الرئيسية 2016: 12:00 ص GSTآخر تحديث: 21 فبراير ,2016: 11:50 ص GSTتتغير صناعة التكرير بسرعة كبيرة بسبب التحديات البيئية والعوامل الاقتصادية. وتمثل القيود البيئية في الغرب تحدياً كبيراً لصناعة التكرير نظراً لمعارضتها اقامة مصاف جديدة بل ويتم إغلاق كثير من المصافي القائمة بسبب الخوف من التلوث والتسريبات الغازية بالإضافة الى الانبعاثات الكربونية. وأما الجانب الاقتصادي فيتمثل بصعوبات تحقيق المواصفات التي تصدرها التشريعات في الدول الأوروبية وأمريكا من حيث محتوى الكبريت وغيره من المواد الضارة في البنزين والديزل وزيت الوقود. وتتطلب خفض كميات العطريات وخاصة البنزين العطري في الجازولين وهو ما يتطلب المزيد من العمليات ذات التكاليف الباهظة. وعلى سبيل المثال بلغ عدد المصافي بأمريكا في منتصف الثمانينات من القرن الماضي حوالي 300 مصفاة صغيرة وكبيرة وأما الآن فيصل عددها الى حوالي 120 مصفاة كبيرة ومتطورة تستطيع انتاج الديزل والبنزين بجودة عالية بالإضافة الى تكامل الكثير منها مع صناعة البتروكيماويات، وهذا ما يجعلها مربحة ومطلوبة. طبعاً توسعت المصافي القائمة وزادت طاقتها الاستعيابية لتستطيع تلبية الطلب الداخلي المحلي بأمريكا على المشتقات البترولية البالغ حوالي 18 مليون برميل باليوم، بالإضافة الى ظهور أمريكا في السنتين الأخيرتين كأحد أكبر مصدري المشتقات البترولية بالعالم الى جانب الهند وسنغافورة.شهدت أسعار النفط أحداثاً درامية حيث استمر مسلسل الانخفاض من منتصف عام 2014م الى الوقت الحالي. ولقد عانت الدول المصدرة للنفط الخام كثيراً لان الاسعار وصلت الى القاع وما زال المعروض من النفط اكثر من المطلوب بكثير. وتعد المملكة وروسيا اكبر دولتين مصدرتين للنفط الخام في العالم حيث يصدر كل منهما حوالي 7 ملايين برميل باليوم ولذلك يعتمد اقتصادهما اعتماداً رئيسياً على العائدات من بيع النفط. ولكن تملك المملكة احد اكبر احتياطيات النفط في العالم حيث وصلت الاحتياطيات المؤكدة من النفط السائل التقليدي الى حوالي 267 مليار برميل وهو أعلى من الاحتياطي الروسي بأكثر من ثلاث مرات. لذلك فإن المملكة تنظر لصناعة النفط كاساس وركيزة للنهضة ورافد استراتيجي لصناعة المستقبل.مادة إعلانيةتنتج المملكة يومياً حوالي عشرة ملايين باليوم لذلك فان الاحتياطي النفطي للمملكة سيكفي لمدة تزيد على 73 عاما عند مستويات الانتاج الحالية. ولان صناعة النفط متغيرة وأسعار النفط تتذبذب بشكل يصعب مراقبته وتوقعه فإن الحكمة وبناء المستقبل يحتمان بناء استراتيجيات مرنة تستطيع التكيف مع المتغيرات العالمية بدقة وحذر. ومن المعلوم ان صناعة النفط تنقسم الى قطاعين أساسيين هما: قطاع يختص بالتنقيب والاستكشاف وانتاج النفط والغاز (قطاع التنقيب والانتاج). وقطاع يختص بتصنيع وتكرير النفط الى مواد استهلاكية مثل وقود النقل والمنتوجات البتروكيماوية من بلاستيك وغيره (قطاع التحويل). ولكن عندما تنخفض أسعار النفط تقل أرباحه وتصل نتائجه الى حد الخسارة ولكن في هذه الفترة ترتفع أرباح قطاع التكرير والبتروكيماويات لتشكل طوق نجاة للشركات النفطية حول العالم.الواقع الحالي لصناعة التكرير بالمملكة وبالعالميعتبر تطوير صناعة التكرير بالمملكة هدفاً استراتيجياً للاستفادة القصوى من الاحتياطيات الهائلة من النفط. ويعرض جدول 1 القدرة التكريرية للمصافي العاملة بالمملكة والتي تصل وبدون مصفاة جازان الى حوالي 2.9 مليون برميل باليوم. وحينما يتم الانتهاء من تشييد مصفاة جازان سترتفع القدرة التكريرية لتصبح 3.3 مليون برميل باليوم وستصبح قدرة كبيرة تعد الاكبر بالشرق الاوسط. وحالياً تأتي المملكة في المرتبة السادسة عالمياً عند 2.9 مليون برميل باليوم بزيادة حوالي 0.8 مليون برميل باليوم عن عام 2010م وهذا يعني أن المملكة تتطور وتتقدم بسرعة لافتة للنظر في توسيع قدرتها التكريرية.ويمكن ملاحظة انه في الخمس السنوات الأخيرة خفضت كل من اليابان وفرنسا وبريطانيا وايطاليا قدرتهم التكريرية مجتمعة بحوالي 1.6 مليون برميل باليوم ورفعت كل من الصين والهند والمملكة وروسيا قدرتها التكريرية مجتمعة بحوالي 6 ملايين برميل باليوم وهذا يعني ان صناعة التكرير تهاجر من الدول الاروبية واليابان الى الدول التي تملك نموا اقتصادياً سريعا وايد عاملة رخيصة مثل الصين والهند والدول التي تملك قدرة انتاجية كبيرة كالمملكة وروسيا حيث مستقبل صناعة النفط قدرها وقدر شعوبها.ولو اردنا معرفة ترتيب دول العالم من حيث القدرة التكريرية، والحقيقة ان امريكا بشركاتها العملاقة مثل اكسون وشيفرون وكونوكو وUOP هم من طوروا هذا المجال ومن يملك اغلب التقنيات التي تجعل من المصافي عملا مجدياً اقتصادياً بل ومربحاً، اذ انهم طوروا العديد من العمليات التي تقوم على تحويل النفط الثقيل رديء الجودة مملوء بالشوائب الكبريتية والمعدنية والنيروجينية الى منتجات عالية القيمة. وحتى روسيا فقد زادت قدرتها التكريرية من عام 2010م بحوالي مليون برميل باليوم لتصبح الآن عند 6. وتأتي الهند رابعاً حيث تنشط الشركات الهندية بهذا المجال مستفيدة من قربها من دول الخليج العربي (دول المنبع) ورخص الأيدي العاملة لذلك يشهد العالم تطوراً ملحوظاً في قدرة الهند التكريرية التي ارتفعت عن عام 2010م بحوالي 0.6 مليون برميل لتصل حالياً الى حوالي4. وبعد الهند تأتي اليابان التي كان اتجاهها عكس اتجاه الهند تماماً فلقد كانت قدرة اليابان التكريرية في عام 2010م تقدر بحوالي 4.3 مليون برميل،6 مليون برميل باليوم لتصل الى 3.7 مليون برميل باليوم، وتعد اليابان من احسن الدول في تشغيل المصافي المتطورة الا انها ولاسباب كثيرة منها ارتفاع اسعار الخام في آخر خمس سنوات وانخفاض الطلب الداخلي الياباني على المشتقات النفطية وصعوبة المنافسة مع الهند وسنغافورة في تصدير المشتقات في آسيا اصبحت صناعة التكرير في اليابان غير واعدة. ولقد حافظت كوريا الجنوبية على قدرتها التكريرية منذ عام 2010م عند 2.8 مليون برميل باليوم .أهمية صناعة تكرير النفط وتكاملها مع قطاع الاستكشاف والانتاجانخفضت اسعار النفط بأكثر من 70% عن مستويات منتصف عام 2014م واصبح المنتجون بأوضاع صعبة لا سيما المنتجين اصحاب التكاليف المرتفعة مثل الزيت غير التقليدي والنفط المنتج من المياه العميقة او المناطق المتجمدة. وحتى منتجي الزيت التقليدي فكثير من الدول لديها تكاليف انتاج تتعدى 25 دولارا للبرميل. ولذلك اصبحت الاوضاع صعبة جداً على دول مثل فنزويلا وعلى الشركات المنتجة بتكاليف عالية.وفي هذه الاجواء حيث اسعار النفط تقترب من القاع، ويعرض جدول 2 امثلة واقعية على هذه الحقيقة، فعلى سبيل المثال فلقد ربح قطاع التكرير والبتروكيماويات لشركة شيفرون حوالي 7.6 مليار دولار في عام 2015م مقابل خسارة 2 مليار لقطاع انتاج النفط والغاز، واصبحت النتائج الاجمالية للشركة ربح حوالي 4 مليارات دولار وهكذا انقذ قطاع التكرير والبتروكيماويات شيفرون من تحقيق خسائر مؤكدة في عام 2015م. واما شل فلقد ربح قطاع التكرير والبتروكيماويات فيها في العام الماضي حوالي 9.8 مليار دولار لقطاع انتاج النفط والغاز وهكذا ساهم قطاع التكرير والبتروكيماويات في شل في رفع ارباح واداء شل في العام الماضي رغم انخفاض اسعار النفط والغاز. واما شركة كونوكو فيليبس فلقد ارتكبت خطأ استراتيجياً عندما تخلصت من قطاع التكرير والبتروكيماويات في الشركة وباعته في عام 2012م ليصبح شركة مستقلة تحت اسم شركة فيليبس 66. ولهذا شهدت شركة كونوكو فيليبس خسارة كبيرة وصلت الى 4.4 مليار دولار في عام 2015م لان ليس لديها قطاع تكرير وبتروكيماويات لينقذها من الانخفاض الكبير الحاصل باسعار النفط والغاز.ازدهار صناعة التكرير بالهندارتفعت القدرة التكريرية للهند بشكل لافت للنظر وبحسب مجلة النفط والغاز (OIL&GAS) فلقد ارتفعت قدرتها من حوالي مليون برميل باليوم الى 4.8 مليون برميل باليوم في عشر سنوات. وبهذا فلقد ازدهرت شركات تكرير النفط الهندية واصبحت من اهم المساهمين في دخل الهند من المال. فعلى سبيل المثال حققت شركة ريلانس الهندية لتكرير النفط ربحاً في الربع الاخير من عام 2015م (كان متوسط السعر العالمي للنفط حوالي 45 دولار للبرميل) يقدر بحوالي 11.5 دولار لكل برميل يتم تكريره وتحويله الى وقود مقارنة بحوالي 7 دولارات لكل برميل تم تكريره من الربع الرابع من عام 2014م عندما كان متوسط اسعار النفط العالمية حوالي 65 دولارا للبرميل. والجدير بالذكر ان هذا اعلى ربح لهذه الشركة القوية منذ سبع سنوات. واذا كانت الشركة تملك مصافي لديها طاقة تكرير تقدر بحوالي 1.24 مليون برميل باليوم وتستطيع تكرير الانواع الرديئة من النفط وبالتالي تستطيع تحويل النفط الرخيص الى مشتقات ثمينة، فهذا يعني انها تستطيع ان تجني حوالي 5 مليارات دولار سنوياً من صناعة التكرير.وهذا يعني لو ان مصفاة بالهند تقوم بتكرير حوالي 600 الف برميل باليوم ونفرض انها تعمل حوالي 300 يوم بالعام، فان ربحيتها ستكون حوالي 2 مليار دولار بالعام. ولو تم بيع 600 الف برميل باليوم لمدة 300 يوم بالعام بمبلغ 40 دولارا للبرميل فان المبلغ الناتج عن هذا البيع 7.2 مليار دولار ويمكن الآن اضافة 2 مليار دولار اخرى كقيمة مضافة من صناعة التكرير بالاضافة الى فرص العمل التي تقدمها هذه المصافي للشباب المتدرب والمتعلم. وتختلف ربحية المصافي (كما يعرض الجدول 3) من منطقة لاخرى بحسب قربها من منابع النفط وحسب توفر الايدي العاملة الرخيصة والتقنيات التي تساعد على تحقيق ارباح اعلى.الاستثمار بالمصافي الخارجيةان الاستثمار في المصافي الخارجية يعد قراراً استراتيجياً بعيد النظر. ولقد شاركت ارامكو السعودية في شراكات لامتلاك عدة مصافٍ حول العالم كما يعرض جدول 4. وتبقى الحكمة من المشاركة في امتلاك المصافي في دول خارجية هو ضمان استخدام النفط السعودي كلقيم لهذه المصافي وهذا ما يعني ضمان عملاء وزبائن لهذا النفط. واكبر دليل على اهمية الاستثمار بهذه المصافي الخارجية ان الولايات المتحدة خفضت استيرادها للنفط الافريقي بسبب نمو انتاجها للزيت الصخري ولكنها لم تستغن عن النفط السعودي لان ارامكو السعودية تشارك شركة شل في امتلاك شركة موتيفا لتكرير النفط في امريكا والتي تبلغ طاقتها التكريرية حوالي مليون برميل باليوم وبهذا ضمان زبائن لحوالي 14% من قدرة المملكة لتصدير النفط الخام. وفي هذا الاطار لا بد من ذكر خطط ارامكو للتوسع في صناعة التكرير في آسيا التي من ضمنها مصفاة فوجيان بالصين ومصفاة اس اويل الكورية. وكان آخر مشاريع ارامكو السعودية في التوسع بصناعة التكرير بآسيا هو توقيع مذكرة تفاهم للاستثمار بملكية مصفاة "تشيلاتشاب" في إندونيسيا وتطويرها لتكرير كميات أكبر من أنواع النفط الخام الثقيل، إضافة إلى إنتاج البتروكيماويات الأساسية والزيوت الأساسية، وزيادة الطاقة الإنتاجية إلى 370 ألف برميل في اليوم. وتبقى الهند من افضل الفرص لصناعة التكرير نظراً لقربها من منابع النفط ولوجود الايدي العاملة الرخيصة، ولذلك فان عمل شراكات جديدة مع الشركات الهندية في مجال صناعة التكرير والبتروكيماويات يزيد من عملاء النفط السعودي.لا شك ان معظم الدول المنتجة والمصدرة للنفط تحاول ان تستثمر بمصاف خارجية شريطة ان يكون اللقيم الخام لهذه المصافي قادماً من البلد المنتج نفسه وبذلك تضمن هذه الدول اسواقاً جديدة لنفطها. لا سيما اذا تم تصميم المصافي لملاءمة ومعالجة نوع معين من النفط المنتج في بلد معين مثل النفط العربي الخفيف او العربي الثقيل (الجدول 5). وفي هذا الاطار يبدو ان الكويت وسينوبك الصينية قد اتفقتا على الشراكة في اقامة مصفاة ومجمع بتروكيماويات بطاقة تكريرية تقدر بحوالي 300 الف برميل باليوم بالصين لتكرير النفط الكويتي، ومن هنا نرى ايضاً رغبة ايران مؤخراً بالاستثمار بالمصافي البرازيلية لتضمن عملاء وزبائن جددا لنفطها لا سيما في ظل ارتفاع الانتاج العالمي للنفط.وفي الختام لا شك ان موقع المملكة الفريد بين دول العالم في صناعة النفط بحكم الاحتياطيات الكبيرة التي تمتلكها يحتم عليها دراسة كل الخيارات التي تساعد على ازدهار صناعة النفط في المملكة، خاصة في ظل التغيرات الكبيرة التي تشهدها هذه الصناعة مثل ظهور النفوط غير التقليدية والمنافسة من بدائل الطاقة الاخرى بالاضافة الى التشريعات البيئية الجديدة مثل اتفاق باريس الاخير. ولو عدنا بالذاكرة الى الوراء قليلاً لوجدنا ان سعر برميل النفط انخفض من 115 دولارا الى اقل من 30 دولارا في اقل من 18 شهراً. لذلك فان هذه التغيرات من شأنها التأثير سلبياً على صناعة النفط والاستثمارات في تطوير الحقول الجديدة مما قد يعطل الخطط المستقبلية للتوسع في الانتاج في المستقبل البعيد. وامام هذا الواقع غير الثابت يجب التعامل مع هذه المتغيرات بواقعية ومرونة حتى اذا اقتضى الحال استثمار مليارات الدولارات في سبيل تحقيق عائد اعلى من صناعة النفط. فعلى سبيل المثال تصدر المملكة حالياً حوالي 7 ملايين برميل باليوم ويوجد منافسة شرسة بين دول اوبك فيما بينها ومنافسة شرسة من دول خارج اوبك على الزبائن خاصة انه لا يوجد نمو في استهلاك النفط في دول الاتحاد الأوروبي واليابان. وهذا يعني ان التوسع بالتصدير امر صعب في الظروف الحالية حيث العراق يرفع تصديره وبخصومات للحصول على الزبائن، وتلهث ايران للرجوع الى حصتها التصديرية وهذا يعني اضافة مليون برميل باليوم وارتفاع تخمة اسواق النفط.ان تصدير 7 ملايين برميل باليوم بالاسعار الحالية والتي تقدر بحوالي 26 دولارا للبرميل يدخل على المملكة حوالي 170 مليون دولار باليوم.