الحياة ماضية بكل جلبتها كأن شيئاً لم يكن كل مخلوق ينطوي على سره، لا يمكن أن أكون الوحيد لو تجسدت خواطر الباطن لنشرت جرائم وبطولات بالنسبة إلي انتهت التجربة من جراء حركة عمياء. لم تبق إلا جولة وداع عند مفترق الطرق، تحتدم العواطف وتنبعث الذكريات. ما أشد اضطرابي تلزمني قدرة خارقة للسيطرة على نفسي. ففي كل ركن سعادة منسية يجب أن تذكرك. يا لها من ضربة قاضية مفعمة بالحنق والغيظ والكراهية اندفعت بقوة طائشة ونسيان تام للعواقب. تطايرت حياة لا بأس بها. شد ما يلحق الفساد بكل شيء طيب، واقتلع الحب من قلبي فتحجر لنتناس ذلك في الوقت القصير الباقي. يا لها من ضربة قاضية ما الأهمية؟ هذا شارع بورسعيد يتحرك تحت مظلة من سحب الخريف البيضاء الأبخرة المتصاعدة من صدري تغبش جمال الأشياء، وغمرات الحنين من الماضي البعيد تطرق أبواب قلبي، قدماي تجرّانني إلى زيارة أختي. وهرعت إلى الكابينة لتجلس عند قدمي والديها. كنت أتمشى في بنطلون قصير، فالتقت عينانا غمرني ارتياح، وناداني صوت فلبيت فوجدتني في مجلسها، وجرى حديث عابر ولكن ما كان أمتعه لحظات من السعادة الصافية لا تشوبها شائبة، تأبى أن تتكرر تطوف بقلبي الآن على هيئة حنين طائر، رغم تمزق الخيوط التي ربطته يوماً، والقلب الطيب لا يقدر بثمن حقاً؟ من إذن - القائلة: لا يوجد من هو أحس أو أحقر منك؟ ومن القائلة: ربنا خلقك لتعذيبي وتعاستي ؟ كان على الحب أن يصمد أمام خلافات الأمزجة، ولكن الخلافات قضت على الحب كلانا عنيد شعاره كل شيء أو لا شيء. أنت مجنونة بالمظاهر الفارغة. فتصرخ في وجهي بل أنت متخلف سميرة وجمال يلوذان بحجرتيهما مذعورين. شد ما أسأنا إليهما عانى الحب بيننا، ويوماً بعد يوم حتى لفظ أنفاسه اختنق في لجة الجدل والخصام المستمرين، ولكن في هذا الكازينو في هذا الركن بالذات، كاشفت خالها بإعجابي بها. أبوها له سياسة خاصة بعد التعليم الثانوي يعد الفتاة للبيت اكتفاء بدخل لا بأس به. دعانا - أنا وهي - إلى عشاء في سانتا لوشيا. بعد ذلك أيام الخطوبة والأحلام والسلوك المثالي. رغم تقصف جميع الأوتار التي عرفتها. ألم يتحسن الجو بينكما؟ وأشعر بأنها تضيق بي. ولكن كيف؟ سوف تدرك مغزى زيارتي فيما بعد. هل يغفر سميرة وجمال لي ما فعلت؟ ما أشد اضطرابي وانتقل من مكان إلى مكان السوق. يوم سرنا في السوق النبتاع الدبلتين. فتقول مشرقة تهدرين حياتنا في السفاسف. عن وسيلة ناجعة لمعرفة النفس. واضح جداً. رأني جاري الدكتور وأنا أغادر الشقة. لم أفكر في الهرب قط. إلى الجحيم. هي الحقيقة - للأسف - يا ذات القلب الأسود. لم يجد اعتذار أو مجاملة أو توادد. ولم يجر بيننا حديث بعد ذلك، حامت أحلامي حول الهروب كالسجين أو الأسير. وراحت تتصرف تصرف المرأة الحرة، فلا تند عنها كلمة إلا للضرورة. وانطوت على سرها كبرياء فلم تشكني إلا لأختي صديقة، ولما لم تقم بما توقعته منها، املأ بطنك، فاليأس إحدى الرحلتين. الحق أني تمنيت كثيراً موتك، بيد الأقدار لا بيدي. أي متاعب تهون إلى جانب حجم الكراهية. بعد تبادل أقسى الألفاظ، كيف تناولت طعامي بشهية؟ حقاً، أنا والعذاب وهواك، فسقطت على رأسك. وجمال مبهوران بعد قوارب الصيد الراسية فوق شعاع القمر. هل يكفي يوم واحد للطواف بمعالم ربع قرن؟ لم لا تسجل الاعترافات العذبة في إبانها لعلها تنفعنا وقت الجفاف؟ الذكريات كثيرة مثل أوراق الشجر. والمدة الباقية قصيرة مثل السعادة السعادة تغيب الوعي حين حضورها وتراوغنا بعد زوالها، ومن لي بمن يجمعني بـ (دولت) ؟ لا سبيل إلى ذلك اليوم، وفضح أمري قبل الألوان، وما جدوى ادعاء حب لا وجود له اليأس وراء انزلاقي فيه؟ ولم تكف، عن التلويح لي بالزواج دون اكتراث المصير سميرة وجمال ليس هو بحب ولكنه نزوة انتقام. ولم أعبره للضربة القاضية المساء يهبط، فلأنتظر في أسترياء: أحب أماكن المساء إلي، مجمع الأسرار والعشاق والأحلام الوردية. الجعة والعشاء الخفيف والمرطبات، ربما أكون المنفرد بنفسه الوحيد معذرة، يا سميرة معذرة يا جمال، استقبلت الصباح بنية صافية، ولكنه الغضب يطوح بنا فوق المحاذير ضرعت إلى الساعة أن تتأخر دقيقة واحدة، بوجهه الثلجي الأبكم. أبداً. وانس الماضي تماماً، فما تغادره لن تراه مرة أخرى. كل لحظة هي اللحظة الأخيرة، من دنيا لم أشبع منها ولم أزهد فيها،