فقدت إخوانها وأبنائها وألقت شعر الرثاء بفصاحة لأجلهم، أم عمرو، هي تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، وهو عمرو بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. 3- حياتها ونشأتها: ولدت الخنساء عام (575 م) الموافق ل (24 هـ) عاشت حتي أول خلافة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) توفيت عام (645 م) عاشت ما بين ( 69 إلي70) عام وهي من أهل نجد، فقديماً كان العرب يتغزلون بتشبيه كهذا ولكن إرتبط التشبيه بالخنساء حتي أصبح لها إسماً وكنية. لم يكن يقلقها شيئاً فقد كانت ذات شخصية قوية تفعل ما تريد، كانت ذات عقل راجح وحازمة، وقال لها النابغة الذبياني ذات مرة، وقد روي ذلك الأعشي وحسان بن ثابت: " والله لولا أن أبا بصير ( وهو الأعشي) أنشدني آنِفًا، نشأت الخنساء في بيت رفيع المقام مع والدها وأخويها معاوية وصخر، والعواتك من سليم، فرفضت أحد أبناء بني جشم عند طلبه للزواج منها، قام بخطبتها دريد بن الصمة، وعرض الزواج عليها، ومُرْتَثَّةً شيخَ بني جُشَم! وفيما بعد شاءت الأقدار خطوبة الخنساء من بني عمها رواحة بن عبد العزي السلمي وتزوجا، ثم تزوجها مرداس بن أبي عامر السلمي، فأنجبت عدة منهم: زيد ومعاوية وعمرو وعباس ويزيد وعمرة، ولما سمع النبي في شعرها، أعجبه فإستزدادها قائلاً: هيه يا خنساء! 4- زواج الخنساء: روي أبو الفرج الأصفهاني في قصة مقتل زهير بن جذيمة " وكانت تماضر بنت عمرو بن الشريد بن رباح بن يقظة بن عصية بن خفاف السلمي إمرأة زهير بن خذيمة، ولم يزد ذلك عليها إلا عذاباً فقد كان عبد العزي يزداد في إنحرافه ومقامرته أكثر لظنه أنها تحبه ، وإستغل ذلك في طلب المال منها وجعلها تسأل أهلها المال حتي تعطيه، ولو رفضت كان يضجر ويترفع عنها ويشرع في الرحيل عنها، مما يضطرها لجلب المال لإرضائه ومواساته، فتذهب لأخيها صقر وتشكي إليه ألماً وهماً فلا يكون لصخر إلا أن يعطيها المال، حتي سئمت من زوجها عبد العزي فتركته وعادت لبيت أهلها وقامت بالإنفصال عنه. وهكذا فشل زواجها من عبد العزي وكان محض زواج فاشل، وقال البستاني: أن زواجها من رواحة عبد العزي كان بعد حادثة دريد فأنجبت له عبد الله. لم تتحدث الخنساء كثيراً عن حياتها مع زوجها السابق عبد العزي سوي عن هذه القصة التي قصتها علي أم المؤمنين " عائشة " (رضي الله عنها) ولم تعبر عن تلك التجربة بالشعر أيضاً فلم تحكيها في أبيات وقصائد تسرد فيها أحداث حياتها مع عبد العزي. زواج الخنساء من مرداس بن أبي عامر السلمي: تقدم لزواجها إبن عمها مرداس بن أبي عامر السلمي، فقد إهتز قلبها ودق بالحزن والأسي والألم لفراق زوجها، وكانت تلك القصيدة لا تخالف نهجها العالم في مراثيها فقد كانت تشبه الرثاء المعتاد لها، وكان في رأيها أن مرداس أفضل الناس حلماً ومروءة وشجاعة، فقالت فيه: ألا اختار مِرداساً على الناس قاتله ولو عاده كناته وحلائله فلما رآه البدر أظلم كاسفاً أ رن شوان بُرقه فمسايله رنيناً وما يُغني الرنين وقد أتى بنعشك من فوق القرية حامله وفضل مرداساً على الناس فضله وأن كل همّ همه فهو فاعله تركت بــه ليلاً طويلاً ومنزلاً تعاوى على جنب الطريق عواسله أبنائها من مرداس بن عامر السلمي: هم ولدان وبنت أو ثلاث وبنت أو أربع وبنت وهم: العباس زيد، ومعاوية، وهناك العباس أكبر الأربعة سناً، ولكنه ليس بإبن الخنساء، وقد يكون أحدهم أبو شجرة بن عبد العزي. أما أبنائها من عبد العزي السلمي: فقد أنجبت له ولداً واحداً وهو أبا شجرة. العباس: لقد كان للعباس موقفين غير مشرفين، وهما: الأول: حين قرر الرسول (صلي الله عليه وسلم) رد سبايا هوازن، والثاني: عند تقسيم الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) فقام بتوزيع خمس علي الذين كانوا شديدي العداوة له، فأعطي العباس فلم يرضي وجادله في إعطاءه الأفضلية عليه لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وغيرهم. أبي شجرة بن عبد العزي: وبعد أعوام من موقفي العباس تنقضي حياة الرسول ويقابل ربه، ويرتد أهل الشمال عن الإسلام، ومنهم " أبي شجرة " يرتد الإسلام ويحرض بشعره علي قتل المسلمين. فذهب لعمر بن الخطاب أثناء خلافته فقال له: " يا أمير المؤمنين أعطني فإني ذو حاجة، ألست الذي تقول: "فرويت رمحي من كتيبة خالد واني لأرجو بعدها أن أمرا" قال: قم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتي سبقه عدوا، ثم أوقفها في حرة شوران راجعنا إلي أرض بني سليم قائلاً: " ضن علينا أبو حفص بنائله وكل مختبط يوما له ورق " وفي حين مرور أبناء الخنساء بتلك الاحداث فهي لم تنطق كلمة عن ذلك ولم تحرك ساكنة، ولم تروي أي شيء يخص تلك الأحداث فمن الممكن ذلك تأثراً بصدماتها المتتالية بأفراد عائلتها، وفيما بعد خرج المسلمون لحرب الفرس عام ( 638 م ) وكانت الخنسا وسط أبنائها الأربعة دون أبو شجرة وتحثهم علي القتال والحرب، وتزيل شعور الخوف عليها أو القلق، فقالت لإبنها: يا بني إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين, ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم. وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين. وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وجللت نارًا على أوراقها, وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة" وإستشهدوا جميعاً في حرب القادسية، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". فقد كانت قوية صامدة، 6- الخنساء والإخوة: وفقدت الإثنين فقد قتلا. جذب إنتباه معاوية إحدي الفتيات وقد سحرته بجمالها وهي ( أسماء المرية ) وطلب التقرب منه ولكنها إمتنعت قائلة: " أما علمت أني عند سيد العرب " هاشم بن حرملة الغطفاني"؟ فرد قائلاً: " أما والله لا قار عنه عنك " فقالت له أسماء المرية: "شأنك وشأنه" فأخبرت هاشم فغضب، حتي آتي معاوية فسأله، وحاول أخيه صخر إرجاعه عن قراره ولكن لم يفلح، ورجعوا إلي موطنهم ولكن صخر لم يرضي فذهب لأخذ ثأر معاوية أخيه. بلينا وما تبلى تعارٌ وما ترى على حدثِ الايَّامِ الاَّ كماهيهْ فأقسَمْتُ لا يَنفَكّ دمعي وعَوْلَتي عليكَ بحزنٍ ما دعا اللهَ داعيهْ بلينا وما تبلى تعار وما ترى على حدث الأيام إلا كما هيه وعندما عانت مع زوجها عبد العزي فكانت تطلب منه المال ولم يبخل عليها فقد شطر ماله إلي نصفين وأعطاها خيرهما، وقتل هاشم علي يد دريد بن الصمة صديق معاوية. ولما إشتد القتال أصيب بجروح بالغة علي يد رجل من فقعس وهي بط من أسد كانت متحالفة مع بني مرة، وطعنه ثور بن ربيعة الأسعدي، ولقد لقينا منها الامرين" وإشتد عليه ما يقارب السنة. 7- الخنساء والشعر: وكان عند العرب قديماً يطلق علي من أدرك الجاهلية والإسلام كلمة مخضرم، والشماخ، وخداش بن زهير وغيرهم. وكان سبب تطور شعر الخنساء وظهور موهبتها الشعرية الحقيقية وإنفجار كلماتها وقصائدها هو مقتل أخويها معاوية وصخر. خصوصاً أخيها صخر الذي أحبته حباً جماً وبرثائها له عُدت أعظم شعراء الثراء. وكان الرثاء أنواع ثلاثة وهم: لو كان الميت قتيل حرب) التأبين، والعزاء وقد إجتمع في رثاء الخنساء الثلاثة أنواع فتقول: أبنت صخر تلكم الباكية لا باكي الليلة إلا هيه وتقول: يا عينِ جودي بالدّموعِ الغِزَارْ وابكي على اروعَ حامِي الذمارْ فرعٍ منَ القومِ الجدى أنْماهُ منهُمْ كلُّ محضِ النِّجارْ أقولُ لمّا جاءَني هُلْكُهُ وصرَّحَ النَّاسُ بنجوى السّرارْ فرُبّ عُرْفٍ كنْتَ أسْدَيتَهُ إلى عيالٍ ويتامى صغارْ صَريعِ أرْماحٍ ومَشْحوذَة كالبرقِ يلمعنَ خلالَ الديارْ مَنْ كانَ يَوْماً باكياً سَيّداً فليبكهِ بالعبراتِ الحرارْ وليبكهِ كلُّ أخي كربة ضاقتْ عليهِ ساحة ُ المستجارْ رَبيعُ هُلاّكٍ ومأوى نَدًى حينَ يخافُ النَّاسُ قحطَ القطارْ أسْقَى بِلاداً ضُمّنَتْ قَبْرَهُ صَوْبُ مَرابيعِ الغُيوثِ السَّوارْ وما سؤالي ذاكَ الاَّ لكي يسقاهُ هامٍ بالرَّوي في القفارْ مَعاً، بَكَت عَيني وَعاوَدَها قَذاها بِعُوّارٍ فَما تَقضي كَراها على صَخرٍ وَأَيُّ فَتىً كَصَخرٍ إِذا ما النابُ لَم تَرأَم طِلاها فَتى الفِتيانِ ما بَلَغوا مَداهُ وَلا يَكدى إِذا بَلَغَت كُداها لَئِن جَزِعَت بَنو عَمروٍ عَلَيهِ لَقَد رُزِئَت بَنو عَمروٍ فَتاها لَهُ كَفٌّ يُشَدُّ بِها وَكَفٌّ تَحَلَّبُ ما يَجِفُّ ثَرى نَداها عَلى رَجُلٍ كَريمِ الخيمِ أَضحى بِبَطنِ حَفيرَةٍ صَخِبٍ صَداها لِيَبكِ الخَيرَ صَخراً مِن مَعَدٍّ ذَوُو أَحلامِها وَذَوُو نُهاها كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ تبكي لصخرٍ هي العبرَى وَقدْ ولهتْ وَدونهُ منْ جديدِ التُّربِ استارُ تبكي خناسٌ فما تنفكُّ مَا عمرتْ لها علَيْهِ رَنينٌ وهيَ مِفْتارُ لاَ بدَّ منْ ميتة ٍ في صرفهَا عبرٌ وَالدَّهرُ في صرفهِ حولٌ وَاطوارُ صلبُ النَّحيزة ِ وَهَّابٌ اذَا منعُوا وفي الحروبِ جريءُ الصّدْرِ مِهصَارُ لاَ تسمنُ الدَّهرَ في ارضٍ وَانْ رتعتْ فانَّما هيَ تحنانٌ وَتسجارُ وإنّ صَخراً لَوالِينا وسيّدُنا وإنّ صَخْراً إذا نَشْتو لَنَحّارُ ولولا أن هذا الأعمى (كنية الأعشى الأكبر) - أبا بصير - أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم. فغضب حسان وقال: والله انا اشعر منك ومنها. يا عَينِ جودي بدَمعٍ منكِ مَسكُوبِ كلؤلؤٍ جالَ في الأسْماطِ مَثقوبِ انّي تذكَّرتهُ وَالَّليلُ معتكرٌ ففِي فؤاديَ صدعٌ غيرُ مشعوبِ كمْ منْ منادٍ دعا وَ الَّليلُ مكتنعٌ نفَّستَ عنهُ حبالَ الموتِ مكروبِ فَكَكْتَهُ، ومَقالٍ قُلْتَهُ حَسَنٍ بعدَ المَقالَة ِ لمْ يُؤبَنْ بتَكْذيبِ و أيضاً كـقولها: يا عَينِ جودي بدَمعٍ منكِ مُهْراقِ اذا هدى النَّاسُ أو همُّوا باطراقِ انّي تذكّرني صخراً اذا سجعتْ على الغُصُونِ هَتُوفٌ ذاتُ أطْواقِ وكلُّ عبرى تبيتُ اللَّيلَ ساهرة تبكي بكاءَ حزينِ القلبِ مشتاقِ والعودَ تعطي معاً والنَّابَ مكتنفاً وكلَّ طرفٍ إلى الغاياتِ سبَّاقِ يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا وأَذْكُرُهُ لِكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ طَلقُ اليَدَينِ وَهوبٌ غَيرُ مَنّانِ مِجذامَةٌ لِهَواهُ غَيرُ مِبطانِ سَمحٌ سَجِيَّتُهُ جَزلٌ عَطِيَّتُهُ حِلفُ النَدى وَعَقيدُ المَجدِ أَيُّ فَتىً كَاللَيثِ في الحَربِ لا نِكسٌ وَلا وانِ * ادباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام ط 8 بيروت. * دراسات في الأدب العربي ص 137. الأغاني (دار الكتب المصريّة، القاهرة 1935). * الخنساء شاعرة الصبر والحكمة * الأعلام - الزركلي ابن قتيبة.