تقوم هذه المدينة على آثار قرية كبيرة على الساحل القطري، مقابل جزيرة البحرين، من جهة الجنوب. وتمتد في البحر كرأسٍ عريض. وبها بعض العيون. وتنمو فيها مراع للإبل. وتصلها مع العريش شمالاً طريق معبدة، طولها نحو 113كم. ويُذكر أن أول من عمرها، ونزل بها، الشيخ أحمد بن رزق النجدي. ورغّب الناس في سكناها، بكرمه وجوده، فأتتها العرب من كل فج ومكان؛ وأخذ الناس يتجرون في اللؤلؤ. ثم سكن فيها لفيف من قبائل القطريين، منهم قبيلة آل علي والجلاهمة والمعاودة. غير أن تاريخها وتعميرها الحقيقي، يعود إلى عام 1766، حين نزحت أسرة آل خليفة، ممثلة في محمد بن خليفة، جد الخليفيين، حكام البحرين الحاليين، من الكويت، مع أولاده، ونزل على قبيلة آل علي، وتزوج منهم؛ وكان على جانب عظيم من الثروة والجاه. ولم يكن اختياره للزبارة من دون دراسة، فالمكان معروف للعتوب، منذ أمد بعيد، خلال إقامتهم في قطر. قبل هجرتهم إلى الكويت، ثم عرفوه، جيداً، خلال تجوالهم في الخليج، لنقل تجارتهم بين قطر والبحرين والإحساء. وكان اختيار هذا المكان لموقعه التجاري، أولاً؛ ولقربه من مغاصات اللؤلؤ، ثانياً؛ على الرغم من أن مصادر المياه والحطب كانت بعيدة عنه بمقدار فرسخ ونصف (12 كم تقريباً). واستطاع الشيخ محمد بن خليفة، أن يقوّي شوكته ونفوذه، بذكائه ودهائه، وسيرته الحسنة، وأخلاقه، وكرمه وجوده؛ وكان يقرض الناس الأموال، مقابل شرائه محصول اللؤلؤ. وزادته مصاهرته آل علي قوة ونفوذاً. وقد جعل له مقراً في مرير، ورفض أن يدفع الخراج إلى آل مسلم، أمراء قطر. ومما ساعد على سرعة ازدهار الزبارة، وانتعاش التجارة فيها، اتباع آل خليفة سياسة التجارة الحرة؛ فلم يتقاضوا شيئاً من الضرائب والمكوس، إذ استوردوا البضائع من كافة الجهات، لاستهلاكهم، وأعادوا تصدير الفائض منها إلى الإحساء ونجد. وزاد تجارتها ازدهاراً حادثتان بارزتان: الأولى، الطاعون، الذي تعرضت له مدينة البصرة، عام 1772، والذي أفنى عدداً كبيراً من سكانها؛ وهرب عدد من تجارها الباقين إلى الكويت والقطيف والزبارة، حيث انتعشت الحركة التجارية في موانئها. الثانية، حصار الفرس للبصرة، عام 1775، وحكمهم إياها حتى عام 1779، ما دفع عدداً كبيراً من التجار إلى البعد عن مركز الأحداث، وشجعهم على اللجوء إلى الزبارة، التي لا تتقاضى شيئاً من الرسوم الجمركية. ولم تكن الزبارة دائماً هانئة، بل تعرضت لمتاعب عديدة، وكان أشدّها خطراً هجوم الفرس عليها، يتقدمهم الشيخ ناصر، حاكم بوشهر والبحرين، بقوة، قوامها ألفا رجل؛ ولكنها هُزمت وتكبدت خسائر فادحة. وكان هذا النصر فاتحة عهد جديد؛ إذ شعرت القوة المنتصرة، في الزبارة بحاجتها إلى التوسع، فانطلقت صوب البحرين. ومن الزبارة يبدأ حكم آل خليفة للبحرين؛ ومن هنا يبدأ العامل التاريخي في مطالبتهم بها؛ إذ إنها أرض أجدادهم، التي خرجوا منها، وفتحوا البحرين. ويقول "تشارلز بلجريف، المعتمد البريطاني، راوياً عن أحد شيوخ البحرين: "لو سئلت بعد الموت، فلن أجاوب إلا بكلمة زبارة". وزاد من حدة مطالبتهم بها، دخول القوات التركية قطر. ومن الأسباب، التي تذكر على أساس صحة المطالبة بالزبارة، ما رواه حاكم البحرين للقائد البريطاني، "جرانت"، من أن قبيلة النعيم، قد وقّعت عهداً، تعترف فيه بخضوعها لحكام البحرين. وكان ذلك بحضور الكولونيل بيلي، وحاكم البحرين، يعد هذه القبيلة من رعاياه. أما أسرة آل ثاني والقطريين، فتعد الزبارة، كذلك، مصدراً تاريخياً مهماً؛ فمنها تبدأ سلطة آل ثاني في قطر، منذ استقرارهم بها، وكان ثاني، جد الأسرة، مولوداً بها، وكان من تجار اللؤلؤ المشهورين. واستطاع، بفضل ثروته وجاهه، أن يكون وكيلاً للسّعوديين في قطر؛ فقد كان مسؤولاً عن جمع الضريبة من القبائل القطرية، وتسليمها إلى إمام السعوديين في نجد. وكان ابنه، محمد بن ثاني، حاكماً للدوحة، تحت سلطة آل خليفة. واستطاع ابنه، جاسم بن محمد بن ثاني، الحصول على الانفصال عن البحرين، بمقتضى المعاهدة المبرمة عام 1868. ولمّا كان سكّان الزبارة من بني نعيم، غير خاضعين لسلطة آل ثاني، بل يغيرون على جيرانهم، معتمدين على تشجيع حكام البحرين، قرر الشيخ ثاني أن يقضي على قوتهم، فهجم عليهم، بقوة كبيرة، عام 1878، وحاصر قلعة مرير خمسة عشر يوماً، سقطت بعدها، وتفرق بنو نعيم بين الدوحة والبحرين؛ وانتهت الزبارة، مدينة مزدهرة، بعد هذا التاريخ.