لكنني ذهبت سريعًا إلى مدرستي حيثُ أيقنت بأنّهُ لا بُدَّ ممّا ليسَ مِنْهُ بُدٌّ. وبمجرّد مروري بدارِ البلديَّة رأيت الكثير من الناس مُجتمعين إمام لوحة من الإعلانات، فأخذت أتساءل عما حدث!؟ ومررت سريعًا وإذ بمن يقرأ لوحة الإعلانات يصيح بي قائلاَ: “خَفِّفِ الوطءَ يا بُنيَّ سَتصِلُ إلى مدرستِكَ في مُتَّسَعٍ منَ الوقتِ” حتى شعرت بأنّه يهزأ بي. بينما كان المُعلّم يتحرك في الفصل ذهابًا وَإيابًا، وإذ بي أفتح باب غرفة الدّرس وأَمُرَّ أمامَ الجميع مع قدرٍ كبير من الخجل والرُّعب يكسوني، وهُنا رآني السّيّدُ هامل “المعلم” وقال لي بصوتٍ رقيق “اذهَبْ إلى دُرجِكَ بسرعةٍ أيُّها الصّغيرُ لقد كُنّا على وَشَكِ البدءِ مِنْ دونِكَ” وبالفعل جلست بسرعة على مقعدي. انتبهت بعدها إلى ملبس المُعلم، فقد كان مُرتديًا بدلتَه الخضراءَ المميَّزة مع قميصَهُ الأنيق، لكن ما الخطب؟ لماذا يرتدي المُعلم ملابس المُناسبات خاصته؟! ولماذا كل هذا الهدوء الذي يسود أجواء المدرسةَ؟! كما أنّ دهشتي قد ازدادت أكثر عندما رأيت أهل القرية يجلسون في المقاعِدَ الخَلفيّةَ! وإذ بعجوزٍ أعرفه من أهل القرية يضع كِتابَ مبادئِ التّعليمِ على رُكْبَتَيْهِ، وفي ظل حيرتي وتساؤلاتي اتَّجِه السيد هامل إلى مقعدِه قائلاً وبصوتٍ رقيق: “سيكونُ هذا الدّرس يا أولادي هوَ آخِرُ ما سأُلَقِّنُكُمْ إيّاهُ فقد صدرَ الأمْرُ بتدريسِ الألمانيّةِ فقطْ في المدارسِ وسيصلُ مُدَرِّسُكُمُ الجديدُ غَدًا… أنصِتوا إليَّ جَيِّدًا، فهذا هوَ آخِرُ دَرسٍ لَكُمْ بالفرنسيّةِ” وحينها سمعت كلمات السّيد هامل وكأنها صاعقة قد حلّت بي، لكن كيف؟ فأنا بالكادِ أكتبُ! ألَنْ أتعلّمَ أكثرَ مِنْ آخِرُ درسٍ لي بالفرنسيّةِ! يا لندمي لقد أضعت سالفِ أيّامي في اللعب والجري بدلاً من تعلُّم الفرنسيَّة، وفي هذا الوقت تحديدًا شعرتُ بحقيبتي وكتبتي المُزعجة لي من قبل بأنّهم رفاقًا لي، وخلال هذا الوقت أمرني السيد هامل بالقراءةِ وحينها تمنّيْتُ أنْ أقرأَ بمهارةٍ وإتقان، لكن من المؤسف أنَّ هذا الشيء لم يحدث فقد وقفت أُشبه الأبله تمامًا، وتَعثّرْتُ عندَ نطق أوّلِ كلمة فتزايدت دقّاتُ قلبي وزاد توتري للغاية حتى أنّني لم أجرؤُ على رفعِ رأسي من شدَّةِ الخجل. ليقول لي مُعلّمي السّيدِ هامل بنفس الصّوت الرقيق: لَنْ أوبِّخَكَ أيُّها الصّغيرُ فَبِكَ ما يكفيكَ عنِ اللّومِ والتّأنيبِ، فنحنُ جميعًا مُقَصِّرونَ،