لعل الحديث عن قضيتي التضخم والبطالة لا يعد لدارس الاقتصاد بالموضوع الجديد. فكلا الأمرين باتا يقترنان بجل الأحاديث اليومية في كل أسرة وبيت. والدول في هذا الجزء من العالم لا تخلو في أي وقت من هاتين الظاهرتين إحداهما أو كلتيهما. ويتصدى التحليل الاقتصادي الكلي إلى دراسة ماهية، ووسائل علاج كلتا الظاهرتين. ومن هنا فإنه من المفيد في تناول (مبادئ الاقتصاد الكلي) أن نراجع في عجالة مركزة، الموضوعين - التضخم والبطالة - بما يسمح للطالب بالمزيد من الفهم والحوار حول توأمين يهددان باستمرار مستقبل الشعوب حتى أصبحا يسميان توأمي السوء Twin Evils Inflation أولاً: التضخم يعرف التضخم على أنه الارتفاع المستمر والملموس في المستوى العام للأسعار في دولة ما. ويحسب ما يسمى بمعدل التضخم وفقا للمعادلة التالية: معدل التضخم = (المستوى العام للأسعار ( في سنة ما) - المستوى السنوي العام للأسعار (في السنة السابقة))÷المستوى العام للأسعار للسنة السابقة ×100 بيد أن العودة إلى التعريف السابق توحي بوجود ركنين رئيسين لظاهرة التضخم وهما : أ. أن التضخم يقاس بمعيار ما يسمى (المستوى العام للأسعار) General Price Level. ويعرف المستوى العام للأسعار على أنه المتوسط الترجيحي لأسعار مجموعة السلع والخدمات المستخدمة أو المستهلكة في بلد ما. وذلك إما وفقاً لأسعار المستهلكين أو لأسعار المنتجين. هذا وسنأتي إلى كيفية حساب التضخم وفقاً للأسعار القياسية في الجزء اللاحق. أن التضخم هو ارتفاع ملموس ومستمر Sustained في المستوى العام للأسعار. والمقصود هنا أمران: الأول، أن يكون ارتفاع الأسعار واضحاً ومحسوساً في المجتمع، والثاني، أن يكون ذلك الارتفاع الملموس ممتداً على فترة من الزمن. مثل الخبز والدجاج والأدوات الكهربائية، وكذلك الخدمات، مثل النقل والكهرباء والمياه. الخ، التي يمكن للفرد أن يحصل عليها مقابل هذا المبلغ. فإن معنى ذلك أن المئة دينار لم تعد تكفي للحصول على ذات التوليفة السابقة من السلع والخدمات. وهنا يقال أيضا أن الدخل الحقيقي للفرد "Real Income" قد انخفض، بما يعني أن ظهور التضخم، مع ثبات الدخل، أو لنقل المرتب الشهري مثلاً، يؤدي إلى تآكل السلع والخدمات التي كان يستطيع الشخص شراءها والاستفادة منها في السابق. والمراد قوله هنا أن الارتفاع المستمر والملموس في المستوى العام للأسعار سيترك شعوراً حقيقياً بتراجع قدرة الأفراد في مجتمع ما على الحصول على احتياجاتهم بشكل عام. فإذا ارتفعت الأسعار لسبب ما في سنة معينة ثم عادت إلى المستوى المقبول لها فإن ذلك لا يمكن أن يعني أن هناك مشكلة تضخم حقيقية. وأخيراً وليس آخراً يشير هذا الركن من تعريف التضخم إلى أن التضخم هو ارتفاع ملموس أو كبير في الأسعار، ذلك أن الارتفاع البسيط أو المتواضع لن يشكل عبئاً حقيقياً على دخول الأفراد ولن يشعر به عامة الناس. 2. كيفية حساب معدل التضخم كما ذكرنا سابقاً، بإعطاء وزن ترجيحي لكل من السلع والخدمات التي يستهلكها المجتمع. ويمكن من خلال ذلك المسح معرفة الاتجاه العام لإنفاق الأسر في بلد مـا علـى السلع والخدمات المختلفة. وبحسب ما تستقطع السلع المختلفة من دخول الأفراد في المجتمع يعطى لتلك السلع وزن نسبي كما في الجدول (1-12) أعلاه. ففي الأردن مثلاً يلاحظ من الجدول أن الاهمية النسبية للمواد الغذائية تصل إلى 40. 6%، بما يعني أن هذا البند يقتطع في المتوسط أكثر من ثلث دخل الأسر في المجتمع الأردني. وعند الحديث عن ارتفاع أو انخفاض التضخم في الأردن ففي العادة يكون المقصود التغير بالزيادة أو بالنقص لما يسمى بالرقم القياسي لتكاليف المعيشة Cost" "of Living Index. وأن أسعار تلك الفئات تغيرت على النحو الموضح في الجدول. وعن طريق الأرقام المدرجة في الجدول يمكن لنا أن نحسب ما يسمى بالرقم التجميعي البسيط وذلك عن طريق القانون التالي: الرقم التجميعي البسيط = مجموع أسعار السنة الحالية÷ مجموع أسعار سنة الأساس ×100 (2. 5+0. 8) ÷ (1. 5+2. 0+0. 4) ×100= 5.4÷3. 5% وهذا الرقم يوضح أن المستوى العام للأسعار لعام 1998 ارتفع بنحو (38. 6) نقطة مئوية عما كان عليه الحال عام 1992. بيد أن الرقم التجميعي البسيط بالطريقة السابقة لا يشير إلى حقيقة تأثر الدخول لأن إنفاقهم عليها بسيط أو لا يكاد يذكر. وبالعودة إلى الجدول (1-12) السابق والذي يعطي الأوزان الترجيحية للبنود الرئيسة التي تنفق عليها الأسر الأردنية دخلها، نجد أن المواد الغذائية تشكل النسبة الكبرى للإنفاق (%40. 6) في حين لا تكاد تصل نسبة الإنفاق على الملابس والأحذية إلى ربع تلك النسبة. وعليه فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة معينة سيترك أثراً ملموساً على دخل الأفراد في حين لن يحدث مثل ذلك الأثر إذا ارتفعت أسعار الملابس والأحذية بالنسبة نفسها. ولتوضيح الأمر بشكل أكبر لا بد من دراسة حساب الرقم القياسي لتكاليف المعيشة ثم إعطاء مثال على الأوزان الترجيحية وكيفية تشكل الرقم القياسي ومن ثم 2-3 حساب الرقم القياسي لتكاليف المعيشة: الرقم القياسي المرجح ولنحاول هنا إعطاء مثال مبسط يوضح كيفية حساب ذلك الرقم القياسي. والملابس، والخدمات. وبعد إجراء المسح عن طريق عينة تمثل المجتمع ككل في عام 1992 (كسنة أساس) مثلاً وجدنا متوسط الإنفاق في ذلك العام على كمية معينة من السلع والخدمات مقارنة مع عام 1998 على النحو الموضح والملاحظ أن الرقم القياسي المرجح لكل عام يتم حسابه على النحو الموضح في الجدول، حيث يتم ضرب أسعار المواد في كل من سنة المقارنة وسنة الأساس بالوزن الترجيحي المعتمد، ثم يتم جمع الأرقام الناتجة كما هو الحال في نهاية العمودين (4) و(5). والآن بقسمة الرقم القياسي العام لسنة المقارنة 1998 على الرقم القياسي العام لسنة الأساس 1992 تحصل على الرقم القياسي المرجح للأسعار كما يلي: شراء السلع عام 1992 115/ 100 شراء السلع نفسها عام 1998 163. 5/ ؟ الرقم القياسي المرجح للأسعار 163. 5÷115 ×100 =141. إذن فإن الرقم القياسي المرجح يوحي بوجود زيادة في الأسعار تصل إلى نحو %41. والملاحظ أن الرقم القياسي المرجح هو أكثر واقعية من الرقم البسيط المحسوب سابقاً. ومن هنا كانت أهمية لجوء علماء الاقتصاد إلى استخدام أسس علم الإحصاء في تحديد الرقم القياسي المرجح وفقا لطرق عدة وأساليب مختلفة منها الأرقام القياسية لباتش Paache Index" والأرقام القياسية للاسبير Laspeyers Index" وغيرها. 4. تصنيف التضخم Classification of Inflation‏ أما النوع الثاني فهو تزايد مستمر ومتضاعف في المستوى العام للأسعار في فترة زمنية بسيطة يزيد فيها معدل التضخم عن 10%، ولعل الفترة من نهاية 1988 إلى 1990 في الأردن تشير إلى وجود ذلك النوع من التضخم. كما تشير الفترة (1982-1987) إلى وجود تضخم زاحف أو معتدل في الحياة الاقتصادية للبلاد. أما التضخم الجامح فهو يشكل زيادة كبيرة وضخمة في الأسعار قد تصل أربع منازل عشرية، كما حدث في البرازيل حيث وصل التضخم عام 1995 إلى 2148%. والجدير بالذكر هنا أن وجود تضخم متسارع أو جامح في دولة ما يفقدها مصداقية التعامل في عملتها داخلياً ودولياً، ويصبح من المفيد دوماً الاحتفاظ بأصول ملموسة بدلاً من الاحتفاظ بالنقود. ومن هنا يتحول الأفراد نحـو شــراء العقارات والاستثمارات الملموسة ويحجمون عن الإيداع في البنوك أو الاحتفاظ بالأموال السائلة. وفي حالة وجود سوق رأس مال حقيقي للأسهم في ذلك البلد يصبح من الأجدى الاستثمار في الأسهم بدلاً من الإيداع في البنوك، حيث أن التضخم في العادة ينعكس أيضا على أسعار الأسهم نظراً لإعادة تقييم أصل المؤسسات المساهمة مما يعوض، إلى حد ما، الخسائر التي تنجم عن الاحتفاظ بالأموال السائلة. والملاحظ مما سبق أننا أشرنا إلى النتيجة التي تنجم عن الارتفاع المستمر في الأسعار، ألا وهي التضخم، إلا أننا لم نشر حتى الآن إلى الأسباب المؤدية إلى التضخم وهذا ما سندرجه فيما يلي: 5. أسباب وأنواع التضخم Types of Inflation‏ أما النوع أو السبب الأول فهو التضخم العائد الحجم الطلب أو ما يعرف بتضخم سحب الطلب "Demand Pull Inflation"، أما الثاني فهو التضخم العائد للنفقة أو ما يعرف بتضخم دفع الكلفة "Cost Push Inflation" وهناك نوع ينجم عن السببين السابقين سويا. ويسمى التضخم المشترك "Mixed Inflation" ثم هناك أخيراً التضخم المستورد "Imported Inflation". فيما يلي سنناقش كـل سـبـب عـلـى حــدة بالإضافة إلى الإشارة إلى الأسباب الأخرى للتضخم 1-5 تضخم سبب الطلب Demand Pull Inflation‏ ينشأ هذا النوع من التضخم نتيجة لزيادة حجم النقود لدى الأفراد مع ثبـات حجم السلع والخدمات المتاحة في المجتمع. ويقال هنا أن هناك نقوداً كثيرة تطارد سلعاً قليلة). وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل مستمر ومتزايد مما يخلق تضخماً ملموساً. ولعل أهم الأسباب المؤدية إلى مثل هذا النوع هو ما يسمى بعجز الموازنة العامة للدولة أو العجز المالي Fiscal Deficit". فعندما يفوق الإنفاق الحكومي الإيرادات الحكومية ينشأ العجز المالي. وعند قيام الدولة بتغطية العجز عن طريق إصدار النقود أو طبع النقود من خلال البنك المركزي فإن ذلك سيؤدي إلى حقن الاقتصاد بكميات من النقود لا يقابلها توسع في القاعدة الإنتاجية للبلاد، مما يخلق أحجاما نقدية كبيرة مع ثبات الإنتاج. وهذا بدوره سينعكس في شكل زيادة أسعار وحدوث تضخم. كما يمكن أن تسهم البنوك التجارية من خلال القروض ومنح الائتمان في خلق النقود وزيادة حجمها في الاقتصاد، كما سنرى في فصل لاحق، وهذا أيضا يؤدي ومع ثبات الإنتاج، إلى حدوث تضخم الطلب. وحتى مع زيادة الإنتاج ولكن بمستوى أقل من حجم الزيادة في النقود فإن ذلك لابد أن يخلق نوعاً من تضخم الطلب. وبشكل عام، فإن تضخم سحب الطلب ينتج في الأساس عن انتقال منحنى الطلب الكلي (AD) إلى اليمين باستمرار مع ثبات منحنى العرض الكلي (AS)، ويمكن معالجة هذا النوع من التضخم من خلال السياسات المالية والنقدية المسماة بالانكماشية، كما سنرى في الفصول التالية، ولكن يمكن الإشارة هنا أن باستطاعة الدولة تمويل العجز من خلال السندات الحكومية أو زيادة الضرائب أو وضع سقوف ائتمانية على البنوك التجارية مما يحد من قدرتها على خلق النقود. هذا وسيتم معالجة هذه الأمور بإسهاب في فصول تالية. 2-5 تضخم دفع التكلفة Cost Push Inflation‏ يواجه المنتجون أحياناً تزايداً مفاجئاً في تكاليف عناصر الإنتاج، فقد يجد المنتج نفسه أحياناً أمام نقابات عمال قوية متجبرة قادرة على رفع مستوى أجر العمال لديه، أو قد ترتفع أسعار بعض المواد الأولية بشكل مفاجئ؛ وفي جميع الحالات فإن ذلك سيترك أثراً مباشراً على السعر النهائي للمنتجات التي تأثرت بزيادة تكاليف عناصر إنتاجها. ويكون الأثر ملموساً كلما كانت زيادة تكاليف عناصر الإنتاج كبيرة؛ وقد واجهت دول أوروبا بشكل خاص مثل هذه الحالة حينما تضاعفت أسعار الوقود بنحو أربعة أضعاف إبان أزمة النفط عام 1973، مما أدخلها في دوامة تضخم النفقة أو الكلفة. فزيادة أسعار الطاقة انعكس على كافة المنتجات مما رفع أسعارها بشكل كبير ومستمر طوال الفترة (1978-1973) ولا شك أن تضخم دفع التكاليف يصعب التحكم به خاصة إذا كان من النوع القادم من عناصر الإنتاج المستوردة؛ أي تضخم نتيجة أسعار عناصر إنتاج مستوردة ومتضخمة أساساً. أما تضخم التكاليف الناتج عن زيادة الأجور محلياً فيمكن معالجته عن طريق ربط الأجر بالإنتاجية ومن ثم بزيادة الأسعار؛