1) المفردات ومعانيها الفاسق) هو من انحرف في دينه وعقيدته ، والشرع (۱). بنيا) الخبر. الكذب. فيصيبكم الغم وتتمنون أنه لم يقع. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ) وهو تحذير بألا يقولوا الباطل، لأن الله يعلمه بالحال. لعنتم): لوقعتم في الجهد والهلاك والإثم والعنت: هو المشقة والجهد. الكفر) تغطية نعم الله تعالى بجحودها. مأخوذ من الرشاد وهو إصابة الحق واتباع طريق الاستقامة. والله عليم): بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل (حكيم) أي ذو الحكمة البالغة، والحكم التام. قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَيَا فَتَبَيَّنُوا ) . هذا نداء ثالث ابتدئ به غرض آخر وهو آداب جماعة المؤمنين بعضهم مع بعض، وخص ذكر الفاسق لأنه مظنة الكذب وهو الذي ما يحرمه الشرع من الكبائر. سبب نزول الآية: وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عباس والحارث بن ضرارة الخزاعي أن هذه الآية نزلت بسبب قضية حدثت ذلك أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتي بصدقاتهم، أو لما استبطئوا مجيئه، فإنهم خرجوا لتلقيه، أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعليهم السلاح، وأن الوليد بلغه أنهم خرجوا إليه بتلك الحالة، وهي حالة غير مألوفة في تلقي المصدقين، وحدثته نفسه أنهم يريدون قتله، أو لما رآهم مقبلين كذلك على اختلاف الروايات خاف أن يكونوا أرادوا قتله، إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية فولى راجعا إلى المدينة. وأنهم منعوا الزكاة فغضب رسول الله ﷺ وهم أن يبعث إليهم خالد بن الوليد، وفي رواية أنه بعث إليهم خالد بن الوليد، وأمره ألا يغزوهم حتى يتثبت أمرهم، فوجدهم يقيمون الصلاة، فأخبرهم بما بلغ رسول الله ﷺ عنهم، وقبض زكاتهم، وفي رواية أخرى أنهم ظنوا من رجوع الوليد أن يظن بهم منع الصدقات فجاؤوا إلى النبي ﷺ متبرئين من منع الزكاة ونية الفتك بالوليد بن عقبة) (۱). وهذه الآية أصل في الشهادة والرواية من وجوب البحث عن دخيلة من جهل حال تقواه، وأصل عظيم أيضًا في تصرفات ولاة الأمور وفي التعامل بين الناس بعضهم مع بعض من عدم الإصغاء إلى كل ما يروى ويخبر به والحذر من الشائعات. والأمر بالتبين أصل عظيم في وجوب التثبت، وألا يتتبع الحاكم القيل والقال، ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من الظنون والأوهام. وإنما كان الفاسق معرضًا خبره للريبة والاختلاق لأن الفاسق ضعيف الوازع الديني في نفسه، وضعف الوازع يجرئه على الاستخفاف بالمحظور، وبما يخبر به في شهادة أو خبر يترتب عليهما إضرار بالغير أو بالصالح العام) (1) . فبدأ الآية بـ (اعلموا) للاهتمام، فإنه أعلم بمصالحكم فاتبعوا ما شرع لكم رسول الله ﷺ من الأحكام ولو كانت غير موافقة لرغباتكم. فإنه لو أطاعكم في كثير مما تخبرون به من الأخبار وتشيرون عليه من الآراء غير الصائبة لأدى ذلك إلى التعب والإثم والهلاك، ولكنه يتريث حتى تتضح الأمور، أو يأتيه الوحي المسدد من الله تعالى. وفي قوله: ﴿ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ ) مراعاة الجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضًا تعليم حسن، وإشارة إلى تصويب رأي بعضهم، ولهذا استدرك مشيرًا إلى رأي بعضهم في ضرورة التريث إلى أن يتبين أمر بني المصطلق، والمعنى: ولكن الله لا يأمر رسوله إلا بما فيه صلاح العاقبة وإن لم يصادف رغباتكم العاجلة وذلك فيما شرعه الله من الأحكام، فحبب إليكم الإيمان الذي هو الدين الذي جاء به رسول الله ، ودعاكم إلى حبه والرضا به، فامتثلتم. وفي قوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ) تعريض بأن الذين لا يطيعون رسول الله ﷺ فيهم بقية من الكفر والفسوق والعصيان، وتحذير لهم عن الحياد عن مهيع الإيمان، وتجنيبا لهم ما هو من شأن أهل الكفر. فالخبر في قوله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمان ) مستعمل في الإلهاب وتحريك الهمم لمراعاة محبة الإيمان وكراهة الكفر والفسوق والعصيان أي: إن كنتم أحببتم الإيمان وكرهتم الكفر والفسوق والعصيان فلا ترغبوا في حصول ما ترغبونه إذا كان الدين يصد عنه وكان الفسوق والعصيان يدعو إليه. وفي هذا إشارة إلى أن الاندفاع إلى تحصيل المرغوب من الهوى دون تمييز بين ما يرضي الله وما لا يرضيه أثر من آثار الجاهلية من آثار الكفر والفسوق والعصيان. و تزينت به قلوبهم، وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان هم المستقيمون على طريق الحق والذين تلبسوا بالفسق إذا أقلعوا عنه التحقوا بالراشدين. وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان تفضلا منه عليكم وإنعاما منه عليكم، حكيم في تدبير شؤون خلقه، ذو الحكمة البالغة والحكم التام. ٣) أهم الفوائد والأحكام المستنبطة من هذه الآيات: أ - وجوب التثبت من الأخبار والروايات والشائعات، منعًا من الإيذاء والندامة.