## إعجاز القرآن يُعرف الإعجاز بأنه إثبات عجز غيرك عن فعل شيء ما. وقد أُعجِز القرآن الناس، مما أثبت عجزهم عن إتيان بمثله. يتحقق إعجاز القرآن من خلال تعذرهم عن الإتيان بمثله رغم وجود الدافع ودون وجود مانع القرآن معجزة رسول الله التي أيده الله بها في دعواه الرسالة، فقد جرت سنة الله في إرسال رسله أن يُؤيدهم بالمعجزات، وهي أمور خارقة للمادة، لا يستطيع البشر فعلها. كانت معجزات الرسل السابقين حسية يشاهدها من كان موجوداً في زمنها، فيتأثر بها ويعلمها من جاء بعدهم بطريق الخبر. بينما أيد الله خاتم الرسل بالقرآن، وهو معجزة من نوع آخر، كما صرح القرآن نفسه. قال الله تعالى: "( وقالوا لولا نزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون )" ويروى الأئمة أحمد والبخاري ومسلم عن رسول الله أنه قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة». أمر الله رسول الله في مكة أن يبين للناس منزلة القرآن وأنها فوق طاقة المخلوقين جميعاً، فيقول في سورة الإسراء : «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم البعض ظهيرا». هذا دليل صريح على عجز الجميع عن إتيان بمثله، ولو اجتمع معهم الجن المعروف عنهم قدرتهم على فعل ما يعجز عنه البشر. لكن المعاندين زادوا عنادا واتهموا الرسول بالافتراء على الله. فأمرهم الله أن يتحدوه في أرقى عصورهم بلاغة وفصاحة. وتدرج الله في تحديه لهم، من طلب إتيان بحديث مثله إلى طلب عشر سور مثله مفتريات، إلى طلب إتيان بسورة من مثله. جاء ذلك في قوله تعالى : "أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين". وقوله: "( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ). وقوله تعالى : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين )". لم ينبئنا التاريخ أنهم استجابوا لطلبه. ولو كان في مقدورهم الإتيان بمثله في حقيقته أو صورته، لفعلوا ليثبتوا حقهم. لكنهم قالوا قولة العاجز: "لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذ إلا أساطير الأولين" ثم لجأوا إلى أسلوب الغوغاء كما حكاه القرآن عنهم: "( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والفوا فيه لعلكم تغلبون )". ثم كرر الله تحديه في المدينة، مسجلاً عجزهم عن الاستجابة. يقول تعالى في سورة البقرة: "(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين )". عجز أهل الفصاحة والبلاغة في أزهى عصورهم دليل قاطع على أن القرآن ليس من كلام البشر، وذلك أثبت رسالته صلى الله عليه وسلم. ولكن إعجاز القرآن لم يكن من جهة الحس، بل من جهة العقل. وهو آية عموم الرسالة، فلو كان معجزاً لمن كان في عصره فقط، لما لزمت الحجة من جاء من بعدهم. من هنا يتجلى لنا سر تكفل الله سبحانه بحفظ هذا القرآن وحده دون سائر الكتب السماوية السابقة، و يشير إلى ذلك قوله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ها دوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء". فإعجاز القرآن دليل على بقاء الرسالة، فهذه الرسالة باقية ما بقي إعجاز القرآن، وإعجاز القرآن باق ما بقي القرآن، والقرآن موجود لم يدخله تبديل ولا تغيير. فالرسالة باقية، وفي بقاء الرسالة بقاء لشريعته. فالنتيجة أن شريعة القرآن ملائمة للناس في كل وقت، وملاءمتها مرتبطة ارتباطا كلياً ببقاء القرآن كما هو محفوظ من التبديل والتحريف. وأخبر القرآن أن رسالة محمد خاتمة الرسالات: "( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبين )". إن إعجاز القرآن سر لا يعلم حقيقته إلا منزل القرآن، لكن العلماء في كل عصر طرقوا باب الإعجاز فقالوا: إن القرآن معجز بلفظه ومعناه. فإعجازه من ناحية اللفظ يأتي من فصاحة ألفاظه وبلاغة عبارته، فليس فيه لفظ ينقل على السمع أو لا يتسق مع ما قبله أو ما بعده، ولا كلمة غيرها أحسن منها، ولا حرف خال من الدلالة على معنى. وتعبيراته في الذروة العليا من البلاغة فأساليبه العديدة مطابقة لمقتضيات الأحوال. فالزجر له أسلوبه الذي يهز القلوب هذا يكاد يخلعها من أماكنها، والوعيد رهب النفوس، والوعد يفتح أبواب الأمل للنفوس المؤمنة، والقصص تصوير حقيقي لما وقع، والتشريع بيان واضح، والأمثال محكمة صادقة. كل ذلك بلا أدنى اختلاف أو تناقض. صدق الله حيث يقول: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثير". وإعجازه من جهة المعنى يجيء من وجوه كثيرة منها إخباره عن الأمم السابقة والرسل السابقين من أول آدم إلى عيسى عليهما السلام. قال تعالى: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون". "و تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين". "ذلك من أنباء الغيب نوحيها إليك وما كنت لديم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون". ومنها إخباره عن المستقبل في حوادث حدثت بعد نزوله، مثل البشارة بفتح مكة. قال تعالى: "(لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنین محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا )". ومثل إخباره بتحقق النصر في النهاية للمؤمنين في قوله: "( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوني لا يشركون بي شيئا)". ومثل الأخبار بغلبة الروم للفرس. قال تعالى: "آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين الله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم )". وقد أخبر في هذه الآيات أن دولة الروم المسيحية التي كانت بلغت نهاية الضعف لأنها غزيت في عقر دارها و هزمت في بلادها كما قال تعالى في أدنى الأرض تغلب الفرس في فترة وجيزة عبر عنها في بضع سنين، الأمر الذي شك فيه كثير من المشركين وتراهنوا عليه، فصدق الله وعزز ذلك بالأخبار بنصر المؤمنين الذين يفرحون به مع هذا النصر للروم إذ وقع النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى كما رواه غير واحد من المحدثين، ومن ذا الذي كان يظن أن يتحقق للروم مع ما هي فيه من الضعف، وللمسلمين على المشركين مع ما هم فيه من قلة عدد في أقل من تسع سنين؟ ومثل إخباره عما يصيب الوليد بن المغيرة الذي كان يقول عن القرآن إنه أساطير الأولين بقوله تعالى في القرآن: "سنسمه على الخرطوم". فأصيب بالسيف في أنفه يوم بدر وكان ذلك علامة له يعبر بها ما عاش. وغير ذلك كثير في القرآن. ومنها بيانه للحقائق العلمية التي يكشف عنها العلم الحديث مصداقاً لقوله تعالى "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)". ومنها ما جاء به من شرائع بلغت غاية السعو والعدالة في الوقت الذي كانت فيه الأمم المتحضرة تقوم على العنصرية في تشريعها. فإعجازه العلمي والتشريعي المستمران على مدى الأيام كافيان في إلزام غير العرب الذين يعجزون عن إتيان بأي كلام عربي فضلاً عن الإتيان بمثل القرآن، فلزمت الحجة على الجميع، ووجب التسليم بأنه كلام الله وأن مبلغه رسول الله. **تنبيه:** إعجاز القرآن للعرب على أن يأتوا بمثله لا يخرجه عن كونه عربياً جارياً على أساليب الكلام عند العرب ميسر الفهم، إذ لو خرج بإعجازه عن إدراك العقول معانيه، لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق وهو غير واقع في الشريعة. بل إن هذا من وجوه إعجازه. فكيف يورد كلام من جنس كلام البشر في أساليبه ومعانيه فهمه العرب وعقلوا معناه، ثم يعجزون عن إتيان بمثله بل بسورة من مثله؟ يدل لكونه مفهوما قوله تعالى: "ولقد يسرنا القرآن الذكر فهل من مدّکر". وقوله: "( فأنمضا يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدّا". فإعجازه غير مانع من الوصول إلى فهمه و تعقل معانيه. وكيف يكون ذلك والمولى سبحانه أنزله للتدير والتذكر. قال تعالى: "( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليديروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)".