يتنامي هذا البحث في سياق تصورى مغاير جذرياً للسياق الذي تمت فيه دراسات الشعر الجاهلي حتى الآن ، ويصدر عن مكونات منهجية ونظرية ، لا تتشكل فى إطار المعطيات التقليدية التي طغت على كلا الدراسات العربية وتناول الإستشراق الغربي للتراث الشعرى العربي ، بل في إطار منجزات الدراسات المعاصرة في مجالات معرفية متعددة لعل أبرزها أن تكون علم الإنسان ( الأنثروبولوجيا ) ، وعلم إجتماع الأدب ، ويحاول البحث أن يموضع دراسة الشعر الجاهلي على مستوى من التحليل يرتفع عن المستويات التاريخية ، والتعليقية والتوثيقية أو اللغوية والبلاغية والإنطباعية التي تتم عليها معظم الدراسات له الآن ويهدف البحث من خلال ذلك كله إلى تطوير منهج تناول لهذا الشعر يغذيه وعی نظرى عميق بالأسس التحليلية التي تطرحها الدراسات المعاصرة وبالتصورات التي تنطلق منها والإشكاليات التي تثيرها . كما أن من السذاجة أن نستمر فى العمل وكأن الثقافات الأخرى في العالم لا تمتلك تراثات تقوم بدراستها مطورة من أجل ذلك مناهج للتحليل ، داخل إطار الشعر وخارجه ، لها قدرة عالية على المعاينة والاكتشاف والبلورة ‏A والتعميم النظرى التي تحققت في خمسة تيارات بحثية متميزة في هذا القرن :1 - التحليل البنيوي للأسطورة كما طوره كلودليفي - شتراوس في الأنثروبولوجيا ٣ - مناهج تحليل الأدب المتشكلة في إطار معطيات التحليل اللغوى والدراسات اللسانية والسيميائية وبشكل خاص عمل رومان ياكوبسن والبنيويين الفرنسيين . ٤ - المنهج النابع من معطيات أساسية في الفكر الماركسي والذي أولى عناية خاصة لاكتناه العلاقة بين بنية العمل الأدبى وبين البنى الاجتماعية ( الاقتصادية ، ولعل لوسيان جولدمان أن يكون أبرز النقاد الذين أسهموا في تطوير هذا التناول . المجالات التي استخدمت فيها أولا إلى مجال جديد ، بل أنه لا يعنى أن هذا البحث يتبنى الأطروحات النظرية لهذه المناهج جميعاً . كل ما يعنيه هو أن البحث يتم في إطار من الوعى النظرى الدقيق لهذه المناهج بما تثيره من إشكالات ، وما تحققه من إنجازات . ورغم أن العلاقة بين أسس البحث وبين كل من هذه التيارات تتفاوت من حيث طبيعتها ودرجة تأثيرها فإن هذه التيارات جميعها تظل ذات حضور فعلى على مستوى الوعى النقدى فى عملية التحليل التي يؤديها وفي ما يبلوره من أطروحات ، أو بصفة تعارضية . ويسهم هذا الحضور الدائم في تعميق الوعى بمكونات وخصائص جوهر الشعر الجاهلي ، وكانت معطياته التحليلية ومصطلحاته قد لعبت دوراً تأسيسياً في تطويري للمنهج البنيوي فإن دراستي للشعر ودراسته للأسطورة على درجة من التمايز تجعل المقارنة بينهما أمراً ضرورياً لفهم عملى ولإعطائه حقه من المبادرة والريادة لكنني لن أقوم بمثل هذه المقارنة هنا ، بل سأترك لغيرى من الباحثين مهمة القيام بها . أما عمل بروب فإن أهميته تنبع ، من كونه لعب دوراً في تطوير ليقي - شتراوس لمنهجه في تحليل الأسطورة ، وثانياً : من كونه يسهم في بلورة مفهومى البنية والتحولات إسهاماً متميزاً ( سابقاً بزمن طويل إستخدام تشومسكي ، وبشكل خاص لمفهوم التحويل : ( transformation ) ، ولذلك أكتفى بالإحالة إلى منجزات هذا المنظور في الدراسات الغربية وإلى دراسات سابقة فى نشرت بالإنكليزية والعربية تستقى من هذه المنجزات تصورات ومناهج تحليل أساسية يسهم عمل باحثين من نمط لوسيان جولدمان ، في تطوير تصور جديد للعلاقة بين الرؤيا المركزية فى الثقافة ورؤيا الثقافة المضادة كما تتجليان في بنية النص الشعري نفسه ، ورغم أن هذا التصور لا يتبلور إلا بشكل أولى في القسم النهائي من الدراسات فإنه يمثل إحدى إمكانيات التطوير الأكثر ثراء ووعداً في المستقبل كان في نيتي ، أن أدرج في قسم تمهيدى منه ترجمة لدراسة ليثي - شتراوس ، و التحليل البنيوي للأسطورة ) ودراسة لتحليل بروب الحكاية الحوريات ، ، قد ظهرت حديثاً ، ويمكن أن تفي بالغرض الذي أهدف إليه ( وهو إتاحة الفرصة للقارىء للإطلاع على منهجه في التحليل ) رغم أنها تفتقر إلى المصطلح والتعبير المكتمل عن فكر المؤلف وتناسقه الداخلي وحيويته وآمل أن أستطيع في المستقبل إنجاز كتاب مستقل يتناول المناهج الجديدة في دراسة الشعر الجاهلي ويضم ترجمة جديدة لعمل ليني - شتراوس ، كما يضم دراسات لعدد من المحاولات المتميزة التي تتناول جوانب فردية محددة منه من منظورات نقدية جديدة وكانت دراستي للجرجاني قد اتخذت مساراً محدداً لها هو موضعة تحليله للنظم وللصورة الشعرية في سياق النظريات الحديثة المطروحة في النقد الغربي ، والأسطورة ، وكان هذا الاتجاه هو الذى قادني في آن واحد إلى أعمال فردينان دوسوسير ورومان ياكويسن وكلود ، ليثى - شتراوس وتشومسكي بعد أن كانت الأسس النظرية والدراسات التطبيقية النابعة من عمل أى . ريتشاردز ومدرسة النقد الجديد قد أصبحت مكونا من مكونات الوعى النقدى الذي وجه بحثى وجهته المتميزة ، وكانت أعمال في المرحلة المبكرة من العمل على تطوير هذا المنهج ، لم تكن الدراسة البنيوية قد دخلت بشكل جاد مجال الشعر ، وكانت الدراسة الرئيسية المألوفة هي دراسة ليثي - شتراوس وباكوبسن لقصيدة بودلير و القطط ، كما أعلن أكثر من باحث بينهم ناقد بارز هو لوسيان جولدمان لكن الشعر كان المجال الذي اخترت لعملى أن يتم فيه ، لكن النتائج التي كانت تتجلى كانت تغرى، وأتيح للأجزاء التي نشرت من هذا البحث أن تصبح محل عناية كبيرة في عدد من الجامعات الغربية والعربية وخارج الجامعات ، وتفرعت عنها أبحاث جديدة استطاعت أن تكشف مكونات وملامح للشعر الجاهلي لم يكن ممكناً أن تكشف إنطلاقاً من السبل السابقة عليها في الدراسة . بيد أن ما أنجز من عمل ما يزال محدوداً ، وما يزال أمامنا شوط طويل نقطعه قبل أن يكتمل تطوير رؤية نقدية جديدة متكاملة للشعر الجاهلي وللتجربة الإنسانية التي يجسدها . تغذيه روافد جديدة من الإنجازات التي ما زالت تتحقق في مجالات معرفية متعددة عبر عقد ونصف من الزمان ، رغم كل ما قد يكون حققه من تطوير منهجي واكتشاف لمكونات جوهرية فى الشعر الجاهلي وللبنى التوليدية فيه ، لا يدعى لنفسه تقديم أجوبة نهائية على ما يثيره من أسئلة وهو إذ يكشف عن وجود إشكاليات في الشعر الجاهلى لم تتميزها المناهج الأخرى ، أو عجزت عن تقديم حلول مقنعة لها حين تميزتها ، ويقترح حلولا لها ، فإنه يثير إشكاليات جديدة لا يسعى دائماً إلى حلها بل يكتفى ببلورتها تاركاً لأبحاث أخرى في المستقبل مهمة. والبحث ، مشروع مستمر لا يستعجل الوصول إلى نهاية بل يسعى إلى تطوير وسائل التحليل وزيادتها رهافة ودقة وكفاءة، وهو في ذلك كله يتحرك على مستوى يرفض فيه التفكير الجزئي القاصر والعمل الانطباعي المتعجل والمعالجة التقليدية المتجمدة عند حدود ما قدمه المعلقون والشراح والتأريخيون، ويسعى إلى بلورة منهج بنيوي قادر على تحقيق رؤية متشابكة معقدة جذرية وكلية في آن واحد . وبالحركة على هذا المستوى من الجدية والأناة والإخلاص والتحليل المتعمق المتقصى ، يمكن لنا أن أن نفجر طاقات جديدة بناءة في ثقافتنا التي تبدو الآن أكثر من أي وقت مضى مهددة بالتفتت والهامشية والخضوع للفكر الجزئي أو الفكر الغوغائي أو الفكر القليدي أو لجميع هذه الأنماط من الفكر في آن واحد . إذ يطرح هذا البحث أسئلة تتعلق بالبنية ومكوناتها وبالعلاقة بين البنية والرؤيا، فدراسة الشعر الجاهلي لا يمكن أن تكتمل في غياب تحليل علمي دقيق لما يكشف عنه هذا الشعر وعلاقات سائدة ضمن البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما يتجلى في اكتناهه للتعارض الجذرى بين ما اسميه الثقافة المركزية والثقافة المضادة - وهو تعارض نابع من العلاقات السائدة بين كيانات متغايرة على مستويات مادية إقتصادية قد لا تكون شكلت طبقات بالمعنى الذى نقصده في الدراسات المعاصرة لكنها دون شك مثلت شرائح متمايزة ضمن البنية الاجتماعية . بيد أن البحث يسعى إلى تلمس هذا التعارض من خلال الخصائص التي تملكها البني الشعرية ذاتها ، لا من خلال معطيات تاريخية خارجية . كما أنه يؤمن بأن تحليل هذه البنى تحليلا دقيقاً ناضجاً شرط ضرورى لفهم علاقتها بالبنى الإجتماعية . وهو يمارس هذا المستوى الأول من الاكتشاف رافضاً أن يقفز قفزات مفاجئة إلى غيره من المستويات ، لأن مثل هذه القفزات لا يمكن أن تؤدى إلى نتائج . علمية سليمة . بتعبيراتها المادية المباشرة المرتبطة بالصراع من أجل البقاء في أبعاده الإقتصادية والمادية الصرف وبالتناقضات القائمة ضمن البنية الإجتماعية على مستوياتها الإقتصادية . لكن مثل هذا العمل ينبغى أن يتحرك بآناة بالغة وأن يتنجنب المطلقات الشعاراتية الجاهزة ، أي باعتباره ، أولا وأخيراً بنية دالة من خلال وجودها التشكيلي والعلاقات العميقة التي تسود بين مكوناتها البنيوية لا من خلال مجموعة التقريرات والصياغات الذهنية المباشرة التي تتكون على مستوى البنية السطحية . بكلمات أخرى ، إذا لم نكن قادرين على فهم البنية في وجودها الكلى وإدراك خصائصها الجوهرية فسيكون من العبث أن تحاول فهم العلاقات التي تنشأ بينها وبين أى من الشروط التي تقع خارجها ، فإن ذلك نابع من أنه إختار لنفسه أن محاول اكتناه أبعاد محددة من الشعر الذي يدرسه إلى أعمق درجة بدت له ممكنة ، وفي يقيني أن العمل المتأنى الدقيق الذي يسعى إلى بلورة اشكاليات قائمة هو العمل الوحيد الذي يمكن أن يؤدى فى نهاية المطاف إلى تحقيق فهم أكثر شمولية ودقة في آن واحد للبنى الفكرية والإجتماعية والإقتصادية والأدبية السائدة في ثقافة معينة . ولتحقيق مثل هذا الفهم يطمح البحث الحالي في ما أنجزه الآن ، في ما يظل متضمناً فيه مشروعاً قابلا للإنجاز والحركة الدائبة بين الجامعات ومراكز الثقافة في الغرب والعالم العربي ، لكن بين الذين لا أستطيع إلا أن أعبر عن عميق إمتناني لكل ما منحوه من وقت وجهد ومشاركة فى متعة التعب والاكتشاف ، مهما اقتضت الأمور أن أوجز ، ومنح خورى (جامعة كاليفورينا بيركلي) وتوماس ناف ( جامعة بنسلفانيا ) وطلبتى فى جامعة أكسفورد ( ۱۹۷۰ - ۱۹۷۲ و ١٩٧٦ - ۱۹۷۷ ) ، وطلبتي في جامعة اليرموك (۱۹۷۷ - ۱۹۸۱ ) الذين كانوا فى العالم العربى ، أول من واجه عبء تحمل العمل ونهج التحليل اللذين يبرزان فى هذا البحث والنتائج التي يصلها ،