قبيلة مالي(الماندينغ) قد أسست على الأرض التي تشغلها دولة مالي اليوم عدة امبراطوريات أو ممالك أو دول،إمبراطورية غانا: جاء الفلانين من الشمال من منطقة برقة، واتجهوا نحو غربي إفريقية وتقدموا إلى منطقة أوكارا وسيطروا على شعب السوننكي أحد فروع قبيلة مالي وأسّسوا دولة واسعة وذلك في القرن الأول الميلادي، وجعلوا مدينة كومبي صالح قاعدة لها. وإقامة أسرة تحكم دولة، التي عرفت باسم إمبراطورية غانا، واقاموا لهم دولة هناك، وبقيت دولة السوننكي حتى عام 469هـ حيث دخل المرابطون البلاد وسيطروا عليها.مملكة مالي: عندما قوي أمر الصوصو وثبتت أركان دولتهم، ضمّوا إليهم أكثر الممالك التي كانت تتبع إمبراطورية غانا، وضعف جسمه، ومرضه الذي كان يلّم به، وذلك عام628هـ ولكن لم يمض سوى خمس سنوات حتى استطاع هذا الصغير المريض أن يؤلف جيشا قويا ويقوده لقتال الصوصو، وتمزقت بعدها إمبراطورية الصوصو، وانتهى أمرها. ولكنه ترك المسلمين الذين كانوا قد فروا منها إثر غزو الصوصو لها، وأسّس ماري جاطه مملكة واسعة، حكمتها أسرة كيتا. دولة البمبارا: البمبارا جماعة من الماندينغ تقيم في خوض نهر باني أحد روافد نهر النيجر في مجراء الأعلى، وعندما ضعفت دولة مالي وقامت صنغاي، ثم فرصت عليها الجزية عام 1081، ثم امتدت شمالا إلى الصحراء، وجنوبا إلى الغابة، واستطاع ملكها في العام نفسه أن يطرد سلطان مالي ماما مغان ثم حدثت فتن، انتقل الحكم إثرها إلى أسرة ديارا عام 1164هـ، وبقيت الإمارة حتى قضى عليها سلطان التكارئة الحاج عمر عام 1278هـ.وأقام البمبارا إمارة أخرى في كاآرتا، شمال نهر باكوي أحد روافد نهر السنغال، بل إن مؤسسي الإمارتين كانا أخوين، ووقع الخلاف بين الإمارتين بانتصار إمارة سيغو، وعرف حكام إمارة كارتا بلقب مساسي الذي يقابل لقب منسي في ملك مالي. وأشهر ملوك هذه الدولة الماسا أبوبكر الذي قابل عام 1211هـ المستعمر منجوبارك، وكان آخرهم كانديان الذي كان مركز حكمه في نيورو، وانتهت الإمارة عام 1277هـ على يد سلطان التكارئة الحاج عمر تال.دولة ساموري توري: بعد زوال إمارتي البمبارا بقي الماندينغ منقسمين على أنفسهم، وظهر فيهم ساموري توري عام 1277هـ أي في العم الذي زالت فيه إمارة البمبارا في كاآرتا، ووحّد صفوفهم إذ كانوا متفرقين جنوب دولة التكارئة التي يقودها الحاج عمر تال .اتخذ ساموري توري لقب إمام، وقاوم الفرنسيين مدة عشر عاما 1300ـ1317هـ، وانتصر أخيرا الفرنسيون، ودخلوا سيغوا وتومبوكتو عام 1310هـ، فاضطر ساموري توري إلى الالتجاء إلى أعالي نهر الفولتا واستمر في مقاومة الفرنسيين حتى ألقي القبض عليه عام 1318هـ في شمال ساحل العاج، وحمّل إلى الغبون حيث توفي هناك عام 1318هـ.وإضافة إلى ممالك الماندينغ التي قامت على أراضي دولة مالي الحديثة قامت ممالك أخرى أسّستها قبائل ثانية. وأشهر هذه الممالك: إمبراطورية الصوصو وإمبراطورية الصنغاي.الاستعمار: كانت مراكز المستعمرين الصلبيين على السواحل فلما ضعف أمر المسلمين في الداخل، وأخذت بعض الإمارات تستنجد بأعدائها في الساحل ضد بعضها الآخر فتحرّك عنها المستعمرون نحو الداخل باسم التعرّف والاستطلاع في بداية الأمر، فلما رأوا الظروف مناسبة لهم تدخّلوا مستعمرين.كانت أولى الرحلات إلى الداخل موجهة إلى حوض نهر النيجر عام 1210هـ، وقد انطلقت من غامبيا مع مجرى نهر غامبيا، واستطاع رائد هذه الرحلة منجوبارك الوصول إلى مدينة سيغو على نهر النجير، ثم تعددت بعد ذاك الرحلات وبخاصة الفرنسية منها إلى مناطق غربي إفريقية، ولم يكن هؤلاء الرحالة إلا رسل بلادهم للتعرف على ثروات هذه الأرض وإمكانية استغلالها واستثمارها، وهكذا لم تكن هذه البعوث التي حملت الصفة العالمية إلا بداية حركة استعمارية واسعة النطاق للقارة الإفريقية. ولما تم لهؤلاء الرحالة التعرف على البلاد والكشف عن إمكاناتها وثرواتها بدأت مرحلة جديدة من النشاط في المنطقة، وهي مرحلة الاستيلاء، ثم الاستعمار بأسوء صوره وأشكاله.استطاعت فرنسا التوغّل إلى غربي إفريقية عن طريق نهر النيجر والسنغال والقضاء على دولة الحاج عمر عام 1281هـ، وحركة ساموري توري عام 1316هـ، وضمّت إلى قواتها العسكرية وحدات من القبائل الوثنية استعملتها لتحقيق أهدافها في القتال و الاستعمار.اضطر السكان إلى قبول الأمر الواقع نتيجة ضعفهم، ولكن مع الزمن لا بدّ من أن تكون هناك حركات مقاومة، ولكن من الصعب أن يستطيع أيّ تجمع إفريقي التمتع بالبقاء في ظل القانون الذي وضعته الدولة الاستعمارية دون أن يتعرّض للحل أو الإلغاء فيما لو طلب انسحاب فرنسا المباشر من البلاد، لذلك عملت الأحزاب والحركات الوطنية الإفريقية في معظمها من الناحية العملية بين فكرتين متضادتين:الأولى: وكانت تطالب بتصفية الاستعمارالثانية: وكانت ترى القبول بالأمر الواقع مع التعديل التدريجي الذي ترضى به الإدارة الفرنسية، السنغال، غينيا، مالي، فولتا العليا، داهومي.وفي عام 1322هـ 19104م شكلت فرنسا إقليما في منطقة مالي وسمي( السنغال العليا و النيجر) ثم استبدل هذا الاسم عام 1339هـ 1921م و أصبح السودان الفرنسي.حملت منطقة مالي اليوم اسم السودان الفرنسي منذ عام 1339ه، وتلك تسمية جغرافية بحتة، فالمناطق التي تقع بين خطي 10ــــ18 تعرف بالمناطق السودانية حسب لون سكانها، لذا أعطي الجزء الغربي اسم ( السودان الفرنسي) أيضا نسبة إلى المستعمر الذي يتحكّم بهذا الجزء.ونصّ دستور فرنسا عام 1365ه (1947م) على قيام مجلس عام في كل اتحاد، وينتخب أعضاؤه من بين الجمعيات الإقليمية، وفي وحدات الاتحاد، وكانت قوانين الانتخاب معقدة، وجرت الانتخابات الأولى، ونجح فيها الوطنيون الإفريقيون.وعدّل الدستور عام 1376ه (1956م)، وأصبح يقوم بجانب المجلس الوطني الإقليمي مجلس تنفيذي يمثّل السلطة، ويرأس هذا المجلس التنفيذي حاكم الإقليم الذي يعيّن قسما من المجلس بينما يتمّ أخذ القسم الثاني بالانتخاب.وفي عام 1377ه (1957م) عقد مؤتمر في بماكو يضمّ أقاليم إفريقية الغربية كلها، وخشي الفرنسيون من اندلاع الثورات، كما حدث في الجزائر التي كانت ثورتها مشتعلة،وجاء ديغول إلى حاكم فرنسا عام 1378ه (1958م)، وعمل على الحفاظ على مستعمرات فرنسا فيما وراء البحار، فعرض دستورا، أعطى حرية لكل إقليم أن يصوّت على الدستور بالقبول أو الرفص، وينصّ هذا الدستور على أن الإقليم الذي يوافق على الدستور يصبح عضوا في مجموعة الشعوب الفرنسية، ويشكّل حكومة محلية، على أن تكون السلطة المركزية لفرنسا في الدفاع والاقتصاد والشؤون الخارجية. كما يمكن أن يتم اتحاد بين إقليمين أو عضوين في المجموعة الفرنسية. أما الأقاليم التي ترفض الدستور الديغولي فتحصل على الاستقلال التام، وعندها تقطع فرنسا عنها مباشرة كل معونة فنية كانت أم مادية أم إدارية، ولكن صحب الاستفتاء على الدستور أنواع من التهديدات والوعود حتى أن القسم الكبير من السكان قد قاطع الاستفتاء، ولهذا كانت النتيجة قبول دستور ديغول في أغلي الأقاليم، ومنها مالي. وتكونت نتيجة ذلك جمهورية مالي ذات الاستقلال الذاتي ضمن المجموعة الفرنسية، وألغيت وظيفة الحاكم العام، وتشكلت وزارة موديبو كيتا.وفي شهر شوال 1378ه (نيسان 1959م) تمّ اتحاد بين السودان الفرنسي والسنغال أطلق عليه اسم مالي رموا لمملكة مالي القديمة،