في زمن تراجعت فيه القيادة وتأثيرها على المستوى العالمي، كان لابد من بيان عملي ومفصل عن طريق شخص عاصر الكثير من الأحداث السياسية العالمية التي غيرت مسار التاريخ من جهة، حيث أن هذا البيان لا يمكن القيام به دون سرد الكثير من القصص العملية التي حدثت في أزمنة تاريخية معاصرة ولكنها مختلفة. فهذه التجارب تعاملت مع وقائع مختلفة، في عمله الجديد بأن القادة، بين الماضي والمستقبل. بين القيم الراسخة وتطلعات من يقودهم. فهذا الفهم الحدسي للاتجاه هو الذي يمكّن القادة من تحديد الأهداف ووضع الاستراتيجية. ففي هذا العمل يحلل كيسنجر حياة ستة قادة غير عاديين – بحسب وجهة نظره – من خلال الإستراتيجيات المميزة لفن الحكم، فبعد الحرب العالمية الثانية، بينما وضع شارل ديغول فرنسا إلى جانب الحلفاء المنتصرين وجدد عظمتها التاريخية من خلال “استراتيجية الإرادة، كما أنشأ لي كوان يو مدينة – دولة قوية، فقد جددت معنويات بلدها والموقف الدولي عن طريق “استراتيجية القناعة”. يمر بشكل دائم بين الماضي الذي يشكل ذاكرته ورؤية المستقبل التي تلهم تطوره. ففي داخل المؤسسات البشرية – الدول والأديان والجيوش والشركات والمدارس – هناك حاجة للقيادة لمساعدة الناس على الوصول من حيث هم إلى حيث لم يكونوا من قبل. لا يمكنهم أن يتخيلوا الذهاب للمستقبل، فلكي تُلهم الاستراتيجيات المجتمع، يجب أن يعمل القادة كمعلمين، ففي حين أن الدولة تمتلك من حيث التعريف احتكار القوة، فإن الاعتماد على الإكراه هو أحد أعراض عدم كفاية القيادة؛ كما يجب عليهم أيضا ً أن يلهموا بطانتهم بشكل ٍ مباشر وفوري لترجمة تفكيرهم بحيث يؤثر على القضايا العملية اليومية، فالقيادة ليست من الكماليات بل هي ضرورية للغاية وبشكل ٍ خاص خلال الفترات الانتقالية، أوعندما تفقد القيم والمؤسسات أهميتها، يُطلب من القادة التفكير بشكل خلاق ودقيق وطرح أسئلة مهمة، فهم محاصرون بالكثير من القيود والعقبات والتحديات. تمليه الديموغرافيا والاقتصاد. ذلك أن لكل عصر ولكل ثقافة قيمها وعاداتها ومواقفها السائدة التي تحدد النتائج المرجوة. غالبًا ما تتحرك الأحداث بسرعة كبيرة جدا ً للسماح بإتخاذ قرارات دقيقة وحاسمة؛ غير أنه أحيانا ً يتعين على القادة إصدار أحكام تستند إلى الحدس و الفرضيات التي لا يمكن إثباتها وقت اتخاذ القرار. لا يكتفي كيسنجر بالحديث النظري فقط، والحقبة التاريخية، ثم أصبحوا جميعا ً أيضا ً مهندسي تطور مجتمعاتهم بعد الحرب والنظام الدولي. كان من حسن حظ كيسنجر كما يقول أنه قابل هؤلاء القادة الستة جميعا ً في ذروة تأثيرهم وعمل معهم بشكل ٍ وثيق في فترة ريتشارد نيكسون. وفتحوا آفاقا ً جديدة، بطريقته أو بطريقتها، مثل حرب الثلاثين عاما ً الأولى، بدأت الحرب الثانية في أوروبا ولكنها انتقلت إلى العالم الأكبر. بعد ثلاثة قرون، تحدت حرب الثلاثين عاما ً الثانية النظام الدولي بأكمله للتغلب على خيبة الأمل في أوروبا والفقر في معظم أنحاء العالم بمبادئ جديدة لنظام عالمي جديد. حيث يرى أن معظم القادة ليسوا أصحاب رؤية ولكنهم إداريين. ففي كل مجتمع وفي كل مستوى من مستويات المسؤولية، هناك حاجة إلى وكلاء بشكل ٍ يومي لتوجيه المؤسسات الموكلة لرعايتهم. حيث تستدعي مثل هذه الأوقات قادة تحوليين. يفهم رجال الدولة بُعد النظر أن لديهم مهام أساسية مزدوجة. وذلك بتبنى هؤلاء القادة التغيير والتقدم، مثل هؤلاء القادة يتحملون المسؤولية ليس فقط للأفضل ولكن أيضا ً عن أسوأ النتائج. والنوايا الحسنة التي لا حصر لها والتي لا يمكن تحقيقها، يميل رجال الدولة إلى إقامة تحوطات ضد احتمال أنه حتى أكثر الخطط جيدة الصنع قد تفشل، فهم طموحون ولكن ليسوا ثوريين، كما انهم يعملون ضمن ما يعتبرونه ذروة التاريخ، سيتعين عليهم ضمان ألا يتجاوز التغيير ما يضمن للمنظومة بالإستمرار بالرغم من كل الظروف المحيطة. يشمل رجال الدولة هؤلاء – كما يرى كيسنجر – قادة القرن السابع عشر الذين صاغوا نظام دولة ويستفاليا، بينما في القرن العشرين، كان ثيودور وفرانكلين روزفلت ومصطفى كمال أتاتورك وجواهر لال نهرو جميعا ً قادة في نمط رجل الدولة. النوع الثاني من القادة – أي ذو البصيرة، أو الأنبياء – الذين يتعاملون مع المؤسسات السائدة بشكل أقل من منظور الممكن منه من رؤية الضرورة، حيث يستدعي القادة النبويون رؤاهم المتعالية كدليل على صلاحهم، فهم يتوقون إلى لوحة قماشية فارغة يضعون عليها تصاميمهم. وذلك إيمانا ً منهم بالحلول النهائية، ولينين، لكنها ليست كذلك. حيث يمكن للقادة الانتقال من وضع إلى آخر، في النوع الثاني، كما فعل السادات بعد عام 1973م، كتوليفة من كلا الاتجاهين، على الرغم من الميل نحو رجل الدولة. غالبا ً ما تكون المقارنة بين هذين الأسلوبين محبطة، وهذا ناتج عن مقاييس مختلفة لقياس نجاحاتهما: ففي حالة رجال الدولة يقع الاختبار على عمل واستجابة متانة الهياكل السياسية تحت الضغط، بينما يقيس الأنبياء إنجازاتهم مقابل المعايير المطلقة. فإذا قام رجل الدولة بتقييم مسارات العمل المحتملة على أساس فائدتها بدلاً من “حقيقتها”، فإن النبي يعتبر هذا النهج تدنيسا ً للمقدسات، وانتصارا ً للمنفعة على المبدأ العالمي. يعتبر التفاوض آلية للاستقرار. بينما بالنسبة للنبي، وإذا كان الحفاظ على النظام، فإن الأنبياء يسترشدون بهدفهم ومستعدون لقلب النظام القائم. خاصة في فترات الأزمات، الذي يمثل لحظات تمجيد، عادة ما ينطوي على مزيد من الاضطراب والمعاناة. فلكل نهج له خصومه ومعادوه أيضا ً. حيث أن رجل الدولة يسعى لهذا التوازن، إلا أنه لا يخفي زخمه الخاص. في حين بالنسبة للنبي، فمهما كانت الخصائص الشخصية للقادة أو أنماط عملهم، فإنهم يواجهون حتما ً تحديا ً لا هوادة فيه: منع مطالب الحاضر من التغلب على طموحات المستقبل، فالقادة العاديون يسعون إلى إدارة الأحداث الفورية واللحظية؛ بينما العظماء يحاولون رفع مجتمعهم إلى مستوى رؤاهم. لقد تمت مناقشة كيفية مواجهة هذا التحدي في العالم الغربي منذ القرن التاسع عشر وتحديدا ً حول العلاقة بين الإرادة والحتمية. مثل المؤرخ الفرنسي البارز فرناند بروديل، على النظر إلى الأفراد والأحداث التي يشكلونها على أنها مجرد “اضطرابات سطحية” و “قمم من الرغوة” في بحر أوسع من المد والجزر الواسع الذي لا يمكن تجنبه. التي يُقال، بالطبع، لكن يتم تطبيقها دائما ًعن طريق الأفراد ويتم تصفيتها من خلال الإدراك البشري، والمسألة التي يطرحها هنا هي ما إذا كانت هذه القوى ثابتة لجميع اللحظات التاريخية أم خاضعة للفعل الاجتماعي والسياسي المشروط من التاريخية. فالفيزياء تُعلمنا أن الواقع يتغير من خلال عملية الملاحظة، والسؤال الختامي هنا: هل الأفراد مهمون في التاريخ؟ لن يفكر أي شخص معاصر لقيصر أو محمد أو لوثر أو غاندي أو تشرشل أو روزفلت في طرح مثل هذا السؤال، حيث أن هذه الصفحات تتعامل مع القادة الذين فهموا، أن ما يبدو حتميا ً يتغير بالفاعلية البشرية.