لاقت قيمة التسامح في العقود الأخيرة حضورًا واضحًا على مستوى الخطابات السياسية والثقافية والتعليمية، وذلك ليس فقط لكونها إحدى القيم الأخلاقية المفضلة، إنما لأنها ضرورة تمليها طبيعة المجتمعات الحديثة التي تتسم بالتنوع، وزيادة التفاعل بين الأفراد والجماعات، انتقل الحديث عن التسامح من كونه دعوة أخلاقية أو تناول فكري عام إلى اعتباره جزءًا واقعيًا من البيئة المؤسسية عبر اعتماده كلغة رسمية تتجلى في الوثائق والخطط والبرامج والمبادرات والسياسات العامة ، و بات التسامح ممثلاً لقيمة تساهم في استقرار المجتمع وتعزيز احترام التعددية وتنظيم العلاقات بين الأفراد وفق إطار قانوني وثقافي وتربوي واضح، فأدى إلى ظهور ما يعرف بالخطاب المؤسسي للتسامح ، و هذا النوع من الخطاب يتبناه مؤسسات رسمية وتعليمية وثقافية لتحديد مفهوم التسامح وترسيخه في المجتمع العام وتوجيه الفئات المختلفة إلى تبنيه كمعيار معرفي وسلوكي يدعم التعايش. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، اكتسب مفهوم التسامح أهمية خاصة، حيث لم يطرح في الخطاب الرسمي كعبارة عابرة، إنما تجسد في خيارات استراتيجية تعكس توجهات الدولة عبر المبادرات الوطنية والوثائق الرسمية والسياسات التعليمية والمشاريع الثقافية المتنوعة ، و وفقًا للمنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات، تم إطلاق البرنامج الوطني للتسامح في يونيو 2016 معتمدًا على سبعة ركائز رئيسية تشمل الدين الإسلامي، والفطرة الإنسانية والقيم المشتركة ، كل هذه المرتكزات تُظهر بوضوح أن التسامح في النهج الإماراتي قيمة مركبة تستند إلى أسس دينية ووطنية وثقافية وإنسانية متشعبة ، نجحت المبادرات الرسمية ذات الصلة في جعل مفهوم التسامح عنصرًا رئيسيًا في الخطاب الوطني العام، حيث يتم الترويج له عبر لغة تشدد على أهمية احترام الاختلاف، فيعكس حرص الدولة على ترسيخ نفسها كبيئة للتعايش والتنوع الثقافي. لا يقتصر هذا الاهتمام على المجالين السياسي والإعلامي، إنما يتضمن أيضًا الحقل التعليمي، الذي يعتبر من أهم الوسائل لتشكيل الوعي لدى الأجيال الجديدة، فقد أظهرت الدراسات التي تناولت الكتب المدرسية في الإمارات أن النظام التعليمي يضطلع بدور مهم في ترسيخ قيم السلام والتسامح والتعايش وخصوصًا في مقررات التربية الإسلامية، تبرز تمثيلات متعددة لقيم التسامح، حيث يتم وصلها بالمبادئ الدينية والأخلاقية والاجتماعية ، التعليم الإسلامي في الإمارات يعرض قيم التسامح بطريقة تربطها بالسلوك المتوازن والانفتاح المسؤول على الآخرين، تصبح المدرسة والجامعة فضاءين لا يقتصر دورهما على نقل المعرفة فهما يشملان أيضًا المساهمة في بناء تصورات وقيم وأنماط تفاعل اجتماعي. ومن بين المؤسسات الأكاديمية ذات الأهمية لدراسة هذا الموضوع، تحظى جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بمكانة مهمة ؛ إذ إن طبيعة توجهاتها الأكاديمية وموقعها المعرفي يجعلانها متميزة في مناقشة قيم التسامح والتعايش وقضايا الفكر الإنساني بصورة منظمة وممنهجة و تقدم الجامعة برامج أكاديمية متخصصة تتصل مباشرة بهذه القيم، كبرنامج ماجستير في التسامح والتعايش، بجانب برامج أخرى في الدراسات الاجتماعية التي تركز على مفاهيم التسامح والسلام والعدالة الاجتماعية ، كما أعلنت الجامعة سابقًا عن إطلاق برنامج بكالوريوس في التسامح والتعايش ، ورغم أن ذلك لا يفترض تأثيرًا مباشرًا مسبقًا على وعي الطلبة، إلا أنه يقدم مجالًا غنيًا للدراسة وفحص مدى استجابة الشباب الجامعي لهذا النوع من الخطاب الرسمي والأكاديمي المتكرر ، ويسلط الضوء على الكيفية التي تستوعب بها هذه المفاهيم من قبل الطلبة، وينعكس ذلك في مواقفهم وسلوكهم داخل البيئة الجامعية.