عُني فلاسفة العرب بالمنطق عنايةً عظيمة؛ وقد رأينا من قبلُ كيف تميَّز علم الكلام عن الفلسفة باعتبار المنهج الذي يتبعه كلٌّ منهما؛ فالمنطق منهج الفلاسفة، والجدل منهج المتكلمين. وليس لنا أن نتوقَّع من فلاسفة العرب تقدُّمًا ملحوظًا في دراسة هذا العلم؛ لأن أرسطو — صاحب المنطق — لم يترك لمن جاء بعده إلَّا النزر اليسير. أمَّا الأصول العامة في المنطق وترتيب موضوعاته فقد حذا فلاسفة العرب حذو المعلِّم الأول خطوةً خطوة، وقد ذكرنا هذه الكتب فيما سبق عند الكلام عن عصر الترجمة. فما الجديد إذن في المنطق ممَّا أضافه الفلاسفة الإسلاميون؟ الجديد في التنسيق؛ فقد نبع هذا العلم كاملًا متكاملًا، كما نجده في كتاب صُنِّفَ في القرن السادس الهجري، هو «البصائر النصيرية» تأليف زين الدين عمر بن سهلان الساوي. وبلغ من إعجاب الشيخ محمد عبده بهذا الكتاب أنه توفَّر على تحقيقه ونشره وتدريسه. وخاضوا في مشكلاتها، ولعل «منطق الشفاء» لابن سينا من أحسن النماذج على هذه المناقشات المنطقية العميقة. ومن جهة ثالثة فإن اشتغال فلاسفة العرب بالعلوم واتباعهم مناهج تجريبية تُلائم البحث في الطبيعيات، عكَس هذا الاتجاه التجريبي على المنطق، فتوسَّعوا في باب الاستقراء. ولمَّا كان المنطق كما ذكرنا أداة الفلسفة، وكان سلاحها الذي تذود به عن حوضها، كما تُهاجم به خصومها، وكان هذا السلاح قد يُوجَّه بصفة خاصة ضد الدين، فقد اعتبر فقهاء المسلمين أن المنطق سبب الخلل الواقع في الفلسفة، وأنه هو علة انحراف الإنسان عن جادة الصواب والطريق المستقيم، يعنون بذلك الطريق طريق الدين. وقيل: من تمنطق فقد تزندق. لهذا السبب وُجد في تاريخ الفكر الإسلامي تياران متعارضان، أحدهما يأخذ بالمنطق الأرسطوطاليسي، وعن هذا التيَّار صدرت الفلسفة والعلوم المختلفة من رياضية وطبيعية. وهذه هي طريقة السلف، منذ الإمام أحمد ابن حنبل، إلى شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه ابن قيِّم الجوزية. وقد كتب ابن تيميَّة في الرد على منطق اليونان كتبًا تحمل هذا العنوان. وسلك تلميذه — ومن سار على نهجه فيما بعد — هذا المسلك. أمَّا علم الكلام فإنه اصطنع منذ القرن السادس الهجري المنطق وأدخله مقدمةً يُمهِّد بها لبحث العقائد الإسلامية، وبعد، ما المنطق؟ أهو قواعد علمية إذا اتبعها المرء بلغ الصواب وتجنَّب الخطأ، أم هو قوانين للعقل البشري؟ بعبارة أخرى هل المنطق علم أم فن؟ بسبب توجيه الفارابي وابن سينا من بعده، هو أنَّ المنطق فنٌّ وليس علمًا، فالفارابي يقول في «إحصاء العلوم»: «إن صناعة المنطق تُعطي جملة القوانين التي شأنها أن تُقوِّم العقل وتسدَّد الإنسان نحو طريق الصواب … إلخ. » فالمنطق ليس علمًا كما ذهب إلى ذلك الرواقيون، ولكنه آلة، أو «أورجانون» كما ذهب إلى ذلك شُرَّاح أرسطو، فهو الأداة التي تُمتحن بها العلوم النظرية والعملية على سواء. وهناك صلة وثيقة بين المنطق واللغة؛ ولا بد أن تكون الألفاظ محدَّدةً واضحةً حتى لا يقع لبس في التفكير ممَّا يُفضي إلى المغالطة. وقد بحث ابن سينا في هذه الصلة وقرَّر أنه: «لو أمكن أن يتعلَّم المنطق بفكرة ساذجة إنما تلحظ فيها المعاني وحدها، ولو أمكن أن يطَّلع المحاور فيه على ما في نفسه بحيلة أخرى، » وهكذا فطن الشيخ الرئيس إلى إمكان وجود منطق رمزي لا يلتفت فيه إلى اللفظ. وقضاياه إنما يلتفت فيها إلى وجودها الذهني لا إلى وجودها خارج الذهن، أي أن نتصوَّرها، أو كما يقول ابن سينا في المدخل ص١٥: «وإذا أردنا أن نتفكَّر في الأشياء ونعلمها، فنحتاج ضرورةً إلى أن نُدْخلها في التصوُّر … والأمور إنما تكون مجهولةً بالقياس إلى الذهن لا محالة، وكذلك إنما تكون معلومةً بالقياس إليه. » ولكن ابن سينا في كتبه المتأخِّرة اعترف بنوع آخر من القضايا هي القضايا الوجودية التي لا تستمد العلاقة بين موضوعها ومحمولها من الذهن نفسه، بل من النظر إلى الشيء الخارجي ومراعاة أحواله المتغيِّرة. وهذا الترتيب قد يكون قياسًا وقد يكون برهانًا. وقد عُنِيَ العرب عنايةً كبيرةً بالقياس، وانتهى بهم الأمر إلى ردِّ كل تفكير إلى أشكال قياسية؛ حتى تكون النتائج مستمدةً بالضرورة من مقدِّماتها. وكان فلاسفتهم في ابتداء أمرهم يُوجِّهون نظرهم إلى اكتساب المقدِّمات التي تصلح للبرهان. وقد رأينا كيف انتقص المؤرِّخون من منزلة الكندي؛ لأنه لم يُحسن صناعة البرهان. ومع ذلك فإنَّ ابن سينا وهو يضع نظرية البرهان، فإنه يرجع به إلى القياس، ويقول إنه قياس يقيني مُؤلَّف من يقينيات لإنتاج يقيني. فالقياس الذي يوقع اليقين هو البرهان. ومقدِّمات القياس أصناف كثيرة منها؛ أن تكون كليةً وضرورية، أي صادقة في كل زمان ومكان، وهذه لا تتوفَّر إلَّا في الأوليات والمحسوسات والمجرَّبات والمتواترات. والبرهان سبيل إلى الاستدلال في العلوم، وبه تُمحَّص قضايا العلم، ويُكشف الستار عمَّا فيها من خطأ. والتجرِبة لا يمكن في نظر مناطقة العرب أن تسمو إلى منزلة البرهان اليقيني؛ وكل ما يبلغه ظن قوي غالب، إلَّا إذا كان استقراءً كاملًا، فيكون حينئذٍ شبيهًا بالقياس. بديهية المساواة، وبديهية الكل أكبر من الجزء. وقد أعلى الغزالي في «المنقذ» من شأن الرياضيات فقال إنها علوم برهانية لا سبيل إلى مجاهدتها بعد فهمها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة. ونحن نعلم أنَّ المنطق ذو صلة وثيقة بالرياضيات، أوضحها «برتراند رسل» حديثًا في منطقه الذي وَحَّدَ بينه وبين الرياضة. ولكن فلاسفة العرب الذين اعتمدوا على البحث في الطبيعة وفي علوم الحياة والطب، وجدوا أنه لا يمكن الاعتماد على القياس وحده، بل لا بد من إجراء الملاحظات والتجارب؛ أي اتباع منهج الاستقراء؛ فهو المنهج النافع في مثل هذه العلوم. وجابر بن حيان في الكيمياء، وابن سينا في الطب. فقد كانت للشيخ الرئيس تجارب تتبعها زمنًا طويلًا واستخرج منها قواعد كلية، ممَّا جعل المؤرخين له يقولون إنه عدَّل في آخر حياته في منطقه، فأخذ بمنطق جديد يُفسح المجال لمشاهدة الحس المشروطة بالشروط العملية بدلًا من القياس النظري البحت. وقد وضع ابن سينا بالفعل في أول كتاب «القانون» قواعد سبعًا للتجريب، طريق القياس، وطريق التجربة. والثاني أن يكون المجرب عليه علة مفردة، «فإنها إن كانت علةً مركبة، وفيها أمران علاجيان متضادان، فجرَّب عليهما الدواء فنفع، لم ندرِ السر في ذلك بالحقيقة. » والثالث تجرِبة الدواء على المتضادة. والرابع أن تكون القوة في الدواء مقابلًا بها ما يُساويها من قوة لعلة، والخامس أن يُراعى الزمان الذي يظهر فيه أثره أو فعله. والسادس أن يُراعى استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر. والسابع أن تكون التجرِبة على بدن الإنسان. هذا المنهج العلمي الذي كان علة ازدهار العلوم عند العرب، هو الذي سعى فلاسفة أوروبا ابتداءً من القرن الثاني عشر إلى طلبه، ذلك أنَّ أوروبا باللاتينية سعت إلى نقل العلوم عن العرب وجاء نقلها للفلسفة عَرَضًا. وهذا كما نذكر ما فعله العرب في ابتداء عصر الترجمة حين نقلوا العلوم أولًا وبالذات، ثم استتبع ذلك نقل الفلسفة. أمَّا منهج العلوم الإنسانية التي تشمل الدين والأخلاق والسياسة، فقد أضاف فلاسفة العرب إلى منهج أرسطو الذي بسطه في كتاب «الجدل» طريقة «التواتر»، أي تواتر الشهادات المروية عن فلان عن فلان، وهو منهج إسلامي بحت يتميَّز بنقد الرجال، والثقة بالشخص الذي يُروى عنه. ونحن نعلم أن سنة الرسول تعتمد على هذا المنهج، ولكن الفلاسفة طبَّقوا هذا المنهج على التاريخ، وكان لهم رأي في صحة الحقائق التاريخية يختلف عن منهج أهل السنة؛ ذلك أن المعوَّل في صحة الواقعة التاريخية ليس كثرة الشهادات أو عددها، بل «اليقين» الذي تزول معه الريبة، مثل الاعتقاد بوجود جالينوس وإقليدس١وغيرهما. مثل أنَّ الظلم قبيح، وليست مثل هذه القضايا يقينية، ولكنها مشهورة. وقد أطال ابن سينا في كتاب «الجدل» وهو الجزء السادس من «الشفاء» بحث المشهورات، وإجماع أرباب الملل عليه، وتصير شريعةً غير مكتوبة، ويجري عليها التربية والتأديب، والكذب لا يجب فعله. »٢ والعرف مصدر من مصادر الأخلاق يُشبه اليقين، جملة القول: إن البرهان نافع في العلوم الرياضية والطبيعية؛ أمَّا القياس الجدلي فإن مقدِّماته إنسانية تبحث في شئون المجتمع وتنفع الحكَّام والمدبِّرين للدولة والمعلِّمين، بل بحسب «واضع أو واضعين». فالحق يُنظر إليه في نفسه، فمن المشهور «ما هو مشهور محمود عند الفلاسفة والحكماء؛ مثل أن السماء كرية. وقد ذهب الفلاسفة إلى أن المنطق أداة نابعة في البرهنة على وجود الله، وهي أداة عقلية، غير أن الغزالي أنكر ذلك عليهم،