المسيرة الخضراء هي ملحمة إنسانية كبرى عبرت على عبقرية الشعب المغربي و قدرته على الخلق و الإبداع و الانحياز إلى مبادى السلم و السلام العالمي في زمن التقاطبات الأيديولوجية و العنف المسلح و المواجهات العسكرية المفتوحة ، المسيرة الخضراء نجحت في استرداد الأرض و الحفاظ على شرف الأمة و تاريخها المجيد دون أن تسفك قطرة دم واحدة فوق ترابها المقدس أو أن تطلق رصاصة واحدة غادرة على أكثر من 350 ألف مغربي لبوا بنظام و انتظام نداء أب الأمة القائد الرمز المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه من أجل تنظيم مسيرة شعبية شاركت فيها كل مكونات الأمة المغربية في ظل الإجماع الوطني و وفود مؤمنة بعدالة القضية من مختلف دول المعمور، ليتحول هذا الإنجاز التاريخي الكبير إلى عرس وطني حضاري عالمي تناقلته مختلف وسائل الإعلام الدولية و تتبعته مختلف الدوائر الفاعلة الدولية و علم الإنسانية جمعاء أرقى معاني ارتباط الشعوب بقيادتها و قدم للعالم أعظم صور إيمان الشعوب بالسلام، لكي نضع حدث المسيرة الخضراء في سياقها الحقيقي كملحمة إنسانية ستبقى مصدر الفخر الوطني و اعتزاز لكل مغربي و مغربية عبر التاريخ، فقد جاءت كرد إنساني من أرض مقدسة و شعب عظيم و ملك يمتلك كل مواصفات الشخصيات التاريخية الكبرى بعد عقود عاشها العالم من الحروب و القتل و الدمار ، و بشكل متزامن مع حرب فييتنام التي هي الأخرى عرفت مآسي كبرى و بعد سنتين من حرب أكتوبر و أقل من عقدين بعد انتفاضات الاستقلال المسلحة و حروب التحرر العسكرية في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية ، فكانت المسيرة الخضراء هي جواب الإنسانية في عالم التقاطبات الجيوسياسية و التدافع الإيديولوجي المجنون الذي أدى ثمنه الملايين من الأبرياء و المدنيين في مختلف دول المعمور. واحة السلام التي بشرت بها قيم المسيرة الخضراء و التي جاءت بعد الرأي الاستشاري القانوني لمحكمة العدل الدولية في لاهاي و التي أكدت على الروابط الدينية و الشرعية و السياسية المتينة بين العرش العلوي المجيد وساكنة الأقاليم الجنوبية، مؤكدة على السيادة الوطنية و التضامن الوطني لتحقيق استكمال الوحدة الترابية، بينما كانت المسيرة الخضراء تتوج الإجماع الوطني بإعلان سلمي حضاري للعالم، هي حرب الدفاع عن الوحدة الترابية وسيادة الأمة ، حيث جسدت القوات المسلحة الملكية بمختلف أفرعها درجات عليا من الروح الوطنية والغيرة على الوطن و نكران الذات، قدمت بكل إخلاص و شجاعة التضحيات الجسيمة بروح الفداء للوطن و العرش، مؤمنة بأن كل شبر من الصحراء المغربية هو جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية. وضمانة حاسمة لوأد كل المحاولات اليائسة التي سعت لعرقلة العودة المظفرة للصحراء إلى كنف الوطن، الأكيد أن المملكة المغربية قامت بالتصدي لمشاريع الهدم و التقسيم و الهيمنة من خلال مواجهة عسكرية و ديبلوماسية مفتوحة مع الأدوات الانفصالية و مموليها و داعميها طوال عقود بعد استنفاذ كل الجهود السياسية لبناء أسس سلام دائم و استقرار يخدم مصالح شعوب المنطقة ، و بعد عقود أخرى من حالة اللاحرب و اللاسلم التي واجهها المغرب منذ اليوم الأول بجهود تنموية جبارة استفادت منها ساكنة الأقاليم الجنوبية كباقي رعايا العرش العلوي المجيد من طنجة إلى الكويرة حيث عرفت هذه الأقاليم العزيزة على كل مغربية و مغربية نهضة تنموية جعلتها أكثر الصحاري أمانا في العالم و تحولت معها مداشر و مدن الصحراء المغربية إلى نموذج عالمي و قاري في التنمية المندمجة و التطوير الشامل للبنية التحتية و الازدهار الاقتصادي و الارتقاء الاجتماعي بالساكنة ؛ المسيرة الخضراء المظفرة هي تجسيد قوي لالتزام العرش العلوي المجيد بمهمته التاريخية و الشرعية و الدستورية في ضمان سلامة الوطن و وحدة أراضيه و تماسك العرى الاجتماعية و الاقتصادية خدمة للقضايا الوطنية العادلة و الدفاع عن المقدسات الوطنية و الحفاظ على مقومات الأمن القومي و المصالح العليا للشعب المغربي و على هذا الأساس فالعرش العلوي المجيد هو المعبر الوحيد و الأوحد والأسمى لطموحات و تطلعات و آمال الشعب المغربي العظيم في العيش الكريم و الكرامة و الحرية . فقد استمرت المعركة الديبلوماسية إلى حدود كتابة هذه الأسطر حيث عرفت مختلف عواصم القرار العالمي و القاري و الإقليمي مواجهات سياسية كبرى انتهت بتقزيم الطرح الانفصاليالخض راء و تثبيت السيادة المغربية على أقاليمنا الجنوبية في عملية ديبلوماسية نوعية مستمرة في الزمان و المكان سيتوقف التاريخ طويلا ليحكي يوما عن بطولات رجال و نساء الديبلوماسية المغربية و المصالح الخارجية من عمل نوعي كبير و تضحيات جسام في سبيل إحقاق الحق و خدمة المصالح العليا للشعب المغربي وفق الرؤية الملكية المتبصرة و هو ما أكد عليه خطاب جلالة الملك محمد السادس في الذكرى الثامنة و الأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة قائلا : ” كما مكنت تعبئة الدبلوماسية الوطنية، وتزايد الدعم الدولي لوحدته الترابية ، و على هذا الأساس يواصل جلالة الملك محمد السادس، ووضع ملف الوحدة الترابية للمملكة المغربية في صلب إهتمام الدبلوماسية الوطنية، مؤكداً أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الحل الوحيد والواقعي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل بدعم مختلف دول المعمور و مساندة كل القوى الدولية الفاعلة في القرار السياسي العالمي ، ليحول المملكة المغربية إلى فاعل إقليمي ودولي يتمتع بالريادة الإقليمية ، مقدمًا على مر العقود أغلى التضحيات بكل سخاء وبسالة من أجل صيانة وحفظ السيادة على الصحراء المغربية. حيث جسدت كل أسرة وكل فرد في هذا الوطن الكبير أروع صور الوفاء والتضحية ونكران الذات ، بل امتدت لتشمل تحمل الأعباء الاقتصادية والدفاعية خلال سنوات التحدي والمواجهة، والوقوف صفاً واحداً خلف الرجال الأبطال في القوات المسلحة الملكية تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك القائد الأعلى و رئيس أركان الحرب العامة . لقد تحمل الشعب المغربي العظيم في سبيل هذه الملحمة الأعباء الجسيمة للمجهود الحربي الذي صان التراب، هو ما جعل الصحراء المغربية تتحول إلى واحة أمن وإستقرار و تقدم، والضمان الأكيد لوحدة الوطن وكرامته.