ليس خافيا على أحد الأثر الذي أحدثه العُمانيون بنشر الإسلام على الساحل الأفريقي وكيف كان ذلك بفعل الاستيطان السكاني واندماج العُمانيين مع السكان الأصليين فكان أن نقلوا ثقافتهم ولغتهم، إضافة إلى عقيدتهم الإسلامية إلى غيرهم من الأفارقة. إن العرب العُمانيين هم أوَّل من اكتشف أفريقيا وجاس خلالها إلى حوض نهر الكونغو، وهم الذين أخبروا عن البحيرات والجبال المعممة رؤوسها بالثلوج على الرغم من مشاق الأسفار، وقد شهد لنتائج تحول الساحل الأفريقي إلى الإسلام ابن بطوطة عندما زار هذا الساحل عام 731هـ، فقرر أن كل الناس الذين رآهم في المدن التي زارها كانوا مسلمين(30). كما أثار ذلك دهشة «فاسكو دي جاما» عندما وفد على هذا الساحل الأفريقي عام 904هـ فوجد أهلها قد تطبعوا بطابع العرب من العُمانيين في عاداتهم ولباسهم، ولعلنا نتعرض إلى دورهم في نشر الإسلام من ناحيتين: الناحية الأولى من دور الدعـاة العُمانـيين في نشر الإسلام: لربما يحاول البعض تشويه صورة العرب والمسلمين في دخولهم لأفريقيا، دون الإشارة إلى هدف حقيقي هام يعول عليه، إن العُمانيين الداخلين إلى لبلاد الأفريقية وإن كان منهم الذي تدفعه روح المغامرة للكسب والغنى، إلا أن انتماءهم العقدي لدينهم الإسلامي هو الذي تحكم في حركتهم وتجولاتهم، وندلل على ذلك بالقصة التي يوردها الكاتب جراي عن الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري التاجر العُماني الذي وصل من زنجبار إلى بلاط الملك (سنا) بمملكة يوغندا عام 1260هـ/1843م، وذلك وسط دهشة المشاهدين مخاطبا ومعاتبا له قائلا: «مولاي إنَّ هؤلاء الرعايا الذين تسفك دماءهم كل يوم بغير حق إنما هم مخلوقات الله ــــ سبحانه وتعالى ــــ الذي خلقك وأنعم عليك بهذه المملكة». ورويدا رويدا انفتح عقلُ «الكباكا» وقلبه لكلام الشيخ إذ أقنعه بالدين الجديد الذي جاء يحمل مبادئه. وكذلك مبادئ الدين الإسلامي قبل وفاة الكباكا عام 1237هـ/ 1856م، بل هنالك حوادث أخرى تدل على دور الدعاة العُمانيين في نشر الإسلام. وقد أخبرني غير واحد من العُمانيين القادمين من شرق أفريقيا ـــــ الذين نشأ عدد من العاملين الأفارقة الوثنيين في مزارع آبائهم ـــــ عن دور العُمانيين في نشر الإسلام بين هؤلاء المزارعين من خلال تعليمهم مبادئ الدين الإسلامي وكذلك تسميتهم وتنشئتهم وتزويجهم على أسس الإسلام وتعاليمه. كما عمل الدعاة العُمانيون على مقاومة نشاط الجمعيات الكنسية، ومن الأسماء التي ترددت في وثائق الكنيسة أسماء عُمانيين قاوموا هذا النشاط كمثل الشيخ سليمان بن زاهر الجابري، وهو من سكان يوغندا المقربين للسلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار، الناحية الثانية من دور العلماء العُمانيين في نشر الإسلام: وقد تميَّز هذا الدور بنواح عدة جمعت بين القيام بواجبات الإفتاء والقضاء، والنواحي الرسمية بما يمليه واجب الدولة ومسؤولياتها، وتعد زنجبار بعد قيام الدولة البوسعيدية قصبة العلم التي هوت إليها أفئدة العلماء، وقد تنوعت الأسباب والدوافع التي حدت ببعض العلماء للهجرة نحو الساحل الأفريقي، كما عاود البعض منهم حنينا إلى بلدهم الأصلي فترددوا بينها وبين موطنهم الجديد كقول العالم الشاعر أبي مسلم البهلاني متشوقا لموطنه عُمان: تِلكَ المعَاهِدُ مَا عَهْدِي بِهَا انْتَقَلَتْ . ويبدو أن ترحيب سلاطين زنجبار بهؤلاء العلماء، ومدهم بالعون والمؤازرة والاعتماد عليهم في ترسيخ قدم الدولة وبسط نفوذها شجع على الهجرة والاستيطان على الساحل الأفريقي، نذكر من بينهم العلامة المشهور الشيخ ناصر بن أبي نبهان الذي انتقل بصحبة السلطان سعيد بن سلطان إلى شرق أفريقيا، ومع تردده على عُمان، وقارن أسماءها مع ما هو معروف منها في البلاد العربية. ونجد كذلك من بين علماء زنجبار الشيخ محمد بن علي المنذري، وكان رئيسا للقضاء في عهد السلطانين سعيد بن سلطان وولده ماجد بن سعيد، ولهذا الشيخ مؤلف في العقيدة هو «الخلاصة الدامغة» وقد توفي عام 1314هـ/ 1869م. وقد تولى ابنه الشيخ علي بن محمد المنذري منصب قاضي زنجبار في عهد السيد خليفة بن حارب، ومن بين العلماء الذين تقلدوا قضاء «مُمباسة» الشيخ علي بن عبد الله المزروعي الذي برز في عهد السلطان ماجد بن سعيد (1856-1870م) وكذلك ابنه الشيخ الأمين بن علي المزروعي، ومن العلماء البارزين في ساحة العم على الساحل الأفريقي، العالم الشاعر أبو مسلم بن ناصر سالم بن عديم البهلاني الذي له عدة مؤلفات مشهورة مثل «نثار الجوهر» وهو كتاب في الفقه، وله ديوان شعر مطبوع في وزارة التراث لسلطنة عُمان تظهر فيه براعته في الصياغة الشعرية فهو يمتاز بنفس شعري عميق، وبلاغة قلما يشهد لها مثيل. ويجمع الشيخ بين مواهب متنوعة في القضاء والشعر والصحافة والنثر. فقد كان متابعا لما عليه حال المسلمين في أنحاء العالم، ومما يدلنا على فكر العلامة أبي مسلم في استيعابه لمقتضيات العصر تلك الرسالة التي وجهها إلى الإمام سالم بن راشد الخروصي (حكم 1331 ــــ 1338هـ) في عُمان بتاريخ 14 ربيع الثاني 1333هـ التي حملت أفكارا تفصح عن بعد النظرة لما هو الحال الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة. وبِوُدِّي لو ساعدني العلماء هناك على الرأي الذي أراه، وهو جواز جبر الأولاد على التعلُّم، ثم تجعل نفقة الفقراء منهم على بيت المال، وهي طريقة سياسية دينية تدل لها أصول من الكتاب والسنة»(38). ونستخلص من هذه الأفكار التي قدمها أبو مسلم بُعد النظرة وعميق الفكر لديه، وكيف أن مكوثه في زنجبار في الساحل الأفريقي قد أتاح لهذا العالم تكوين نظرة عصرية تسبق في توقيتها الزمني الواقع الذي يعيشه الوطن الأم عُمان آنذاك. وكذلك نجد أن لديه أفكارا تربوية بنيت على استنباط فقهي قد تحلُّ أزمة التعليم القائمة في دول كثيرة من بلداننا إذ نجد أن أبناء الأغنياء يحصلون عل نفس ميزات أبناء الفقراء في التعليم، وقدرة الآباء على نفقات التعليم وما إلى ذلك. وفي هذه الرسالة يدعو أبو مسلم الإمامَ سالم أيضا إلى وجوب المصالحة مع الدول المحيطة والمهادنة معها لما فيها من صالح للمسلمين وصالح للرعية، أي إقامة علاقات جوار ودية، وهو أمر ينمُّ عن بعد النظرة والوعي السياسي حيث تنبه لما فيه صلاح الأمة وقوتها. لقد عززت حركة النشر والتأليف من ارتباط عرب الساحل بغيرهم من إخوانهم المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي من جهة، ولم يكن التأليف قاصرا على اللغة العربية، بل تعداها إلى اللغة السواحلية التي مزجت مفرداتها بكلمات ومعان من اللغة العربية، ومن ذلك نجد العناية بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة السواحلية التي بدأت بترجمة سورتي الفاتحة والبقرة بواسطة الشيخ الأمين بن علي المزروعي. ثم جاءت ترجمة كاملة للقرآن بواسطة الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي الذي تبوأ منصب قاضي القضاة بكينيا. وتاريخ السيرة النبوية، وتاريخ السيد سعيد بن سلطان وكذلك أحكام المواريث. ومن العلماء العُمانيين في عهد السلطان برغش بن سعيد بن سلطان العالم الشيخ يوسف بن ناصر الخروصي الذي هاجر إلى أفريقيا عام 1300هـ، ومن بين العلماء صاحب المقامات العُمانية والصحارية الشيخ محمد بن علي بن خميس البرواني الذي برع في أدب المقامة. وفيهم كذلك العلامة سالم بن سعيد الشعبي وهو شافعي المذهب وله كتاب في علم الفرائض "أسمى المقالب المبهمات". كمثل الشيخ سعيد بن علي المغيري صاحب كتاب «جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار» الذي ولد في عُمان ثم ارتحل إلى زنجبار عام 1300هـ وقد عينته الحكومة عضوا في المجلس التشريعي بزنجبار عام 1351هـ(39). والكتاب والمحققين حتى يعنوا بإبرازه وكشف كنوزه وهو ما يدلنا على عمق الأثر العلمي الذي أحدثه نقل الإسلام والحضارة العربية الإسلامية إلى الساحل الأفريقي. هذا الأثر الذي أينع ثمره وزكى بعد سنين دأبت من الاتصال الحضاري والتبادل الثقافي والتمازج المكاني والسكاني بين العرب العُمانيين وإخوانهم من الأفارقة على مر التاريخ. لقد أحدث ولوج العُمانيين للساحل الأفريقي نهضة علمية وثقافية واسعة المجال كما أن اهتمام السلاطين العُمانيين بنشر العلم، إنشاء المطبعة السلطانية التي دفعت إلى قيام الصحافة العُمانية إبان حكم السيد برغش بن سعيد بن سلطان خلال الفترة من (1287ـــ1306هـ) (1870ــــ 1888م). ولعلنا نقف لنمر سريعا على دور الصحافة العربية التي أسسها العُمانيون في أرض المهجر لندرك أن هذه الصحافة قد حملت على عاتقها دورا إصلاحيا لواقع البلاد الأفريقية هذا مع وجودها كمنبر ثقافي لنشر الثقافة العربية الإسلامية في تلك البقاع. كما أن رواد هذه الصحف العُمانية وكاتبيها لم يغيبوا عن النشاط الصحفي في أجزاء من العالم العربي نستدل على ذلك من نشر مجلة الهلال المصرية في عددها الصادر في 29 جمادى الأولى 1324 هـ لمقال أسهم به الشيخ ناصر بن سليمان اللمكي كموضوع افتتاحي تحت عنوان "أشهر الحوادث وأعظم الرجال: حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو" وتعد هذه الدراسة توثيقا لأحد المغامرين العُمانيين الذين توغلوا في أصقاع الكونغو وكانت لهم فتوحات مشهودة في هذا الجانب(42). ونعود إلى جريدة الفلق التي قاومت في مقالات لها سياسة الإدارة البريطانية في زنجبار لتحويل الكتابة من الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية بالنسبة للغة السواحلية حيث نشر الكاتب مسلم بن حميد الرحبي مقالا يدعو فيه إلى الاهتمام باللغة العربية في عددها الصادر في 11/07/1956م(43). وتعد صحيفة النجاح التي أصدرها الشيخ أبو مسلم البهلاني من أُولًى الصحف العُمانية فقد أصدر عددها الأول في 09 شوال 1330هـ/12 أكتوبر 1911م، وقد اهتمت بنقل أخبار العالم الإسلامي والعالم من حوله، فمثلا تمت تغطيتها لحرب الدولة العثمانية مع الطليان، ومما يزيد من قيمة هذه الصحيفة شأنا أسلوب أبي مسلم الأدبي وقدرته العلمية في تأليف المقالة، كذلك وجود كُتَّاب آخرين إلى جانبه كمثل الشيخ ناصر بن سليمان اللكمي الذي تناوب على رئاسة تحريرها مع الشيخ أبي مسلم. وقد امتدت نهضة علمية لتعليم مبادئ الدين والقرآن الكريم قراءة وتجويدا في كل مدن الساحل وصولا إلى جزر القمر، حتى إن سكان مدينة مدغشقر كانوا يكتبون بالأحرف العربية قبل احتلال فرنسا لها(44). وقد انتشرت المدارس التي تعنى بتدريس علوم الدين على يد مشايخ عُمانيين وغيرهم من العرب الحضارمة،