في التاريخ. توفرت فيها مقومات وجود الإنسان الأول من ماء وغذاء وحيوان وخامات صوانية جيدة، واستحقت أن تكون خير تعبير عن بداية "الثورة المدينية". كانت أريحا تشغل مساحة حوالي عشرة أفدنة، وعدد سكانها حوالي ثلاثة آلاف نسمة. تقع على بعد حوالي 250 كم أسفل مستوى سطح البحر، مما يجعلها أخفض مدينة في العالم. دلت آثارها على وجود إدارة مركزية قوية تنظم شؤونها وزعيم أو حاكم قوي، واقتصاد قوي متمثل في الزراعة وتجارة المواشي، ومصادر دخل من التجارة الخارجية في الملح والكبريت والقار (مصادر البحر الميت). يُعتقد أن الأريحيين استوردوا الفيروز من سيناء، ومعظم أدوات الصوان المصنوعة من السبج (الأوبسديان) مستوردة من الأناضول. مارس أهل أريحا الزراعة واشتهر عندهم القمح والشعير، واستأنسوا بعض الحيوانات، واعتمدوا على صيد الغزلان كغذاء أساسي. انتقل الأريحيون من الصيد وجمع الطعام إلى إنتاجه وزراعة المحاصيل، بدءاً باستقرار مؤقت ثم كامل (المرحلة الحضارية التاسعة). بنوا في البداية أكواخاً من الطين والقش ثم تحولت إلى منازل دائرية كبيرة الحجم، حيث أقيمت منشآت مدنية متطورة في أريحا في حينها، وظيفياً وتقنياً. بدأت مساكنها مستديرة الشكل، بنيت بالطوب اللبن على أساسات حجرية، تتكون من حجرة كبيرة نسبياً (قطر 4-5 أمتار). كانت جدرانها مائلة للداخل (قد يشير إلى أسقف مقبية)، وأرضيتها من الطين المدكوك، ووجدت آثار خشب في الجدران. كانت المساكن والمدينة محمية بتحصينات تتكون في الجهة الغربية من خندق منحوت في الصخر (عمقه 2.5 م، وعرضه 8.5 م)، وخلفه يقع البرج الحجري الدائري الشهير (ارتفاعه حوالي 8م، وعرضه 9م، وبه درج يصل لأعلاه)، فضلاً عن خزانات للمياه ومخازن للطعام. كان هذا البرج جزءاً من سور حجري ارتفاعه الأصلي غير معروف (ما كشف من أطلاله يصل إلى أربعة أمتار)، وسمكه حوالي 1.70 م. ذكر العلماء أن كتلة الحجر التي بني بها البرج يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها متران ووزنها عدة أطنان. يُعتقد أن سكان أريحا أعدوا صهاريج أرضية لتخزين مياه الأمطار. تطورت المساكن في أريحا مع دخول عصر الفخار، وتحولت من الاستدارة إلى الاستطالة، وازدادت حجراتها إلى ثلاث غرف، وبنيت بالطوب اللبن على أساس حجري، وكسيت جدرانها بالجص وطليت بزخارف نباتية، وغطيت الأرضية بطبقة من الجص وفرشت بالحصير المجدول، وكانت هناك مواقد غائرة في الأرض للطهي. أقدم الأواني الفخارية ظهرت في شرق بحيرة الحولة في حوض الأردن، وكانت خشنة وبسيطة. اشتهرت في فلسطين عدة مواقع أخرى ترجع إلى العصر الحجري الحديث، منها موقع عند وادي الفلا في نحل عرين (يبدأ تاريخه أيضاً من الفترة النطوفية)، كشف عن منطقة سكنية بها مساكن مستديرة محاطة بالحجارة، وبعضها به مواقد وملأته اللقى من الأدوات الحجرية كالفؤوس والمناجل. وموقع البيضا (الطبقات من السادسة وما بعدها)، وكهف هايونيم بالقرب من عكا، وموقع منحطة، ومعبر ناحال ديشون بالجليل، وأبو غوش وغيرها. في بيسمون شمال فلسطين، كشف عن موقع نيوليتي يشتمل على مساكن ومقابر أسفلها جماجم مجصصة. في الجليل الأسفل في منطقة يفتاحئيل المؤرخة بالعصر الحجري الحديث، كشف حديثاً (أغسطس 2008) عن موقع مقبرة كانت أسفل منزل ما قبل الفخار (أ)، وعثر بها على مجموعة من الأدوات الحجرية وثلاث جماجم مجصصة، وربما كانت مفصولة التوضع على منصة في المسكن تأكيداً لمعتقد عبادة الأسلاف. في منحطة، كشف عن العديد من الأدوات الحجرية من رؤوس سهام ومكاشط ومناجل وأزاميل وبقايا مساكن وعظام حيوانات من غزال وغنم وماعز، وكانت مدافنهم أسفل المنازل وبها جماجم منفصلة، كما كشف عن أماكن عبادة. اشتهر هذا الموقع بمجموعة من المنحوتات الحيوانية والآدمية ذات طابع مميز. كما تميزت تماثيل المعبودة الأم التي كشف عنها بالطبقة الثانية (المؤرخة بالألف الخامس ق.م)، المصنوعة من الطمي المحروق، ذات نهود بارزة وأذرع مثنية ترفع النهود أحياناً، ونحتت عيناها على هيئة حبة القمح. في موقع الناصرة القريب من كهف هاهوريش (الفترة المؤرخة بما قبل الفخار)، عثر على موقع جبانة ومكان المعبد، وكشف عن تماثيل الإلهة الأم ومجموعة من الهياكل العظمية المرتبة لما لا يقل عن 65 شخصاً، معظمهم من الشباب الذكور (أعمارهم بين 20 و 30). في البيضا جنوب البحر الميت والقريبة من البتراء، بدأت بيوتها دائرية (طبقات 6-4) ثم تحولت إلى مستطيلة (طبقة 3)، وكسيت جدرانها وأرضيتها بالجص، وكانت مكونة من ثلاث غرف تفتح جميعها على ممر. عرف أهل البيضا زراعة القمح والشعير وتدجين الحيوانات بجانب الصيد. كما عثر بها على منحوتات آدمية وحيوانية من الطمي المحروق. أما المقابر، فعثر بها على دفنات لجميع الأعمار (أغلبها للأطفال)، بينما معظم هياكل البالغين مقطوعة الرأس. كما كشف عن العديد من الأدوات الحجرية من المناجل والفؤوس، ودفن موتاهم أسفل المنازل، وعثر على العديد من هياكل الأطفال والرجال والنساء بجانب الرؤوس المجصصة المعتادة آنذاك. كشف أيضاً عن مساكن من اللبن مستطيلة أسقفها محملة على أعمدة حجرية. في كفر ها هوريش بمنطقة الجليل الأدنى، كشف عن مقابرهم التي وضعت أسفل المساكن، وعثر بها على عدة جماجم مجصصة. كشف عن مجموعة من اللقى والتمائم الحجرية التي تمثل العضو الذكري (دلالة على الخصوبة). كما عثر بها على عظام حيوانية مدفونة لثيران برية وخلافه (ربما كدفنات طقسية)، حيث وجدت دفنات آدمية حولها بقايا عظمية لأبقار وعجول، ودفنات لغزلان مع دفنات آدمية، مما يشير إلى تقديس هذا الحيوان بجانب أهميته الاقتصادية. في كهف وادي الحمار بصحراء النقب، كشف عن بعض الآثار في طبقاته التي تعود للعصر الحجري الحديث (ما قبل الفخار ب) والفخاري، مثل الأدوات الحجرية والأواني الفخارية والعديد من الجماجم الآدمية. كما كشف عن قناع فخاري مميز (طوله 26.5 سم، وعرضه 17 سم، وسمكه 13-16 مم). في موقع أبو غوش بالقرب من القدس، كشف عن مساكن دائرية حجرية وأدوات وآلات حجرية من سهام ومناجل وفؤوس، فضلاً عن رحى الطحن وعظام ماشية وماعز. أما عن موقع اليرموك جنوب وادي الأردن، فيؤرخ بحوالي 4300 ق.م. وأخيراً، نشير إلى الموقع المؤرخ بدايته بما قبل الفخار واكتشف ضمن بعثات الآثار الغارقة، وهو ما أطلق عليه قرية عتليت يام (Atlit-Yam) أسفل البحر أمام الساحل الشمالي بالكرمل إلى الجنوب من حيفا على عمق 8-12 م. عثر على أطلال المساكن بأساساتها الحجرية وبينها المقابر بهياكلها العظمية، وكشف به عن الأدوات الحجرية المميزة لتلك الفترة وبقايا عظام حيوانية (أغنام وماعز وخنازير وكلاب وماشية) وأسماك بحرية وحبوب الشعير والعدس والقمح، فضلاً عن أطلال لنصب حجرية ربما تشير لمكان مقدس. أعقب العصر الحجري الحديث العصر النحاسي، حيث يرى البعض أن الانتقال وقع بين 4500 و3500 ق.م، لكن لا يعرف على وجه اليقين متى بدأ. اهتم الإنسان بهذا المعدن بعد اكتشافه، وصنع منه أدواته التي اختلفت عن الأدوات الحجرية، كونها أسهل في التشكيل وربما أصلب. اتبع في البداية طريقة طرق النحاس ثم اكتشف الصهر لاحقاً. لا شك أن اكتشاف واستخدام النحاس رفع مستوى الحياة البشرية وزاد من كفاءة العمل. تطورت الزراعة المعتمدة على الري وشملت الخضراوات (الخس والبصل والثوم والحمص والفول والتوابل)، وعرفوا زراعة الحبوب والزيتون والنخيل، بينما أصبح الاشتغال بالصيد أقل اهتماماً. يقسم البعض العصر الحجري النحاسي في فلسطين إلى ثلاث مراحل حضارية تنتهي ببداية العصر البرونزي المبكر: النحاسي المبكر (يمثله أريحا 8 وبعض المواقع مثل مجدو)، ثم النحاسي المتوسط (تمثله الحضارة الغسولية)، وأخيراً النحاسي المتأخر (يظهر في بئر سبع). يضيف البعض مرحلة انتقالية رابعة. تطورت خلال العصر النحاسي في فلسطين الحياة الاجتماعية وفقاً لنظام المجتمعات الاقتصادية، وتبلورت أشكال المدن التي تمتعت باستقلالية، وظهرت الحرف الشخصية، وازدادت عمليات التبادل التجاري، وبرزت سمات المعتقدات الدينية لزيادة تماسكها. انتشرت سمات حضارة العصر الحجري النحاسي في فلسطين في مواقع عديدة منها المنطقة الواقعة شرقي البحر الميت، وجوار نابلس، ومجدو، وبيسان، وبئر سبع، ومنطقة بئر الصفدي قرب بئر السبع، وخربة البيطار، وتل أبومطر، وأبو حامد، وتل الفارعة، وتل شونة، وسهل مرج ابن عامر، أزورائيليون، وشقميم، وكهف الجليل، ومواقع على وادي غزة عند صحراء النقب الشمالية (موقع القطيف وتل عرار)، والخضيرة على الساحل، وبيسور، وجنين، وعين جدي، وأريحا (الطبقة الثامنة). زاد التوسع العمراني في مناطق شمال النقب التي كانت ربما أكثر تقدماً اجتماعياً واقتصادياً. ظهرت الأعمال النحاسية بوضوح في جنوب فلسطين، خاصة في بئر سبع حيث القرب من مناجم الخام، وكشف عن أفران وبواتق الصهر وشوائب الصناعة. تميزت المنشآت المدنية خلال هذه المرحلة بمبان تحت الأرض تتضمن غرفاً مستطيلة الشكل متوسطة الطول، تطورت إلى غرف دائرية أو مخروطية بنيت من الطوب المجفف فوق أساس من الحجارة، بسقوف من لوحات خشبية مغطاة بطبقة طينية. أكثر ما ميز هذه المرحلة في فلسطين هو ظهور أعداد كبيرة من المدافن المقطوعة في الصخر، التي انتقل بها أهل فلسطين إلى المرحلة التالية (العصر البرونزي المبكر)، وجدت مثلاً في بئر سبع حيث تنتشر هذه المدافن الصخرية على نطاق واسع، ووجد بها مع الهياكل العظمية عدد كبير من الأثاث الجنائزية كالأواني الفخارية والبازلتية وبعض الأدوات البرونزية. يعتبر موقع تليلات الغسول في شمال شرقي البحر الميت أهم المواقع الفلسطينية التي تعبر عن عصر بداية استخدام المعادن، وأصبح اسمه نموذجاً للمقارنة. هذا الموقع عبارة عن تلال منخفضة تتكون من عدة طبقات أثرية. كانت المساكن الغسولية جدرانها من الطوب اللبن على أساس حجري، وغطيت سقوفها بالقصب وأغصان الأشجار (استخدموا الخشب لتوفرّه)، وأحيطت المنازل بأسوار خارجية. اهتموا أيضاً ببناء الأسوار حول المدن، مثل تل جازر المحاط بسور من الطوب الخشن. رسم الغسوليون على جدران مدنهم لوحات تصويرية متعددة الألوان، تعتبر أقدم فريسكو في العالم القديم، بأسلوب زخرفي هندسي، وأهمها لوحة "النجمة الثمانية" حولها رسومات حيوانية وهندسية، ولوحات تمثل طائراً ملوناً ورجلاً يجلس أمامه شخصان يلبس أحدهما حذاءً مطرزاً. كما رسموا أشكالاً آدمية وحيوانية على سطوح الأحجار، وعثروا على دلايات مرسوم عليها فتاة بيدها زهرة (تعود للألف الرابعة قبل الميلاد). في بيسان (الطبقة 16)، كشف عن نوع من المنازل أطلق عليه "المسكن المحرابي" مستطيل الشكل ذو طرف مستدير، وظهر أيضاً في أريحا (الطبقتين 6-7) ومجدو. أقيمت المعابد في الغسولية وتل جازر وبيسان والخضيرة وغزة وبئر السبع، وهي مبانٍ بنيت جدرانها من الطوب اللبن والجر وكسيت أرضيتها بالجص، وبدت مصنوعاتهم بأشكال متعددة وزخارف متنوعة. ينقسم الفخار إلى نوعين: دنيوي وجنائزي. يمثّل الفخار الجنائزي المدافن أو التوابيت الفخارية، وبعضها على شكل بيوت ترتكز على قوائم أسطوانية بأربعة أرجل ولها سقف دائري غير مزخرف، وتوابيت أخرى مؤلفة من صندوق مستطيل من الطين، يميل من الأعلى مثل "الجمالون" وعليه زخارف بأسلوب اللوحات الجدارية التي عثر عليها في الغسولية، وقد وجدت قرب قرية الخضيرة على الساحل الفلسطيني. ربما كانت تلك التوابيت مخصصة لحفظ عظام الموتى بعد فناء لحومهم أو لدفن الأطفال منذ البداية (قارن شكل 39). وهناك جرار فخارية كان يوضع بها الأطفال الموتى ويدفنون تحت أسس المباني. وقد وجدت نماذج من الفخار الرمادي المصقول والأيدي المموجة في مصر السفلى وتعود لعصر ما قبل الأسرات. كما عثر في مجدو على أقدم أنواع الفخار المزين والمنقوش بزخارف كثيرة والملون وبه تطعيم. يعتبر فخار أريحا من أجمل الأنواع، ويتميز بتعدد أشكاله وتنوعها. تنوعت أشكال الفخار في تليلات الغسول وبئر الصفدي، وقد عثر في تل جازر على أوان فخارية مملوءة بالطعام والشراب بجوار الموتى. تميز موقع وادي أرباح بصناعات فخارية مصقولة. يعتبر موقع أبو مطر شمال صحراء النقب من المواقع النحاسية الهامة التي تدل على استخدام النحاس وعمليات صهره في وقت مبكر. كشف عن أدوات وآلات نحاسية وحجرية زراعية، وحلي وأدوات تزين من العاج بحليات آدمية، وبجانب الأواني الفخارية كشف عن أواني حجرية من البازلت. كانت مساكنها مستطيلة الشكل وتتكون من أكثر من غرفة ومبنية بالطوب اللبن المجفف وأرضيتها مطلية بالجص، وتميزت منحوتاتهم بتماثيل المعبودة الأم. في بئر السبع، قام أهل تلك الحضارة في موقعهم والمواقع التابعة بزراعة القمح والشعير والعدس وحصدوها بمناجل من الظران، وربوا الماعز والكباش والأبقار وصنعوا الزبد، واستخدموا الكلاب ربما للحراسة. نحتوا التماثيل الآدمية وينسب إلى تلك الحضارة أحد تماثيل المعبودة الأم المشهورين في الشرق الأدنى بشكلها المميز الحامل وواضعة يدها أسفل بطنها. أما عن منازلهم فقد حفروا بعضها داخل الصخور، كما في بئر صفدي، ويؤدي إليها ممر أو ممار، والممر يؤدي بدوره إلى غرف جانبية حفرت في الصخر. تمثلت البيوت الكهفية هذه في حجرات سفلية مستديرة أو بيضاوية يصل إليها الأهالي عن طريق درج أو أنفاق أو آبار رأسية تؤدي إلى ممرات تنتهي بالغرف. يرى البعض أن تلك النوعية من المساكن كانت لبيئة حارة نهاراً وباردة ليلاً وتحمي من العواصف. في مرحلة لاحقة، أقيمت منازل أخرى من الطوب اللبن لها أساسات من الحجر بينما غطيت أرضيتها بالحصير وصنعت الأسقف من جذوع الشجر. في بئر صفدي، التابع لحضارة بئر سبع، كشف عن مستوطنة نحاسية بها مدافن أسفل المساكن، فضلاً عن المساكن الكهفية والمقابر الصخرية. كما تقدمت الصناعات من العظم والعاج والممثلة في أدوات التزين والتماثيل الصغيرة ذات الوجوه الغريبة. في موقع كهف بالماهيم، الذي يقع بالقرب من مدينة حيفا، كشف عن مجموعة من التوابيت الفخارية الجنائزية الملونة والمخصصة لدفن الأطفال والمشكلة على هيئة ربما منازل ذات سقف جمالوني ومداخل واسعة، وبها بقايا الهياكل العظمية مع بعض القرابين من أوانٍ فخارية وأدوات حجرية ونحاسية وخلافه. كما وجدت مثل تلك الفخاريات في كل من منطقة أزور وبين شمين والتي استخدمت كمدفن أطفال أو مستودع عظام. في موقع شقميم، كشف عن عدة مساكن تتكون من أكثر من غرفة، وكان بها أماكن لطهي الأطعمة، وعثر بها على العديد من الأواني الفخارية مختلفة الأشكال وأدوات نحاسية وحجرية ومنحوتات بازلتية وخلافه. كما كشف عن منشآت أخرى ذات مساحات كبيرة قد تكون أماكن عبادات. بالقرب من شقميم، وفي موقع جيلات، كشف عن معبد عثر به على مجموعة من اللقى الهامة، أهمها منحوتة فخارية ملونة مميزة للمعبودة الأم تحمل إناءً للبن، وتمثال فخاري لكبش فوق ظهره ثلاث أبواق. ثم مقصورة ثانوية في الشرق ولها مدخلان، الأول في الشمال والآخر في الشرق. لعل من أهم المواقع التي ترجع للعصر النحاسي هو كهف نحل قناة الذي يقع شمال الضفة الغربية، حيث كشف به عن كنز ذهب عبارة عن ثماني حلقات من الذهب والإلكتروم استخدما كحلي، فضلاً عن بقايا فخارية وعظام آدمية وأدوات حجرية تبدأ تاريخه من العصر الحجري الحديث الفخاري. الجدير بالذكر أن أنواعاً متعددة من الأواني الفخارية خلال العصر الحجري النحاسي ومن قبله الحديث في فلسطين قد أظهرت التأثيرات الحضارية المتبادلة بين مصر وفلسطين والمعاملات التجارية، مثلها مثل بعض أنواع الأدوات الحجرية وأدوات الزينة وعادات الدفن أسفل المنازل وغيرها. بل وازدادت عمليات التأثير والتأثر خلال العصر البرونزي المبكر في فلسطين وعصور ما قبل الأسرات أو الحضارات النقادية الثلاثة في مصر في المنشآت المعمارية والأواني الحجرية ونقوش الأواني الفخارية وأشكالها، وظهر ذلك مثلاً في تل عريتي، وادي الجات، تل حاليف، عين بيسور، وفي المعادي وجنوب ووسط سيناء، وجرزة على مشارف الفيوم. انتقلت فلسطين بقوة وتقدم حضاري هائل إلى العصر البرونزي حيث ظهرت أعداد كبيرة من المدائن المقطوعة في الصخر والتي تنسب إلى جماعات وضعت نهاية لحضارة العصر الحجري النحاسي. **خاتمة وأهم النتائج:** لقد أسهم الإنسان في أرض فلسطين، منذ أقدم العصور الحجرية، بدور بارز في بناء الحضارة الإنسانية. فشواهده تعود إلى العصر الحجري القديم منذ حوالي مليون سنة والعصر الحجري الوسيط منذ حوالي 10 آلاف سنة، واستمرت بطبيعة الحال الحضارة الفلسطينية خلال العصرين الحديث والنحاسي بنفس أهل فلسطين أصحاب الحضارات الأقدم ودون تدخل أجنبي كما يرى البعض. إن الأحوال المناخية مع كثرة الكثافة السكانية وازدياد الخبرات البشرية ساعدت على قدرة الإنسان على التفاعل مع معطيات البيئة من حوله في فلسطين، وأدت إلى التحولات الحضارية في نهاية الألف التاسع ومطلع الألف الثامن قبل الميلاد (عصر النيوليت ما قبل الفخار أ). أصبح الإنسان منتجاً للطعام بعدما كان جامعاً، فقد تخلى عن الالتقاط والصيد، ودجن الحيوانات (كالبقر والغنم والماعز)، واضعاً بذلك دعائم نظام اقتصادي إنتاجي جديد، مختلف عن النظام الاقتصادي الاستهلاكي السابق. هنا هيئت الظروف للاستقرار وتشييد القرى الدائمة خلال العصر الحجري الحديث، والتي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المحاصيل الزراعية والحيوانات المستأنسة لتأمين إمداداتها من الغذاء، قبل 7000 سنة قبل الميلاد، وكانت قادرة على دعم المدن التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 1000 نسمة مثل أريحا. واستنبتت زراعات جديدة كالعدس والحمص والفول وأشجار الكرمة والتين والزيتون. وظهرت آنذاك العمليات المرتبطة بإنتاج الأغذية من السلع الأخرى، مثل القماش والفخار.