قبل أن نشرع في بناء بيت يضع المهندس له رسماً، وقبل أن يضع هذا الرسم كانت في ذهنه صورة كاملة للبيت يستملي منها صورته التي يرسمها. قبل أن يخرجها إلى الوجود، وكل إنسان يجب أن تكون عنده صورة كاملة لما يود أن تكون عليه حياته المستقبلية. فإنا نرى الحيوانات تعيش على نمط واحد، وكان النحل يبني خلاياه على أشكال مسدسة كما يبنيها الآن، لأن أمامه " مثلاً أعلى " يجد في الوصول إليه وكلما قرب منه سبقه المثل. لا يمكن أن يصل إلى المرفأ، وللمثل الأعلى تأثير في النفوس، تدل على مثله الأعلى ما هو؟وكل المؤثرات في الأخلاق من بيئة و منزل وتعليم، إنما تصلح الإنسان بواسطة إصلاح المثل الأعلى، أما المؤثر الوحيد مباشرة فهو ذلك المثل . تختلف المثل العليا عند الناس اختلافاً يكاد يكون بعدد رؤوسهم، فهذا مثله الأعلى رجل غني متمتع بكل ملذات الحياة، وذلك مثله إنسان كامل العقل قد تفوق في العلوم وتضلع من المعارف، فقد يكون مثل شخص صورة ساذجة رسمها مما يسمعه من والديه، وليست الصعوبة أن يجد الإنسان أو الأمة مثلاً أعلى، فالمثل كثيرة لا عداد لها. وليس في وسع الأخلاقي ولا الفيلسوف أن يرسم مثلاً أعلى دقيقاً يوافق كل إنسان وكل أمة، فالمثل الذي يتفق مع غرائز أحد، اللهم إلا إذا رسم الأخلاقي أو الفيلسوف صورة عامة، اقتصر في رسمها على ما يوافق سواد الناس، كالخياط يعمل ثوباً واسعاً، مع تعديل بسيط كل الذي نستطيع أن نقوله : إنه ينبغي أن يكون المثل الأعلى للشخص صورة كاملة، تمثل خير إنسان يستطيع الشخص أن يكونه في كل شأن من شؤون حياته، ففي عمله أن يكون أحسن ما يستطيع من جد وأمانة وإتقان ومهارة، يعمل بإرشاد عقله، وفي معاملته للناس مثله أن يعاملهم كما يجب أن يُعامل، وأن يحب الخير لهم كما يحبه لنفسه. مم يتكون المثل الأعلى ؟ وما يحببونه إليه من عظماء الرجال، كل . لها أثر كبير في انتخاب الصور التي تتخذ مثلاً، فالميول الموروثة من شجاعة وهمة أو جبن وخمول تعين على تحديد المثل الأعلى، ولكن لا يشعر من أين أتاه، فلم يكن شيئاً جديداً منفصلاً عنه حتى يشعر به ويعرف متى أتاه ومن أين جاءه. يتكون المثل في أثناء التربية المنزلية، وكبار الأعمال وعجائب الحوادث، وباتساع نظر الإنسان في الحياة وكبر عقله يكمل المثل وتتم أجزاؤه وكما أن المثل عرضة للكمال - والاتساع كما بينا - كذلك هو عرضة للنقص والضيق، وفي ضيق المثل خطر عظيم، وهو الذي يصحح حكمه على الأشياء، فالإنسان عادة عند الحكم على شيء أو نقده يقيسه بمثله ثم يحكم عليه بالخطأ أو الصواب و بالخير أو الشر،