فينبوع الكلم فاض من قلمه بسخاء غير معهود، ونفث شيئا من روحه - الولهى الباحثة عن الاستقرار:[« طلبت الاستقرار بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرا»( أبو العتاهية) فاتحة الرواية]- على أعتاب المقروئية، وذلك من خلال روايته:" حدث أبو هريرة قال. فكما بعث المسعدي أبا هريرة اسما ومعنى من أعماق الماضي كذلك بعثه شكلا وأسلوبا في تناسق فني متين». إن هذه الرواية والتي تعد من النماذج المبكرة في الرواية المغاربية بل العربية عموما المستوعبة للتراث، أكثر وعيا في عودته إلى أعماق التراث، وبالتالي الابتعاد قدر الإمكان عن التوظيف الساذج أو السطحي أو المكرور له، وإذا كانت رواية" حدث أبو هريرة قال. نموذج من الإنشاء الفني المبتكر ورهان كبير على الثقافة العربية وقدرتها على الخلق الأصيل»، فما هي الأسئلة التي تطرحها؟ ماذا عن مضامينها وما طبيعة التقنيات السردية التي توسلت بها؟ والنص الموازي – من وجهة نظره- هو ما يجعل من النص كتابا . L.Borges) المقدمة/ الباحة التي تسمح بالدخول أو بالارتداد إلى الوراء». فإن العتبات المحيطة بالنص هي« أول لقاء مادي ومحسوس بين الكتاب والقارئ الذي تراهن إستراتيجية الكتابة على حسه وحدسه الإبداعيين، ولأجل ذلك فإن أولى المناورات والمغامرات ارتحالا إلى عوالم الرواية ستكون مع العنوان باعتباره «علامة جوهرية للمصاحب النصي»، أو بتعبير آخر: « خطابا كاليغرافيا قارا ومستقلا عن مصدره وسياقه». يعد العنوان علامة إشهارية للنص وبطاقة تعريفية تحدد هويته ، ليتحول -وفق هذه المعطيات- «إلى منطقة إستراتيجية، ويعبر بطريقة مخصوصة، فهو يمثل البنية الأصغر لكنها البنية الأكثر جاذبية للقارئ، وإذا كان العنوان ذو علاقة تكاملية وترابطية مع الرواية؛ إذ أن الأول يعلن والثاني يفسر؛ ما يعني أن العنوان يرتبط بالمتن الروائي ارتباط السبب بالنتيجة، فإن هذا الأمر لا يتفق مع عنوان رواية من طينة "حدث أبو هريرة قال. وهو ما يؤكد على أن هذا العنوان إنما يتموضع على تخوم الرؤى الخلافية، والحقيقة أن جملة العنونة في هذه الرواية للمسعدي- والتي تحولت إلى نص مؤسس وعلامة لافتة للنظر في الخطاب القصصي التونسي- تقبع خلفها إحالات شتى ونصوص عديدة وذاكرة تمتد نحو البعيد، وتوطد علائق ذات عرى مكينة مع نصوص سابقة وأخرى متزامنة يستحضرها الروائي وهو مشدود إلى لحظة الكتابة لحظة هاربة من زمنيتها متعالقة مع الأزمنة القصية، في ظل حضارة سادت فيها الكلمة المنطوقة، وهذه الصيغة التعبيرية كانت متواترة في السرديات العربية الشفوية، ومن ثمة مواجهة فرضية تناص هذا العنوان مع العوالم التخييلية للموروث السردي العربي القديم. الواردة قبل الفعل، يقول الباحث السعيد بوطاجين دائما مؤكدا على ذلك: « تكمن القضية الخلافية، فهو" أبو هريرة" الذي يحيل على شخصية دينية مرجعية لها وجود حقيقي عبر الصيرورة التاريخية، مع الإشارة إلى أن الشخصية المرجعية في نظر فيليب هامون تحيل على معنى ممتلئ وثابت رسمته ثقافة معينة. لذلك فإن قراءتها تبدو مشروطة بدرجة استيعاب القارئ للثقافة التي أنتجتها. فمن يكون أبا هريرة الذي هندست ملامحه نصيا يا ترى؟ وتهندس له هيكله العام، فتوضح مراحله الكبرى، وعلى خلاف العنوان الرئيس الذي لا غنى عنه، أو حديث الحق والباطل؛ ويثير جملة من الأسئلة الوجودية حول الحياة والموت؛ أما حديث الجماعة والوحشة، وتنشئ لحظة التعارف كما في حديث التعارف في الخمر. على الرغم من تتابعهما من حيث ترتيب الأحاديث إلا أنهما لا يخضعان لتتابع الأفعال، التصدير: بعد الإهداء( إذا كان موجودا) وقبل التمهيد أحيانا» . وتستعيد الذاكرة رسم الأسماء والأشياء التي طال عهدنا بها، يقول فيها: يخرج بيت أبي العتاهية من سياقه الأصلي إلى سياق جديد، بل عن تجربة ذات بلون من الألم يلخص مسيرة أبي هريرة، المحفوفة بالمخاطر. الرحيل بما هو اكتشاف للذات واختبار لامكاناتها، وسفرا في اتجاه البواطن وتحقيقا للرغبة في إعادة اكتشاف الذات والعالم والبحث عن المعنى الخفي والتطلع إلى آفاق جديدة، لذلك كان التبئير على العين في بيت أبي العتاهية( لم أر) التي يتسع مجالها ها هنا وتقبع وراء كل حدث وزاوية نظر، يعيش في مكة المكرمة التي ترمز إلى التقيد بالروابط الاجتماعية والطقوس الدينية، متزوج بطريقة شرعية، يمثل الرجل التقليدي فارغ الكيان في عالم راكد لا حراك فيه، وصلته به تقوم على التسليم بكل شيء إلى أن يأتيه صديق له يدعوه إلى الخروج عن المألوف:« جاءني صديق لي يوما فقال : أحب أن أصرفك عن الدنيا عامة يوم من أيامك، وقد كان الخروج من مكة فجرا[ والفجر هنا يرمز لابتداء المغامرة الوجودية] إلى الصحراء« بوصفها فضاء أرحب يحتضن تجربة الفتى والفتاة ويخرج بها من قيم المدينة ومتوارث أخلاقها ودينها إلى قيم جديدة تبني ثقافة الجسد أداة لوعي الذات والعالم. فإذا الجسد بإمكاناته التعبيرية وأنساقه الرمزية أداة تعبير يفصح ويقول ما لا تقوله الكلمات. ». وإذا كان البعث الأول يفصح عن تجربة ذات في علاقتها بذاتها أو بالآخر من حولها، ورمزا للقيم الروحية والمناخات البعيدة التي لا يمكن للإنسان بلوغها إلا بعد مجاهدة ومكابدة ورحلة صعبة فيها من العنت الكثير. التحق أبو هريرة بصديقه، اكتشف أبو هريرة- وهو يخرج من كهفه المسيج بطوطم السحر وبالأسطورة ليرى أكداس الحياة وهي تتفاعل بعنف وتمتد بصلابة، 4-1- الزمن: غير المرئي، وفي كل مكان من حركاتنا، ولا أن نراه ولا أن نسمع حركته الوهمية على كل حال». وقد أشرنا - فيما سبق- إلى أن المسعدي كان قد استثمر الأحاديث حسب ما« تقتضيه أحدث أساليب البناء القصصي. فقد عمد الروائي إلى التلاعب بزمن الرواية، غير منتظمة، فيكون القارئ مسافرا حسب عرض البطل أو الراوي للأزمنة، فيعرج به مرتدا إلى الماضي أو متجها نحو المستقبل، والتي يعرفها جيرار جينيت بقوله: هو « كل حركة سردية تقوم على أن يروى حدث لاحق أو أن يذكر مقدما»، بل كثيرا ما تعصف لعبة الزمن بتتابع الأفعال داخل الحديث الواحد، كما تعصف بالترتيب المنطقي للأحاديث، وهذا في حد ذاته مظهر من مظاهر الحداثة في النص الروائي. قال: حدثت ريحانة قالت:. ». 4-2- المكان: المكان – كما يعرفه الناقد حميد لحميداني- هو:«العالم الواسع الذي يشمل مجموع الأحداث الروائية ويشمل جميع الأشياء المحيطة بنا، فالمقهى أو المنزل أو الشارع أو الساحة كل واحد منها يعتبر مكانا محددا»، تبدو رواية" حدث أبو هريرة قال. ولأجل ذلك جاء المتن النصي ليكرس حضور الإنسان الفرد الراحل دوما في المكان بحثا عن معنى الوجود. والحقيقة أن الإطار المكاني في الرواية لم يكن إطارا بقدر ما كان مساحة نفسية يحمل الكثير من دلالات المرحلة ويوحي بحالة البطل النفسية، فكلما أحس البطل بالانقباض والوحشة ضاق المكان رغم اتساعه وكلما أحس البطل بالاتساع والانشراح امتد المكان رغم ضيقه مشيرا إلى تجربة الحس؛ تعبر عن مراحل البحث الوجودي للشخصية المحورية، ويمكن استظهار هذه الأماكن على النحو الآتي: الأمكنة المنفتحة: المكان المفتوح هو «حيز مكاني خارجي لا تحده حدود ضيقة يشكل فضاء رحبا وغالبا ما يكون لوحة طبيعية للهواء الطلق، كما يمتاز بأفقه الواسع الذي يرمي إلى الانفتاح الفكري والنفسي فضلا عن الاجتماعي»، وهي من الأماكن المنفتحة، وفي ذلك نشدان للالتحام بالمطلق والأنقى والأصفى؛ ب- الأمكنة المنغلقة: تندرج من الخاص الشديد الخصوصية( غرفة النوم) إلى العام المتاح بين كل الناس( الشارع) ولكل من هذه الأماكن دلالتها»، ويشمل في الرواية: *-البيت: