طعم الإهانات التي تلقاها من سعيد : الاعتقال ثم إصدار حكم الإعدام، والتهديد بالتنفيذ كل يوم. وأخيراً حين وافق مضطراً قال إنه يفعل ذلك إكراماً للقنصل لأن الآغا يستحق الإعدام أكثر من مرة! أما حين أرسل إلى البصرة ليقضي باقي أيام سجنه هناك، استعاد الآغا هذا الشريط من الذكريات فامتلأت نفسه بالمرارة والحقد، بدا لكل من رآه كأنه خائف وملاحق أبلغ قائد حرس القلعة أن لديه أخباراً هامة لا بد من إبلاغها إلى سعيد باشا، وأن الأمر خطير ولا يحتمل أي تأخير. إذ أن مجيء عليوي بنفسه، بد أن يعتبر أمراً استثنائياً وربما خطيراً، وبعد مشاورات لم إن كان قادراً على تحملها وحده. تطل تقرر إدخال عليوي إلى القلعة . لقد وضع أقدامه على بداية الطريق، ثم تتبعه وهو يتوجه إلى غرفة عزمي أفندي، كان المشوار طويلاً، وقد مر بها سابقاً عشرات المرات، أما الجو المخيم فهو بين الرطوبة والكثافة اللزجة. كان يريد أن يصل إلى غرفة عزمي بأسرع وقت ممكن. أما وهو يدخل الغرفة فعلاً فقد قابلته عينان حمراوان، هل لدى عليوي أخبار لا تحتمل التأجيل حتى الصباح ؟ هل جاء ليتفاوض ؟ ليسلم؟ وهل من المعقول أن يأتي بنفسه لولا الاضطراب والانقسام في معسكر داود؟ بكلمات قليلة، أبلغ عليوي المرافق أنه يطلب مقابلة الباشا على الفور، فقد غادر السراي لتوه ولديه أخبار يريد إبلاغها سعيد باشا شخصياً، وأشار إلى أن كل دقيقة تأخير سيكون ثمنها غالياً، وقد تتحول الأمور بين لحظة وأخرى، إقناع عليوي أن الأمر متعذر في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وإذا كان لا بد من عمل شيء فإما الانتظار حتى الصباح، لا يمكن تحديد قسوة تلك اللحظات ومدى طولها، والذي مضى على حصاره في القلعة أيام عديدة متواصلة، يزداد حيرة وارتباكاً وخوفاً مع كل لحظة تمر ، خاصة في مواجهة الحزم المتزايد الذي يبديه عليوي. ريثما يفكر بطريقة مناسبة، قابلها عليوي باعتذار أقرب إلى الرفض، مع إصرار يتعاظم أن الأمر لا يحتمل أي تأخير . ثم جاءت كلمة قالها عليوي، ستكون كارثة إذا لم أر الوالي فوراً . كانت السكينة تخيم على القلعة، تخلف دوياً يولد الرهبة. وإلى وجوه رجاله الأربعة الذين يرافقونه، كان يحمل في صدره أملاً يائساً بالوصول. أكثر من ذلك شعر أنه ارتكب حماقة سيدفع ثمنها فوراً. لام نفسه على هذا التهور بدخول القلعة، أو أمر جنوده بالقبض عليه . أو تفقد قدرتها على التمييز . كما أن اليائس يمكن أن يتحول إلى وحش، وهي رائحة دم شاخب وكثيف ستكون رائحة دمه، حتى طلب من رجاله الأربعة وبطريقة الأمر، رد عليوي بشكل واثق أن هؤلاء رأوا بأعينهم، وتقبلها عزمي دون أن يفكر بها ، قال خورشيد لعدد من أصدقائه بعد أيام، وكان واحداً من الأربعة الذين رافقوا الآغا : كان وجه سيد عليوي يتبدل كل لحظة . كنت لا أصدق ما تراه عيني وما تسمعه أذني. كان عزمي يهز رأسه وكأن الآغا سحره، وفي الأخير وافق على كل طلباته . وأي مخبل لا يفعل ما فعله سيد عليوي ! يبتسم بحزن وهو يتذكر أشياء عديدة، ثم يضيف بلهجة لا تخلو من تهكم : يا جماعة، وضحكة الآغا شبر ! وما أدري صحت أو تو همت روحي أصيح: وين رايحين يا معودين؟ لكن لما الآغا باوع علينا و خنزر صارت سنطة وكأن الكل موتى. وطب وطبينا على سعيد، لازم نمشي !كل واحد من الرجال الأربعة الذين رافقوا سيد عليوي يروي القصة بطريقته الخاصة، وإذا صدف أن سمع أحداً يرويها، بأن يبتسم ويهز رأسه، مما يعني أن ذلك ليس صحيحاً أو ليس دقيقاً ! وكان في لحظات التجلي يطلب من أحد رجاله الأربعة أن يروي ما حدث ، ولفرط ما فعل ذلك بعضهم أصبح أكثر مهارة وبدل أن يصحح يكتفي بالشتائم أو بالسخرية من هؤلاء الذين رأوا كل شيء بأعينهم ولم يشاهدوا شيئاً وكان يختم مثل هذا الحديث بأن يقول : البني آدم ما يشوف بعينه بس. وبعدها شلون يحجي ويقول ! وحين يرى الإعجاب في عيون الذين يسمعون، يضيف بفخامة : ولازم تعرفون : الكلب اللي ينبح ما يعض ! أما كيف وقعت الأمور فأغلب الظن أن الموت إذا اقترب ينشر رائحة لا يمكن أن يفلت منها أحد، أو منع ما يقع تحت عينيه . حين دخل إلى جناح سعيد باشا، ترامى إلى سمع عليوي صوت نسائي يقول : بالعجل، كانت نابي خاتون نصف مستلقية، فآثار النوم تزال تملأ عينيها ووجهها، خلال اللحظات القصيرة التي مرت تحاول إيقاظ سعيد. كانت تفعل ذلك بطريقة قاسية لكن مليئة بالحنان. ما إن رأت نابي خاتون البلطة تلتمع في الهواء، وهي بين الخوف والرجاء والتهديد، وربما احتضنت بقوة رأس سعيد، هز رأسه أكثر من مرة وبسرعة، كر إلى الجهة الأخرى من السرير، للحظة فكر عليوي أن يقضي على نابي خاتون وعزمي، إذ التمعت عيناه وهو ينظر إليهما بسرعة، لكن وهو يعاود النظر إلى نابي، توقف استجمع نفسه ونظر إلى رجاله، قال وخرجت الكلمات من بين أسنانه : لفوا الرأس . اكو شي بعد؟كان الدم يتدفق كنافورة ليملأ السرير، يفرك وكأنه يقاوم أو يحاول النهوض . وامتلأت الغرفة فجأة ببخار لزج، لأن خطواتهم وهم يتحركون بحثاً عن شيء يلفون به الرأس، وأخيراً سحب أحد الرجال بساطاً أحمر له حواش سوداء وألقاه على الرأس، لكي يلفه به قبل أن يلتقطه ! وامتلأت الغرفة فجأة ببخار لزج، لأن خطواتهم وهم يتحركون بحثاً عن شيء يلفون به الرأس، وأخيراً سحب أحد الرجال بساطاً أحمر له حواش سوداء وألقاه على الرأس، لكي يلفه به قبل أن يلتقطه. أما يداها فكانت تنتقل بين ثقب الرقبة تحاول سده وإيقاف الدماء، وبين شعرها الذي أخذت تنتزعه خصلة بعد أخرى. يديها اللتين كانتا لا تكفان عن الانتقال من مكان إلى آخر، وقد يكون منظرها هذا خاصة العينان، بقية الرحلة كانت سهلة بالنسبة لعليوي : قبل أن يعيد البلطة إلى مكان خفي داخل ملابسه هزها في الهواء. بدت قطرات الدم التي لم تجف بعد، إذ فقدت لمعانها الأول، وخرجت الكلمات من بين أسنانه : شفت شلون انكسرت رقبته . وتقول عيني وآغاتي . صارت أمراً :كان عزمي أفندي يسير بخطوات متعثرة، وعليوي يشد سترته بين لحظة وأخرى لئلا يسهو عما هو مطلوب منه، أو يرتكب حماقة ويخالف تعليمات الآغا في آخر لحظة، لكن الرعب الذي ملأه تماماً جعله يسير في الدهليز كسفينة وانتها الريح، إذ سار باستقامة، بعد أن تم اجتياز الدهليز الأول، وقبل الوصول إلى نقطة الحراسة، قال عليوي بهمس : خليك سبع وما راح ننساها لك . ولم يتردد سيد عليوي في الرد على تحيات الحرس، مع ابتسامة وكانت العيون مركزة عليه، بدا عزمي أفندي متهالكاً على وشك السقوط، لكن عليوي مد إليه يدا صلبة ليجعله قادراً على التماسك في اللحظات الأخيرة. وقال له وهو يبتسم بغل :