بهذا تم انتقال الحكم في مصر إلى أيدي المماليك، بعد انقراض الدولة الأيوبية خُيل للمغول أن الوقت قد حان لمهاجمة مصر واحتلالها، وشعر الناس بأنهم مدينون لأولئك الشجعان بالولاء والوفاء، حتى وصل إلى الأيوبيين، الذين درّبوه
أسرع (بيبرس بعد تلك الأحداث إلى مصر كي ينفرد وحده بقطف ثمار النصر العظيم، 3 شرقي الدولة الإسلامية
نحن الآن في الساحة الهامة التي جرت عليها الأحداث المتصلة بسيرة جلال الدين الرومي، لكن خوارزمشاه محمد بن تكش) استطاع التغلب على الغوريين حالما تسلم السلطة بعد وفاة والده، كل ذلك هيأ لخوارزمشاه محمد بن تكش الفرصة لاجتياح بلاد الجبل وقزوين وهمدان وأصفهان، وبهذا انقرضت دولة الغوريين التي يصفها ابن الأثير بأنها كانت من أحسن الدول) . ومن أجل تحقيق ذلك جهز جيشاً كبيراً وسار متوجهاً إلى بغداد، فمضت جحافلهم الجرارة تجتاح البلدان دون أن تجد من يتجاسر للوقوف في وجهها وقد بذل جلال الدين بن محمد بن تکش خوارزمشاه محاولات كثيرة لرد الاعتبار إلى سمعة والده، في جلال الدين خوارزمشاه بن محمد بن تکش تتباين آراء المؤرخين، يقول بعد تسجيل نبأ هزيمة جلال الدين خوارزمشاه سنة 628هـ، بعد إصابته بالمرض الذي سيؤدي إلى وفاته سنة 630هـ ، وهرب جلال الدين خوارزمشاه إلى نهر السند كسيراً فرأى والدته وزوجته وجماعة من نسائه وهنّ خائفات من الأسر، فأمر بهن جميعاً فغرقن جميعاً في النهر !!» هذا الحادث الفظيع الذي لم يُسمع بمثله في تاريخ الإسلام كله، ولستُ أدري كيف يمكن التوفيق بين وجهتي النظر المذكورتين المهم في كل هذا أن المغول مضوا من بعد ذلك يُكملون حملاتهم يخربون ويقتلون ويستبيحون المحرمات على حد وصف ابن الأثير لسيرتهم. وعينوا (معين الدين براولة) نائباً عنهم في حكمها . 4- دولة الموحدين في الأندلس
ليس في سيرة جلال الدين الرومي شيء ذو صلة بالأندلس وأهلها، لذا لم نجد ما يحوجنا إلى نشر صفحات التاريخ الخاص بهذه البلاد، كما عُرف عنه أنه كان ينتقد فكر أبي حامد الغزالي في كل مناسبة وقد تعرّضت مؤلفات الغزالي إلى الإهانة، كما أنه حاول الابتعاد عن فكر أفلاطون بعكس الفارابي الذي حاول جهده أن يوفق بين
حاول ابن رشد، وعلى هذا فإنَّ التكون الروحي لابن عربي قد تمَّ أثناء نشأته في موطنه الأندلس، ولعل من المفيد أن نذكر القارئ بأنّ ابن عربي معاصر لابن الفارض (سلطان العاشقين) وقد عاش كلاهما تحت رعاية الأيوبيين، ويرى المستشرق الإسباني أثين بلاثيوس أن ابن عربي هو الذي ثبت مذهب الأفلاطونية المحدثة في الفكر الصوفي الإسلامي، وقام ابن عربي برعاية ربيبه وتوجيهه نحو عالم التصوف، فبفضل الصدر القونوي تهيأ لمؤلفات ابن عربي أن تذيع وتنتشر في جميع أرجاء العالم الإسلامي لا سيما في الأناضول وإيران والهند وحين وقعت آسيا الصغرى كلها وغيرها من البلاد تحت الحكم العثماني، هذا
ما عرفت به هاتان الدولتان من النزعة السلفية والتزمت الديني. وفي مقدمتهم : جلال الدين الرومي . سيرة موسوعية عابرة للزمان والمكان
1- مصادر سيرة جلال الدين الرومي
ومن ثم فإن الفارسية ظلت وسيلته الأساسية في التعبير عن نفسه، لا سيما إذا تذكرنا بأن الفرس والترك ظلوا طوال عهود الحكم العربي الإسلامي يحاولون بكل وسيلة الانفصال عن جسم الدولة للحصول على استقلال ولو نسبي، ثم نجح السلاجقة في إنشاء دولتهم في القرن الخامس الهجري واستطاعوا طرد البويهيين والحلول محلهم مع الاستيلاء على أماكن لم تصل إليها أيدي البويهيين لا سيما بلاد الأناضول. وبلوغها أوج عظمتها في عصرها الذهبي ذلك وليس من شك في أن التشابه الملاحظ بين مناخ كل من إقليمي تركستان وخراسان كان له تأثيره الهام في تشكيل نفوس أبناء شعوب تلك البلدان، وقبله أيضاً حين كانت هذه البلاد مستقراً للإغريق كما هو معروف. وقد أدّت معرفته للإغريقية الكلاسيكية وللهجة اليونانية الدارجة أيضاً، إلى تعلق النصارى لا سيما الرهبان منهم به، على أن التأثر لم يقتصر عليهم وحدهم فقد تأثر جلال الدين الرومي نفسه بالفكر المسيحي ومسالك الرهبان في الأديرة مما انعكس بشكل واضح في فلسفته وطريقته الصوفية. فيما يلي نقدّم قائمة موجزة بأسماء أهم المصنفات (المصادر التي عُنيت برواية سيرة جلال الدين الرومي، كما سيتضح في الصفحات الآتيات : -1- كتاب المعارف ويتضمن مجموعة أحاديث وآراء فلسفية
ومواعظ أخلاقية لبهاء الدين ولد سلطان العلماء] (والد جلال الدين) قيل إن جلال الدين هو الذي جمعها في كتاب، بعد وفاة أبيه
اعتزازاً بها وخوفاً عليها من الضياع. 2 كتاب المقالات للسيد برهان الدين محقق الترمزي بيزيد
بهاء ولد، إذ تسود الفوضى في جميع صفحاته ويبدو أن سلطان ولد كان يسجل كلام شيخه شمس الدين أثناء الحديث، 6- مؤلفات جلال الدين الرومي، الحكيمة المتعلمة بتربية ولدهما، والإشراف بنفسها على تعليمه. وما
كاد بهاء الدين يبلغ سنّ الحلم حتى أصبح مدرساً ناجحاً يتزاحم على
دروسه الطلبة من جميع أنحاء المدينة، وفي عام 595هـ عُقد قران بهاء الدين ولد على (مؤمنة) خاتون التي قيل إنها بنت أحد أمراء بلخ، ويلاحظ هنا أن الزيجة الأولى لبهاء ولد هذه قد تمت وهو قد تجاوز سن الخمسين، واعتاد جلال الدين أن يتوجه يومياً إلى مدرسة أبيه
لينزوي في أحد أركان غرفة الدرس، مصغياً بكل جوارحه إلى ما
يُلقيه والده من حكم ومواعظ وأفكار ومناقشات نظرية، ويضيف
أحمد أفلاكي موضحاً بأن مؤمنة خاتون كانت مع حرصها الشديد
وكانت أشد اهتماماً بإظهار رونق جلال الدين لما امتاز به من وسامة ووضاءة. وهكذا نشأ جلال الدين على عشق الجمال : جمال النفس وجمال القلب وجمال الفكر وجمال الجسد. ويحمل الطعام بنفسه إلى إناث الكلاب المرضعات ويسير مسافات طويلة من أجل إيصال الطعام إليها، إلى ما نسميه اليوم (بالمودة) التي شاعت يومئذ بين جميع الحكام بلا استثناء. وهي تتفق بينها جميعاً على ضرورة الانسحاب إلى داخل النفس والانسجام معها، فما كان من هذا إلا أن يلصق بالرازي (تهمة الانتماء إلى فكر أرسطو وآراء الفارابي وفلسفة ابن سينا وكلها في نظر العامة ( من الكفريات ثم إن ابن القدوة بكي واشتكى إلى السماء جرأة المتكلمين على المجاهرة بالكفر، وعند هذا هاج الناس وكادت تقع الفتنة، فأرسل غياث الدين ينصح الرازي بمغادرة هراة حتى تهدأ الأحوال. غير أنّ غياث الدين ترك مذهب الكرامية، كانت دولة خوارزمشاه قد توسعت وامتدت حتى أخذه الغرور، وبدأ يمني نفسه بأن يحكم البلاد الإسلامية جميعاً. بحسب
أي محاولة إسقاط الخلافة. زاعماً أنها لا توصل العارف إلا إلى الضلالة عن الهدف الذي هو عندهم الاتحاد بالله. وبعد وفاة الفخر الرازي سنة 606هـ واصل بهاء ولد هجومه على فلسفته، لكن (بهاء ولد كان قد صمم على أمر كبير. وولده جلال الدين البالغ من العمر ثماني عشرة سنة وعلاء الدين الذي يكبره بسنتين، بعد نيسابور اتجهت القافلة نحو بغداد دار السلام وعاصمة العباسيين، بحسب ادعاء أحمد أفلاكي، كان لمريد بهاء ولد شرف الدين لإله السمرقندي الذي صاحبه في رحلته من بلخ إلى كرمان بنت جميلة اسمها جوهر خاتون في سن جلال الدين، ودرست معه على يد والدها وعلى يد بهاء ولد أيضاً. حكم بين عامي 618-634هـ . فقد فاز محي الدين ابن عربي (1) أثناء إقامته في قونيا سنة 607هـ بمكانة عظيمة لدى السلطان السلجوقي كيكاوس عز الدين، حتى أنه جعله بمقام مستشار شخصي في المسائل الدينية، ثم إنه تمثل بالتأويل الباطني للدين وللشريعة، كان الأمير بدر الدين جوهر طاش أحد المعجبين بمواهب بهاء الدين ولد، فلا يملكون إلا
بعد وفاة والده استقر جلال الدين وزوجه جوهر خاتون وولداهما (سلطان ولد، فيما سبق من الفصول أشرنا إلى ملازمة برهان الدين الترمذي
فكان يعتزل العالم مدة أسبوع أو أكثر وقد يحبس نفسه في غرفة مقفلة مدة أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب ولا يكلم أحداً ويكتفي من الطعام
ولم يتحمل جسده هذا النصب والحرمان (وليس كل إنسان قادراً على تحمل مشاق رياضة المتصوفة)، فاختبل عقله وهام على وجهه وفقد الناس له كل أثر مدة اثني عشر عاماً، ويشغل نفسه بتفاصيل الأحاديث عن توجه جلال الدين إلى التصوف تحت إشراف شيخه برهان الدين، وحين يعود بعد ذلك إلى سرد أحداث السيرة الشخصية لجلال الدين نسمعه يتكلم عن زوجه الجديدة كرا (خاتون)، وحماسه لأبي الطيب المتنبي بشكل خاص، ومن ابن العديم تعلم أيضاً التسامح والإنصاف وعدم التعصب وسعة الأفق وغير ذلك من الخلال الحميدة المتجلية في مصنفات ابن العديم لا سيما كتابه الشهير في الدفاع الشريف عن أبي العلاء المعري، ولم يكن بإمكان الأناضول
بعد العودة إلى قونيا، عند هذا أحس سيد برهان الدين محقق أن واجبه قد انتهى
ثم إنه نادى تلميذه جلال الدين وقال له : «بعد اليوم لن تكون في حاجة إلي لأنّ القادم الجديد سيملأ لك دنياك الجديدة على عادة سيد برهان الدين بالتنبؤ بظهور شمس الدين
في سنة 638 هجرية عاد سيد برهان الترمذي إلى بلدة قيصري وفي اليوم الأخير من العام المذكور استدعى خادمه وقال له : «لك أن تغادر الدار، كانت دماء الأبرياء تسفح أنهاراً تحت ستار الدين الذي يؤكد جميع الفلاسفة أنه لا يتناقض مع العقل،