ي بسم الله الرحمن الرح� َ . َسِب َ يل َك َو ِق ِ� ْم َع َذ َ اب ْجَ ال ِحي ِ� ي . ﴾ اللهم اغفر ل ب ي ذن� ي ، ووسع ل ف ي� ب داري، في آيتين من كتاب الله تعالى عرض الحق عز وجل على عباده جزاء الآخرة وجزاء َّ القرب منه، وحرض على السباق إلى الجائزة، وحدد شروطه، ﴿ َو َسارِ ُعواْ إِ َل َم ْغ ِف َر ٍة ِّمن َّر ِّب ُك ْم َو َج َّن ٍة َع ْر ُض َها َّ الس َم َ او ُ ات َوالأَ ْر ُض ُأ ِع َّد ْت لِلْ ُم َّت ِق َين ال يُ ِ نف ُق َ ون ِف َّ َّ الساء َو َّ َّ الضاء َوالْ َك ِظ ِم َين الْ َغ ْي َظ َوالْ َعافِ َين َع ِن النَّ ِ اس َو ُ الله ُيِ ُّب الْ ُم ْح ِسنِ َين. هتان الآيتان وما يليهما من القرآن تشرطان الإحسان بقوة العباد على ضبط أنفسهم، ُّ وبسماحة هذه النفوس وتحك َّ مها في سلوكها مهما كانت الظروف استفزازية ِّ ضيقة. ُ وإن الأقوياء الأمناء الموعودين بالخلافة الثانية لفي أمس الحاجة إلى تؤدة الصبر والأناة وكظم الغيظ لإحقاق الحق وبناء الأمة بقدر ما هم بحاجة إلى القوة العازمة المنضبطة لإبطال الباطل. ُ تحته لنسف أصوله، أما بعد نزع قوة السلطان من الأيدي الخبيثة فحاجة المؤمنين المحسنين لتؤدة الرفق وكظم الغيظ والعفو عن الناس تزداد إلحاحا. ُي ِّ خل َف ُ آثاره الفاسدة المفسدة المتمثلة في أقوام بأعيانهم وفي تضامنات وعصبيات ومصالح متحجرة مشتبكة مع مصالح جمهور الأمة. َ الثوري الذي يوصي بالقتل والسفك وتخريب ب ْي ِت َّ كل من انتمى مر ًة للماضي حل ً غير إسلامي. وليس الرفق هو السكوت عن الماضي جملة. فلا بد من رد المظالم، ُ ولا بد من كنس الق ِّ مامة، ولا بد من التغيير الجذري. والرفق في هذه العمليات، والأناة فيها، وحقن الدماء هي الحكمة المطلوبة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، العنف. » أخرجه مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها. رحمه الله عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستخف لا يزال في بداية تبليغه لرسالته، وما النبي؟ فقال: «رسول الله! فقلت: ومن أرسلك؟ قال: «الله عز وجل. ُ أرسلك؟ فقال: «بأن توصل الأرحام، وت ْح َق َن ُ الدماء، وت ْكسر الأوثان. » الحديث. إن الثورات تبني قوتها على الغضب الجماهيري على الأوضاع القائمة المكروهة وعلى الوعود بالبديل الأفضل. ثم لا شيء بعد نجاح الثورة واستقرار الانقلاب، إلا ُّ العنف الثوري وتصفية الناس. رضي الله عنه من نحن؟ ومن ابتعثنا؟ وبماذا ابتعثنا؟ ونستحضر أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم ِ الذي أعلن منذ البداية أن دينه ص َل ُة َّ الرحم وحقن الدماء، وتقويض بناء الشرك وإقامة دولة التوحيد والعدل والإحسان. وسيرته العطرة أمثلة فائقة للتؤدة والرفق والعفو والصفح الجميل. روى ابـن كثيـر رحمـه الله في تفسـير قولـه تعالـى لنبيـه صلى الله عليه وسلم: ﴿ ُخـذ بِالْ ُع ْ ـر ِف َوَأ ْع ِ ـر ْض َع ِ ـن َْ ال ِ اهلِ َ ني ﴾((( َّ أن عبـد الرحمن بن زيد بن أسـلم رحمه الله فسـر ﴿ ُخ ِ ـذ الْ َع ْفـو ﴾ بـأن الله عـز وجـل أمـر رسـوله صلى الله عليه وسلم بالعفـو والصفـح عـن المشـركين عشـر سـنين، ثـم أمـره بالغلظـة عليهم. تعالـى: ﴿ يَ َ ا أ ُّي َهـا النَّ ِ ُّب َج ِ اه ِ ـد الْ ُك َّف َ ـار َوالْ ُم َنافِ ِق َ ني َو ْ اغلُ ْظ َعلَ ْي ِه ْم ﴾(((، ْ يجاهدهـم بيـده، فـإن لـم يسـتطع فليك َف ِه َّ ـر في وجوههـم. ُ عنهمـا: جهـاد الكفـار بالسـيف، وجهـاد المنافقيـن باللسـان. أ ِ ذه َ ـب الرفـق عنهـم. علماؤنا الأولون كانوا حديثي عهد بالجهاد النبوي، للمنافقين والاكفهرار في وجوههم مواجهة كافية، وجهاد ناجع. َ كبيرا من هذه الغلظة الكلامية يصبح ضرورة غداة تسلم الحكم لفضح النفاق وأهل ْ النفاق وفكر النفاق ودسائس النفاق. ونح َ ترز من المنافقين بين ظ َ هران ْينَا، َ أبد ْو ً ا صفحة وجههم، وكشفوا سترهم، َ كان سيف الإسلام عليهم هو الرفق، وحدوده هي الصدق. َّ إن َأ ْخ َذ العفو والإعراض عن الجاهلين، للحق، لهما الخصلتان النبويتان الراشديتان، بِهما تكمل القوة والأمانة، ُ امتلاك النفس ومن ثم امتلاك الموقف. َّ في مجلس شوراه المكو ِن من القراء، أي أهل القرآن والعلم، كهولا وشبابا. َ له عيينة: «هيه يا ابن الخطاب! فوالله ما تعطينا الج ْز َل، ولا تحكم بيننا بالعدل. َّ فغضب عمر حتى هم ُ به. فقال الح ُّر بن قيس، الله تعالى قال لنبيه: ﴿ ُخ ِذ الْ َع ْف َو َو ْأ ُم ْر بِالْ ُع ْر ِف َو َأ ْع ِر ْض َع ِن ْ َ ال ِ اهلِ َين﴾(((. الجاهلين. قال الراوي ابن عباس رضي الله عنهما، ّ وشوراه: «فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه. وكان وقافاً عند كتاب الله. الله عنه. أخرج الحديث الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه. إن بناء الدولة الإسلامية الراشدية الثانية يريد رجالا من تلك الطينة الإحسانية َ القوية، وما عطاء الله لعباده ش َّح لفراغ خزائِنِه وهو الغني الوهاب. َّ وق ُ افين عند كتابه بالإرادة الواعية والقصد القاصد الـم َد ِّبر. لا تغلبهم القوة الغضبية، ((( التوبة، 3. ولا تقصر بهم الهمة عن جمع مكارم الأخلاق. عنه: «ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من قول الله عز وجل: ﴿خ َوْأ ُم ْربِالْ ُع ْر ِف َوَأ ْع ِر ْض َع ِن َْ ال ِ اهلِ َين. َّ ووجهوا قول جعفر بأن الأخلاق ثلاثة بِ َح َس ِب ُ الق َوى الإنسانية: عقلية، وشهوية، وغضبية. فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو، ُ والغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين. في كلمة «عفو» معنى القصد والإرادة. ُ عفاه واعتفاه بمعنى قصده م َت ِ ناو ًلا ِ ما عنْ َد ُه. » وفي معنى الآية، جعفر رضي الله عنه وتوجيه العلماء، على النفس وهي قمة الشجاعة والقوة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ُّ : «ليس الشديد بالص َر َع َّ ة، ُّ الغضب. » أخرجه الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه. يغلب الرجال في المصارعة ويكون في ذلك مشهورا شديد البأس. وإذا كان لتربيـة العقـل حتـى يشـتغل في خدمـة القلـب وخدمـة الأهـداف الإيمانيـة ُ الإحسـانية وسـائلها، وكان لتربيـة الشـهوة وإحصانهـا مثـل ذلـك، ّ علـى الشـجاعة العاليـة المتمث ِ لـة في امتال ُ ك النفـس عنـد الغضـب طر ُقهـا. َ هـذه التربيـة سـلوك شـعب الإيمـان ومعـارج الإحسـان حتـى يصفـو القلـب وتسـتقيم َ وجهته لله عز وجل، فيكون هو الأمير لا ُ الرعونة النفسـية، ولا الشـهوة، عندئذ يكون أمر الله عز وجل ونهيه، حرامه وحلاله، ُّ فيما عنده، الإخلاص له والوفاء والحب والقرب، هي البواعث والروادع. ثابت، وإرادة واعية حاكمة. وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا سأله وصية جامعة قائِ ْ لا: «لا تغ َض ْب. ُ يتوضأ المرء إذا ساوره الغضب، وأن يجلس إذا كان قائما، ويضطجع إذا كان جالسا. َ وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب س ْو َر ٌة شيطانية. ُ وجاء في حقن الدماء آيات في كتاب الله عز وجل وأحاديث نبوية. الله صلى الله عليه وسلم َ أمر أن ن ْد َ رأ الحدود بالشبهات لكيلا يجلد ظهر أو يقطع عضو أو ُت ْز َه َق روح َ ما و ِس َعنَ ُ ا اجتناب َّ ذلك، الكريم في قوله تعالى في القتل الخطإ: ﴿ َو ِديَ ٌة ُّم َسلَّ َم ٌة إِ َل َأ ْهلِ ِه إِلاَّ َأن يَ َّص َّدقُواْ. َ زادت السنة النبوية أن أهل القتيل إذا أص ُّروا على قتل القاتل العامد وفعلوها فهم الله صلى الله عليه وسلم ُرفِع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو. » إسناده حسن. ِّ عن نفس أنس أن رجلا أتى بقاتل ولي َ ه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ِّ فأبى. فقال: «خذ الد َّي ُ ة»! فأبى. فقال: «اذهب فاقتله! فإنك مثله»! فل ِحق الرجل، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قال: إن ق َت َل ُه َ فهو مثله! ف َخ َّلى سبيله. حسن. وعند البخاري في صحيحه: «باب ما يحقن بالأذان من الدماء. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بلدا رجع عنه بمجرد سماعه الأذان. قال الإمام عبد القادر رحمه الله: «يا غلام! لا بد من الحلاوة والمرارة والصلاح َ والفساد والكدر والصفاء. فإن أر ْد َ ت الصفاء َّ الكلي ففارق بقلبك الخلق، بالحق عز وجل. فارق الدنيا، ودع أهلك، وسلمهم إلى ربك عز وجل، ُعريانا عن الكل. واقرب من باب الآخرة ثم ادخلها. فاخرج منها هاربا طالبا للقرب منه. إذا وجدته وجدت كل الصفاء عنده. قلت: هذا هو الطريق الصوفي والسلوك الصوفي الذي ينبغي أن نهجره هجرا جميلا لنصل حبلنا بحبل الصحابة رضي الله عنهم، الصلاح بالفساد، والصفو بالكدر، والحلاوة بالمرارة. وللوطن يقابله في السلوك الجهادي تطهير الأرض من الشرك والفساد حتى نكون َّ كما يليق بعباد الرحمن، ونجد الله ربنَا كما وجدوا. آمين. ((( النساء، 2.